ربما لا يلوح لك اسم فيينا عاصمة النمسا، حتى يتبادر إليك تلك الصورة التي رسمتها لنا المطربة أسمهان، حين شدت برائعتها «ليالي الأنس في فيينا» التي صاغ كلماتها شاعر الشباب أحمد رامي، ولحنها ملك العود الموسيقار فريد الأطرش، وغنتها أسمهان خلال فيلمها الأخير «غرام وانتقام» عام 1944م.
موضوعات مقترحة
منذ ذلك الحين، ارتبطت النمسا بصورة ما أو بأخرى بما كانت عليه الأرستقراطية والملكية في مصر خلال حقبة الأربعينيات، ربما لتصوير أحداث الفيلم داخل السرايات والقصور، أو لربما لنجاح مجاميع الممثلين التي صورت بصدق طبقة الأمراء والنبلاء.
الملكة نازلي
سرقة هوليوودية لقلادة الملكة نازلي
لكن فيينا بالأمس شهدت فصلاً مثيرًا يرتبط بتراث الحقبة الملكية في مصر؛ إذ شهدت العاصمة النمساوية "فيينا" واقعة سرقة هوليوودية تصدرت عناوين كبرى الصحف العالمية، بعد أن تمكن بعض اللصوص من سرقة واحدة من أثمن وأشهر قطع المجوهرات الملكية المصرية في التاريخ؛ وهي قلادة الألماس الخاصة بالملكة نازلي «والدة الملك فاروق»، التي تتزين بـ673 ماسة وتزن أكثر من 200 قيراط.
جرت واقعة السرقة على متحف الفنون التطبيقية الشهير (MAK) الذي أودعت فيه القلادة النفيسة، فيما تم ذلك في وضح النهار وبالتحديد في تمام الساعة الثانية ظهرًا بالتوقيت المحلي.
الملكة نازلي
البداية حين دخل مجهولان إلى المتحف كأنهما زائران عاديان يسيران وسط قاعات العرض، ومن ثم توجه اللصان مباشرة نحو صندوق العرض الزجاجي الخاص بالقلادة الملكية؛ مما يوضح أنهما كانا يعرفان ما يريدان سرقته مُسبقاً وبدقة متناهية.
وبحسب ما أفادت به الشرطة النمساوية، هدد اللصان الزوار الآخرين بسلاح قبل أن يقوما بتحطيم واجهة العرض الزجاجية، ليستولوا على العقد الفريد، ثم ركضوا خارجين من المتحف ولاذوا بالفرار إلى جهة غير معلومة.
الملكة نازلي خلال زفاف ابنتها فتحية من رياض غالي
تاريخ القلادة الأسطورية
أما بالنسبة لتلك القلادة النفيسة، فقد صُممت خصيصاً للملكة نازلي زوج الملك فؤاد الأول، وأم الملك فاروق عام 1939م بواسطة دار المجوهرات الفرنسية الفاخرة «فان كليف أند آربلز»، لتتزين بها في الحفل الأسطوري لزفاف ابنتها الأميرة فوزية على ولي عهد إيران آنذاك محمد رضا بهلوي.
والقلادة مصنوعة من البلاتين الخالص، ومُرصعة بـ673 ماسة نادرة، بوزن إجمالي يصل إلى 200 قيراط.
الملكة نازلي بصحبة ابنتها فتحية من رياض غالي
كيف وصلت القلادة إلى النمسا؟
باعت الملكة نازلي مجوهراتها في سبعينيات القرن الماضي بعد أزمة مالية في أمريكا. وفي 2015، أعادت دار "فان كليف أند آربلز" شراء العقد بمزاد سوذبيز في نيويورك بنحو 4.3 مليون دولار. وكانت الدار تعرضه في فيينا ضمن معرض "Glanzstücke" منذ يونيو الماضي.
الملكة نازلي بصحبة ابنتها فتحية من رياض غالي
الملكة نازلي.. حياة تحت الأضواء ونهاية مأساوية
وُلدت نازلي صبري في 25 يونيو عام 1894م، كان والدها هو عبد الرحيم باشا صبري الذي كان مديرًا لمديرية المنوفية، وعُيِّن بعد زواجها من الملك فؤاد وزيرًا للزراعة، أما أمها هي توفيقة هانم ابنة رئيس وزراء مصر وأبو الدستور المصري محمد شريف باشا، وكان لديها شقيقان: حسين صبري وشريف صبري، وشقيقتان: أمينة هانم صبري ونوال صبري (التي تسمى باسمها شارع نوال في العجوزة).
تزوجت نازلي في عام 1919م، من السلطان أحمد فؤاد الأول بعد طلاقه من زوجته الأولى الأميرة شيوة كار، وأصبحت ملكة مصر القرينة بين عامي 1919 حتى 1936م بزواجها من الملك فؤاد الأول، ثم أصبحت «الملكة الأم» بعد اعتلاء ابنها فاروق الأول العرش حتّى صدور قرار ملكي بحرمانها من اللقب في 1 أغسطس 1950م.
قلادة الملكة نازلي
أنجبت نازلي للملك فؤاد نجلهما الملك فاروق الأول، آخر ملوك مصر من الأسرة العلوية وشقيقاته الأميرات (فوزية، فايزة، فايقة، فتحية)، وحتى عام 1936م، كانت نازلي حبيسة الحرملك في القصور الملكية حتى وفاة الملك فؤاد الأول عام 1936م، الذي عُرف عنه أنه كان صارمًا شديد المراس حتى مع زوجته وأولاده؛ لذا شعرت نازلي بالكثير من التحرر بعد رحيل فؤاد، ولا أدل على ذلك من رحلة العائلة الملكية والتى ترأسها الملك فاروق عام 1937م إلى مدينة لوزان السويسرية، فيما نُشرت صور الأسرة الملكية وعلى راسها الملكة الأم والأميرات بينما يتزحلقن على الجليد، ما أحدث ضجة كبيرة حينها.
ومن رُدهات القصر، خرجت قصة الزواج السري للملكة الأم نازلي من رئيس ديوان الملك فاروق أحمد حسنين باشا، رغم ما أُحيط بها من ستائر الكتمان، وحين توفي حسنين باشا في حادث (قيل أنه مدبر من الإنجليز)، حين اصطدم لوري إنجليزي بسيارته على كوبري قصر النيل.
قلادة الملكة نازلي
وحين توفي حسنين باشا، عادت نازلي إلى سيرتها الأولى، وقررت السفر خارج البلاد وجمعت ما تسني لها من الأموال في سرية تامة، وطلبت من ابنها الملك فاروق السماح لها بزيارة القدس في أعقاب خلاف تم بينهما، وأرسل فاروق رسله إلى أمه، وفي طليعتهم رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا وزوجته زينب هانم الوكيل لإقناعها بالعودة.
تذرعت الملكة نازلي بالسفر إلى فرنسا بحجة العلاج من مرض الكلى، وبالفعل سافرت إلى سويسرا ومنها إلى فرنسا، واستقرت فيها للعلاج عدة أسابيع لكن حالتها لم تتحسن، فسافرت إلى الولايات المتحدة للعلاج أيضًا، واصطحبت معها ابنتيها فايقة و فتحية، وكل من كان معها في فرنسا بما فيهم موظف علاقات عامة صغير من أسرة قبطية اسمه رياض غالي.
مقبرة الملكة نازلي بلوس أنجلوس
قامت ضجة كبيرة في مصر بعد الزواج المدني للأميرة فتحية من رياض غالي، وما لبث الملك فاروق أن أصدر قرارًا بحرمانها من لقب «الملكة الأم» في جلسة مجلس البلاط في 1 أغسطس 1950م، وقد خرجت المظاهرات أمام قصر عابدين تحمل شعارات ضد فاروق كُتب علي بعضما "من لم يحكم أمه لا يحكم أمة".
وبمقتضى هذا المرسوم، تم الحجر عليها للغفلة وإلغاء وصايتها على ابنتها الأميرة فتحية، بالرغم من ذلك اشترت بيتين أحدهما في بيفرلي هيلز والآخر في هاواي، وأعطت لرياض غالي توكيلاً عامًا بإدارة أعمالها، لكنه خسر كل أموالها في استثمارات فاشلة، ورهن البيتين وتراكمت عليه الديون، مما اضطرها إلى أن تشهر إفلاسها سنة 1974م.
مقبرة الملكة نازلي بلوس أنجلوس
سكنت نازلي بعد ذلك شقة متواضعة في حي للفقراء اسمه «ويست وود» في مدينة لوس أنجلوس، وحصلت الأميرة فتحية على حكم بالطلاق من رياض غالي بعد انفصالهما سنة 1965م، وهو نفس العام الذي توفي فيه فاروق في إيطاليا.
وفي العام 1976م، قام رياض غالي بقتل الأميرة فتحية بإطلاق عدة رصاصات عليها أمام أنظار نازلي، التي كانت تعاني الشيخوخة وأمراضها،، و بعد وفاة ابنتها وعاشت في الولايات المتحدة إلى أن توفيت في 29 مايو 1978م، ودُفنت إلى جوار الأميرة فتحية في مقبرة «السماء المقدسة» بكاليفورنيا، بعد إقامة مراسم كنيسة ألمانية (بروتستانتية) في لوس أنجلوس، وسط روايات تاريخية حول إجهارها وابنتها الأميرة فتحية بالديانة المسيحية البروتستانتية، وذلك بعد أن قضت أكثر من 30 عامًا في المنفى، بعيدة عن الوطن والعرش والأسرة.
الملكة نازلي بصحبة أولادها، الملك فاروق والأميرات
الملكة نازلي بصحبة أولادها، الملك فاروق والأميرات
الملكة نازلي تتزين بقلادتها
الملكة نازلي تتزين بقلادتها
الملكة نازلي ترتدي قلادتها الشهيرة في الزفاف الأسطوري لابنتها الأميرة فوزية
أحمد حسنين باشا