«بين عبقرية الشفاء وكيمياء الدواء».. جوانب العظمة الإسلامية في تاريخ الطب والصيدلة

28-8-2026 | 11:37
;بين عبقرية الشفاء وكيمياء الدواء; جوانب العظمة الإسلامية في تاريخ الطب والصيدلة صورة تعبيرية

شهدت الحضارة العربية الإسلامية عبر تاريخها الممتد قفزات علمية استثنائية، شكلت الجسر الأساسي الذي عبرت عليه العلوم الإنسانية من العصور القديمة إلى العصر الحديث، ولم يكن هذا العبور مجرد نقل أمين للتراث اليوناني والفارس والهندي، ولكن كان عملية إعادة تأسيس، وتطوير وابتكار،وفي قلب هذه النهضة العلمية برزت صناعة الدواء أو ما كان يعرف بعلم الصيدلة و"الأقرباذين" كعلم مستقل بذاته، بعد أن كان مجرد فرع ثانوي ملحق بمهنة الطب لا يملك هوية علمية أو تنظيمية خاصة.

موضوعات مقترحة

إن دراسة تاريخ صناعة الدواء في البيئة الإسلامية ليست مجرد تقص لتركيبات علاجية قديمة، ولكن هي قراءة في نشأة المنهج التجريبي المخبري، فقد حرص العلماء المسلمون على تحويل الممارسات الطبية من نطاق التخمين والخبرات الفردية العشوائية، إلى نطاق العلم المنظم الخاضع للتجربة، والمشاهدة، والقياس الدقيق، وانطلقوا في ذلك من دافع ديني وإنساني عميق يؤمن بأن لكل داء دواء، فغدت المستشفيات ومختبرات الصيادلة حواضن لابتكار الأدوية المفردة والمركبة، ويتميز المنجز الصيدلاني العربي بـالمأسسة والتنظيم؛ حيث كانت الحضارة الإسلامية أول من وضع نظام صارم لمراقبة جودة الأدوية وصناعتها من خلال نظام الحسبة. 

كان المحتسب يطوف على دكاكين العشابين ليفحص نقاء العقاقير، ويمنع الغش، ويتأكد من دقة الموازين؛ مما يمثل الإرهاصات الأولى للمنظمات الرقابية الدوائية الحديثة، ترافق ذلك مع طفرة في حركة الترجمة والتأليف؛ فظهرت موسوعات دوائية ضخمة مثل كتاب الصيدنة في الطب للبيروني، والجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار، والتي صنفت آلاف النباتات والعقاقير الطبية بدقة متناهية.

ولم يتوقف الإبداع عند حدود التصنيف، ولكن امتد إلى الابتكار التقني في تحضير الدواء، فقد أدخل علماء الكيمياء المسلمون، وفي مقدمتهم جابر بن حيان، عمليات كيميائية معقدة إلى التحضير الدوائي، مثل التقطير، والتسامي، والترشيح، والتبلور، وبفضل هذه التقنيات، تمكنوا من استخلاص الزيوت العطرية، وتركيب الأشربة، والمراهم، والكبسولات المغلفة بالسكريات لتحسين مذاق الدواء وتسهيل تعاطيه، وهو ما يمثل النواة الحقيقية للصناعة الدوائية المعاصرة.

صاغ فيها الصيادلة العرب والمسلمون دستورًا دوائيًا عالميًا، ظلت أوروبا تستقي منه لقرون طويلة، وتأكيدًا على أن الصيدلية الحديثة بملامحها الراهنة تدين في نشأتها الأولى لتلك العقول التي جمعت بين شغف العلم وأمانة التطبيق في بغداد، وقرطبة، والقاهرة، ودمشق.

أولا - إنجازات علماء المسلمين الصناعات الدوائية

شهدت الحضارة الإسلامية العصر الذهبي للصناعة الدوائية علم الصيدلة أو الأقرباذين، حيث تحولت من مجرد وصفات تقليدية إلى علم طبي تجريبي منظم يعتمد على القواعد العلمية والمختبرات، إنجازات علماء المسلمين في الصناعة الدوائية، وتمثل مساهمة علماء المسلمين في مجال الصيدلة وتصنيع الدواء قفزة نوعية شكلت الحجر الأساس لعلم الصيدلة الحديث، فلم يكتفِ هؤلاء العلماء بنقل علوم الحضارات السابقة كالإغريقية والهندية، ولكن طوروها وابتكروا طرقًا تصنيعية وأسسوا مهنة الصيدلة كعلم مستقل عن الطب.

1- تأسيس الصيدلة كمهنة مستقلة قبل العصر الإسلامي: كان الطبيب هو نفسه من يشخص المرض ويحضّر الدواء، في القرن الثامن الميلادي، قام علماء المسلمين بفصل الصيدلة عن الطب لتصبح مهنة قائمة بذاتها لها معاهدها ومتخصصوها الذين عرفوا باسم الصيادلة أو العشابين، وأنشئت أول صيدلية عامة في التاريخ في بغداد عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور.

2- ابتكار طرق التصنيع والصيدلة التجريبية: أدخل علماء المسلمين المنهج التجريبي والمختبري في تصنيع الدواء، واستخدموا تقنيات كيميائية متطورة لتنقية المواد واستخلاص المواد الفعالة، ومن أبرز هذه العمليات: 

-عملية التقطير والتسامي لإنتاج الزيوت العطرية والمياه المقطرة والمواد الطيارة .

- عملية الترشيح والتبلور لفصل الشوائب والحصول على مواد دوائية نائية.

- التبخير والتكثيف لتعديل تركيز الأدوية السائلة وتصنيع المستخلصات.

3- استحداث أشكال صيدلانية جديدة: توسع الصيادلة المسلمون في ابتكار أشكال وأوعية مختلفة لتقديم الدواء لتسهيل تناوله من قبل المرضى، ومنها: 

ـ الأقراص والكبسولات البدائية واستخدام القوالب لضغط المساحيق الدوائية.

ـ الأشربة والشراب المركز: خلط الأدوية العشبية بالعسل أو السكر لتحسين طعمها المُر وحفظها لفترات أطول.

ـ المراهم والكريمات وخلط المواد الفعالة بالدهون والزيوت والشحوم للاستخدام الظاهري.

ـ التغليف بالذهب والفضة: ابتكر ابن سينا طريقة لتغليف الحبوب ببرادة الذهب أو الفضة ليس فقط لتحسين المظهر وإخفاء الطعم، ولكن لاعتقاده بفوائدها الطبية.

4- وضع الدساتير الدوائية: ابتكر المسلمون فكرة الدستور الدوائي، وهو كتاب رسمي يحتوي على أسماء الأدوية، ومركباتها، ومقاديرها، وطرق تحضيرها، وكان كتاب "أقرباذين" لسابور بن سهل أول دستور دوائي يُعتمد رسميا في المستشفيات لضمان دقة نسب التركيب وتجنب حالات التسمم.

5- الرقابة والالتزام الأخلاقي هو نظام الحسبة: أدخلت الدولة الإسلامية نظام المحتسب، وهو بمثابة المفتش الصحي والتمويني في عصرنا الحالي، وكان المحتسب يزور الصيادلة فجأة، ويختبر دقة موازينهم، ويتأكد من صلاحية الأعشاب الطبية وعدم غش الأدوية، وكان الصيادلة يقسمون يمينا مهنيا شبيها بقسم بقراط للأطباء بعدم تركيب سموم أو أدوية ضارة.

ثانيا - أبرز علماء المسلمين ورواد الصناعة الدوائية

- جابر بن حيان (أبو الكيمياء)، وهو من نقل علم الكيمياء من السحر إلى العلم التجريبي، وأول من حضّر حمض الكبريتيك، وحمض النيتريك، وكربونات الصوديوم، واستخدم هذه المركبات في تحضير مستحضرات طبية وصيدلانية متعددة.

- أبو بكر الرازي في كتابه "الحاوي في الطب"، أفرد جزءًا كبيرًا للصيدلة وتأثير الأدوية، وهو أول من جرب التأثيرات العلاجية للمركبات الكيميائية على الحيوانات مثل: القردة قبل إعطائها للبشر، كما ابتكر فتائل الجروح والمراهم الزئبقية.

- ابن سينا في كتابه الشهير "القانون في الطب"، صنف الأدوية إلى مفردة ومركبة، وشرح بالتفصيل تأثير الأدوية على الجسم، ووضع أسس القواعد التجريبية لاختبار فاعلية الدواء الجديد مثل ضرورة تجربة الدواء على مرض بسيط غير مختلط، ومراقبة وقت ظهور الأثر.

- ابن البيطار: يعتبر أعظم علماء النبات والصيدلة في القرون الوسطى، في كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، وصف أكثر من 1400 عقار طبي نباتي، وحيواني، ومعدني من بينها نحو 300 عقار جديد من ابتكاره الخاص، مُرتبة أبجديا بدقة متناهية.

- الغازي بن علي الغافقي وتميز بكتابه "الأدوية المفردة"،حيث قدم منهجية علمية فائقة في تحديد جرعات النباتات الطبية وتأثيراتها الجانبية.

ثالثا - شهادات غربية على تصنيع الدوائي في الحضارة الإسلامية

1- شهادة الموسوعة البريطانية: أكدت الموسوعة دور المسلمين في وضع الهيكل العام للصيدلة عبر الآتي:"إن الحقَّ أن كثيرًا من أسماء الأدوية،وكثيرا من مركَباتها المعروفة حتَّى يومنا هذا،وفي الحقيقة المبنى العامّ للصيدلة الحديثة قد بدأه العرب".

2- شهادة المستشرق الألماني ماكس ميرهوف أشار ميرهوف إلى الاعتماد الطويل لأوروبا على مؤلفات الصيادلة المسلمين، قائلاً: "ظل علماء العقاقير الطبية في أوروبا يستخدمون المؤلفات العربية في الصيدلة ويستعينون بها حتى سنة 1830م تقريبا". 

3- شهادة المؤرخة الألمانية زيغريد هونكه، في كتابها الشهير "شمس العرب تسطع على الغرب"، وثقت هونكه الابتكارات الفريدة للمسلمين وأعترفت بأن العرب هم أول من أنشأ الصيدليات العامة والخاصة في التاريخ بمفهومها المنظم والمراقب من الدولة. وأشارت إلى تفوقهم في إخفاء مرارة الأدوية عبر ابتكار الأشربة المُحلاة، وتغليف الحبوب بالذهب أو الفضة.

4- شهادة المؤرخ البلجيكي جورج سارتون، حيث أكد سارتون في كتابه "مقدمة في تاريخ العلم" على الريادة الإسلامية في تصنيف الأدوية، وأشاد بموسوعة ابن البيطار "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، ووصفها بأنها أعظم مؤلف صيدلاني نباتي من العصور الوسطى وحتى عصر النهضة الأوروبية.

في النهاية لم تكن الصيدلة في الحضارة الإسلامية مجرد تجارة أعشاب، ولكن كانت صناعة علمية دقيقة قائمة على التجربة، والرقابة، والتدوين العلمي، وهو ما نقل الطب الإنساني من العشوائية إلى العصر الحديث. 

وهكذا نجد أن التراث الدوائي في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ العلوم، ولكن كان القوة المحركة التي أعادت تشكيل مفهوم الرعاية الصحية وصناعة الدواء في العالم القديم والحديث على حد سواء، إن العبقرية الطبية لعلماء المسلمين لم تقتصر على ترجمة علوم الحضارات السابقة كاليونانية والهندية والفارسية، وتمثلت في قدرتهم الفائقة على نقد تلك العلوم، وتنقيتها، والإضافة إليها بمنهجية علمية صارمة تقوم على التجربة والملاحظة والمختبر.

لقد نقل المسلمون الصيدلة من مهنة هامشية ملحقة بالطب إلى علم مستقل بذاته، وصناعة قائمة على أصول وقوانين، فكانوا أول من أسس الصيدليات العامة والخاصة، وأول من وضع نظام الحسبة للرقابة على جودة الأدوية ومنع غشها، وأول من أصدر الأقراباذينات اي دستور الأدوية التي حددت بدقة الأوزان، والمقادير، وطرق تركيب العقاقير النباتية والحيوانية والمعدنية.

إن الإرث الذي تركه جهابذة مثل ابن سينا، والرازي، وابن البيطار، والزهراوي لا يزال حياً في أساسيات الصيدلة الحديثة؛ فمفاهيم مثل التجريب السريري للدواء، ودراسة الآثار الجانبية، واستخلاص الزيوت العطرية، وابتكار الترياقات المركبة، كلها بذور نبتت في بستان الحضارة الإسلامية .

لم تكن هذه الإنجازات لتتحقق لولا المناخ الفكري والروحي الذي وفرته الدولة الإسلامية، والذي اعتبر السعي وراء الشفاء والتداوي واجب ديني وإنساني، انطلاقًا من المبدأ النبوي الشريف "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".

إن قراءة هذا التاريخ ليست مجرد استدعاء للمفاخر والماضي، ولكن هي دعوة ملحة لأجيال الحاضر والمستقبل لاستلهام تلك الروح العلمية، واستعادة الشغف بالبحث والاكتشاف لتطوير الصناعات الدوائية المعاصرة، ولقد أثبت علماء المسلمين أن العلم لا وطن له، وأن الحضارة الحقيقية هي التي تبني معرفتها لحماية الإنسان وإحياء النفس البشرية.

د. سليمان عباس البياضي
عضو اتحاد المؤرخين العرب


د. سليمان عباس البياضيد. سليمان عباس البياضي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: