لا يختلف اثنان على أن الحياة ما بعد "غزو" وسائل التواصل لحياتنا جميعا بدرجات مختلفة لم تعد كما كانت قبل الغزو، وأننا جميعًا مطالبون بالتنبه "لحماية" أنفسنا من خطيئة الكفر بالنعم التي "تسرق" منا فرصنا التي نستحقها للفوز بالأفضل في الدارين والتي تزيدها هذه الوسائل.
نبدأ بالخسائر الدنيوية؛ فمن يكفر بالنعم التي لديه "يحرم" نفسه من الفرح بما لديه؛ ومنها ما تمناها لسنوات طوال ويتعامل معها وكأنها غير موجودة!! ويؤذي نفسه "بتناقص" رصيده من الشكر الحقيقي وهو الذي يترسخ في القلب والعقل وليس الذي ينحصر في اللسان.
فالشكر "وحده" أفضل مهدئ للقلب المتعب وأحسن مرطب لأوجاع الحياة التي تلاحقنا جميعًا لأنها جزء من الدنيا؛ فلسنا في الجنة لتخلو حياتنا من الألم أليس كذلك؟
الشكر "الصادق" يذكرنا بنعم الرحمن عز وجل ويرزقنا حسن الظن بالله اللطيف بعباده، بينما الكفر بالنعمة -والعياذ بالله- يزرع اليأس وقلة الأمل مما يرشح إلى الوصول بالسخط الذي "ينسف" كل الفرص في النجاة من سوء المصير في الدارين؛ فالإنسان اليائس "يتخبط" في الحياة ولا يجيد التفكير وكيف يفعل وهو يغلق بيديه "النور" في حياته ونقصد به حسن الظن بالوهاب.
ودينيًا نذكر أنفسنا بالآية الكريمة: "﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ".
من الكفر بالنعم استخدام البعض من الجنسين، ومن كل الأعمار، نعمة الثراء للتكبر، ونراه بوضوح في "الجروبات" التي تسخر من الفقراء بدلًا من التعاطف معهم ومد يد العون إليهم والدعاء لهم بالأفضل.
في وسائل التواصل رصدنا الكفر بنعمة الإنجاب من بعض الأمهات، وتحويلها إلى عبء لا يطاق بدءًا من الحمل وتصويره كمرض!! ووصولًا إلى "حتمية" اكتئاب ما بعد الولادة "والصراخ" حول معاناة تحضير اللانش بوكس!! بدلًا من الفرح بكل هذه النعم التي تتمناها ملايين النساء في العالم.
تابعنا تحويل نعمة زواج الصالونات كوسيلة محترمة لمن لم يجد شريك حياته من الجنسين في العمل أو من خلال المعارف إلى مادة سخيفة للسخرية..
والكفر بنعمة وجود الوالدين أو أحدهما على قيد الحياة وتحويلها إلى عبء نراه في بعض المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي وتحرض الأبناء والبنات على عدم الاهتمام بالوالدين "والتركيز" على المصالح الشخصية لهم!!
كما نرى الكفر بنعمة توجيه الأب والأم للأبناء والبنات والاستفادة من خبراتهما والحديث عنها كسيطرة ونرجسية وإلغاء لشخصية البنت والشاب!!
ونصل إلى الكفر بنعمة الزواج والذي يتمناه الملايين من الجنسين، وتحويله إلى معاناة "وحرمان" من الحرية "ومقبرة" للأحلام!! وجعله وسيلة للصراع على من يمسك بدفة الزواج.
والأسوأ والأخبث والأشد ضررًا زرع التخوين بين الزوجين وخاصة في النواحي المادية.
والكفر بنعمة الزوج المخلص وتصويره بأنه "فقط" لم يجد الفرصة لكي يخون مثل "كل" الأزواج!!
وهو تعميم ظالم ويخاصم الذكاء بالزعم أن كل الرجال يخونون "متى" سنحت لهم الفرص، وكأن الرجال لا يخونون زوجاتهم مع نساء ويجب أن يتقاسموا معهم الإدانة "والاحتقار" أليس كذلك؟
زاد الكفر بنعمة وجود عمل؛ وإن لم تتوافر به ما يلبي أحلام ورغبات والتركيز على التقليل منه فتضيع نعمة "الرضا" التي تهون عليه ما يزعج من العمل، وتساعد على البحث عن عمل أفضل بلا تعجل لمنع إساءة الاختيار.
تناقصت نعمة شكر الرحمن على ما رزقنا به وزاد التطلع دومًا إلى ما ينشره الآخرون من "مظاهر" البذخ وأحيانًا الحب "المزيف" بين الزوجين.
وزاد الكفر بنعم مثل المسكن والأمان وتوافر الحد المعقول من المعيشة واعتباره حقًا؛ وليس نعمة تستوجب الشكر مع السعي لتحسين ظروف الحياة ما استطعنا؛ فالقبول بما نستطيع تغييره "خيانة" للنفس وليس فضيلة بأي حال من الأحوال، بل سلبية نرفض تغليفها بالرضا وهو بريء منها كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.
تحرض وسائل التواصل الاجتماعي على الكفر بالنعمة من خلال تشجيع الشكوى من كل شيء -وإن كان تافهًا- وكأن كل رغباتنا يجب أن تتحول إلى واقع، وكأن أي شيء يزعجنا يجب تضخيمه، وكأنه يجب أن تسير كما نحب في كل الأمور!!
كما تحرض وبشدة على الشكوى من التعاملات مع الآخرين ولا تقبل التماس الأعذار ولا التغافل.
وتحرض غالبية المنشورات على الرد بالأسوأ على أي تصرف لا يعجبنا ولو صدر من الوالدين أو أحدهما أو الاخوة وبالطبع من الزوج وأهله وإنكار أي خير منهم.
نود أن نتذكر "ونتدبر" جميعًا الآية الكريمة: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".
والآية الكريمة: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ".
يُقال كفر الزارع البذور؛ عندما يضعها في الأرض ثم يغطيها بالتراب، وكفر النعمة يعني عدم إعطائها حقها من الشكر "وتعمد" إخفائها أو التقليل من أهميتها، أو نسب النعمة للنفس مثل من يقول: نجحت بفضل مجهودي وليس بفضل توفيق الرحمن عز وجل، أو استغلال النعم فيما حرمه الخالق.
وفي الحديث الشريف: "من لم يَشكرِ القليلَ، لم يشكرِ الكثيرَ، ومن لم يَشكُرِ النَّاسَ، لم يشكرِ اللَّهَ. والتَّحدُّثُ بنعمةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وتركُ التحدَّثِ كفرٌ، والجماعةُ رحمةٌ، والفُرقةُ عذابٌ.".
قال الإمام الغزالي: "من عرف النعمة ولم يعرف المنعم؛ فقد كفرها، ومن عرفها وعرف المنعم ولم يرضَ بقسمته؛ كفرها مرتين".