ما الفرق بين المُنشد والمداح؟.. ولماذا يعد «المديح» من التراث المصري الخالص؟| فيديو وصور

29-8-2026 | 12:13
ما الفرق بين المُنشد والمداح؟ ولماذا يعد ;المديح; من التراث المصري الخالص؟| فيديو وصور ليالي المديح في الصعيد
قنا -محمود الدسوقي

يحتفظ الشاب محمد فريد شوقي على حاسبه الشخصي بتراث المديح القديم لأعلامه الكبار مثل الشيخ بدري والتوني، وهو ما أكسبه ثقافة كبرى في هذا الفن الشعبي المُحبب، يعرف جيدًا قواعد الحضرة بعد انتهاء الورد، بالصلاة على النبي وعلى آل بيته، وورد الطريق ليستعد حينها لدخول غمارة الحضرة بقسمها الحسيني المعروف. 

موضوعات مقترحة

تُعرف "الحضرة الحسيني" اصطلاحًا بأنها الحركات التي تكون بعد قراءة التلاوة، ولا بد أن تذكر الأوراد فيها، أسماء أقطاب مصر من مرسى مطروح حتى أسوان، وتبدأ "الحسيني" غالباً بحركة الصعود والهبوط، من الذين يدخلون غمارها، ثم حركة اللف بالصدر والجسم، وفي النهاية يقوم الذاكر بدب الأرض برجله في حركة خفيفة، للإعلان عن انتهائها مُنسجماً مع المنشد.

دخل الشاب محمد فريد غمار طريقة السادة البرهامية عبر والده وجده، وأصبح يعرف جيدًا القواعد فى دخول الحضرة الانسجام بين المنشد المداح وبين الداخلين للحضرة، لذا يقول لـ"بوابة الأهرام:"الحضرة هى الحضرة، وأن يكون المداح مُتمكنًا يعطى فرصة للذاكرين بالانسجام".   

الحضرة الليثي 

هناك وِرد آخر للحضرة، وهو الليثي، وقد صار نادرًا، لكنه وصل إلينا عبر شرائط الكاسيت القديمة فى الصعيد الغير متداولة على الأنترنت، حيث كانت تمتد الحضرة لساعات طويلة، دون استخدام أي آلة موسيقية، لا يدخلها غير أشخاص يمتازون بالحنكة والبراعة في تطويع أجسادهم، بما يتماشى مع ما يتم ترديده من قصائد ونغمات موسيقية تخرج من الفم، ويظهر شرائط كاسيت مجهولة للمداحين الكبار فى الصعيد، قبل دخول الأنترنت أن المُنشد عليه أن ينظم الحضرة الليثي، وكلما استخدم صوته بدون آلة مساعدة كان مُحنكًا مثل الشيخ أحمد حامد. 

وحاليًا صارت "الحضرة الليثي" مُنقرضة فى محافظة قنا، وباقية فى أسوان وإسنا بشكل مختلف وبآلات موسبقبة حادة تحعلها خارجة عن سياق الليثي، والإنشاد في الحضرة الليثي يختلف كل الاختلاف عن الحضرة الحسيني. 

المداح المعتزل محمد عبد الله 70 سنة، أكد لـ"بوابة الأهرام" أن الحضرة الليثي تعتمد على حركتين ثني الجسم ولف الجسم، والحركة الثانية هي حركة العصا، حيث تكون الأقدام مثنية، وفي الحضرة الليثي لا توجد موسيقى لصعوبتها، ولا يدخلها إلا المخضرمون، ولفظ الجلالة يكون خارجًا من الأعماق كهديل الحمام، رافضًا الحضرة الليثي الحديثة التى يدخلها الشباب فى أسوان وإسنا كنوع من التحدي، مؤكدًا على أنها قريبة من الليثي، لكنها لا تملك عمق وجوهر الليثي.  

الحضرة الليثي ليست وحدها من يواجه الإنقراض فى الصعيد، أنما السير الشعبية العامية بأسرها، فالمداح عبدالله كان من المداخين القلائل في الصعيد الذين يحفظون السيرة الشعبية لقصة وفاة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وهي قصة دينية يتم إنشادها لمدة ساعة كاملة بلا توقف، وهي سيرة حزينة تدخل المستمعين في نوبة بكاء وحزن، على رحيل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، كما يحفظ قصص الأقطاب الصوفية المُطعمة مابين الفصحى والعامية، ومنها قصة التمساح مع سيدي إبراهيم الدسوقي، وقصة السيد البدوي مع والده. 

وبين اللغة العامية والفصحى، دخل التفريق بين المنشد والمداح فى عالم الحضرة والذكر، وهو ما لا يعرفه الكثيرون، فالمداح هو من يتخذ اللهجة والشعر العامي طريقًا وأسلوبًا مثل مدرسة أمين الدشناوي، بينما المنشد من يدخل الغمار مُتسلحًًا باللغة العربية الفُصحى، وهو ما يمثله ياسين التهامي ومدرسته فى عموم مصر، ومنهم من يُطعم الفصحى بالعامية، وإن كان الأغلب عليها العامية. 

المداح الشاب محمد المناعي، كان واحدًا من الذين يطعمون مدرسته بالفصحى والعامية، حيث نشرت له "بوابة الأهرام"  قصيدة "يادار"، وهى من ضمن التراث العربي الذي تحدث عن الأطلال والديار، وقد استخدمت فرقة المناعي آلة الكمان كى تقدم وصفًا لرحلة الشاعر الباكي على الأطلال. 


ليالي المديح في الصعيد

الكمان في ليالي المولد

يصف خبراء الموسيقى الكمان بأنه أقرب الآلات الوترية التى تعبر عن انفعالات الإنسان، وقد شهدت حفلات الذكر فى ليالي المولد النبوي منذ سنوات تأصيل الكمان وتواجده فى كافة الحفلات منذ أن استخدمه ياسين التهامي لأول مرة فى نهايات سبعينيات القرن الماضي، فقبل التهامي كان الرق والغاب حاضرين مع استخدام ألحان لأغنيات شهيرة ووضعها فى قالب الموسيقى للبناء عليها بشكل طفيف، لكن بعد دخول الكمان والآلات الحديثة، كان على المنشد أن يصنع موسيقاه الخاصة به فى الإنشاد لتتماشى مع القصيدة، وقد ساعدت كليات التربية الموسيقية ومدرسين الموسيقى فى مدارس التربية والتعليم على الارتقاء بفن المديح والإنشاد وجعله بقالب طربي.  

الإنشاد الديني دراسة مقارنة بين مصر والمغرب 

بدوره يؤكد أحمد سعد الدين عيطة فى كتابه "الإنشاد الديني.. دراسة مقارنة بين مصر والمغرب" ،على أن  تداخل موسيقى الريف للمداحين المصريين من خارج القاهرة والإسكندرية جعله من المديح فنًا شعبيًا مصريًا خالصًا، مضيفًا أن المدح هو وصف المحاسن بكلام ولسان جميل، حيث جمع شعر المديح النبوي الصادق بين الدلالة الحرفية الحسية والدلالة الصوفية الروحانية.  

ليالي أهل الله 

اعتمد عيطة فى دراسته الميدانية وكتابه الصادر من سلسلة الثقافة الشعبية على الكثير من المصادر والمراجع الأكاديمية، وكذلك المواقع الصحفية ومن ضمنها "بوابة الأهرام"، حيث رصد ليالي أهل الله، وهو المعنى الدارج لإقامة الاحتفالات الدينية بالإنشاد الديني مثل ليالي المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية، وليلة النصف من شعبان، بالإضافة للاختفاء بمقامات أولياء الله الصالحين، فضلاً عن الحفلات الشعبية من أفراح وغيرها، وقد كان قديمًا يقضى المداح والمنشد فى البلدة لمدة شهر، مضيفا أنه للأسف أغلب الاحتفالات الاجتماعية التى ارتبطت بالمدح والإنشاد اندثرت الآن، وقليل من الناس من يقيم ليلة لأهل الله. 

تبقى مناسبات الاحتفال بمولد النبوي الشريف، وشهر رمضان، والاحتفال بأولياء الله الصالحين، وبعض احتفالات الحج والعمرة هى أبرز المظاهر التى ترتبط بالمديح والإنشاد؛ مما يجعل وجودها مهما للحفاظ على التراث المصري فى المديح والإنشاد. 

كان لدخول الموسيقى فى عالم الإنشاد والمديح دورًا كبيرًا كما يقول عيطة بدلاً من اعتماد المداح والمنشد على صوته والكورس المصاحب له، أو المسبحة والعصا للنقر عليها ودخول الموسيقى فى عالم المديح والإنشاد أدخل أدوارًا جديدة وأساليب متسقة مع الأداة، حيث حدثت إضافات نغمية فى المديح والإنشاد وزيادة فى الطول اللحني. 

استرسلت دراسة عيطة عن حالة الإنشاد والمديح المصري وكذلك المغربي وبالأخص الإنشاد الفاسي، مؤكدًا أن كلا البلدين حدثت فيهما تغيرات، وقد تأثر المنشد بالآلات التكنولوجية فى مجال الصوت، فقد أصبح من المعتاد أن يستخدم المُنشد مكبرات الصوت الحديثة ثم ميكسر الصوت فيما تقبل الجمهور الأجهزة الحديثة. 

استرسلت الدراسة فى جمع سير المداحين والمنشدين فى مصر والمغرب، كما استرسلت فى ذكرت التأثيرات الحديثة على المدح الموزون والمقفى والشعر الحر بين الإنشاد والمديح، إلا إن الدراسة فى مُجملها أكدت على أهمية الحفاظ على تراث المديح والإنشاد والحفاظ عليه ورعايته أيضا.


كلمات البحث
اقرأ أيضًا: