«بريطانيا المتغيرة» المجتمع الإنجليزي في الخمسينيات كما صورته رواية «أكلُ الناسِ خطأٌ» لملكوم برادبري

28-8-2026 | 11:11
;بريطانيا المتغيرة; المجتمع الإنجليزي في الخمسينيات كما صورته رواية ;أكلُ الناسِ خطأٌ; لملكوم برادبريرواية أكلُ الناسِ خطأٌ لملكوم برادبري

«أكلُ البشرِ خطأٌ» هي الرواية الأولى للكاتب والأكاديمي الإنجليزي مَلْكوم برادبري، وقد نُشرت للمرة الأولى عام 1959، وهي رواية جامعية تدور أحداثها في جامعة إقليمية حديثة الطراز من جامعات الطوب الأحمر في إنجلترا خلال خمسينيات القرن العشرين، وقد استوحى برادبري الجامعة في الرواية بصورة وثيقة من جامعة ليستر الجامعية التي درس فيها هو نفسه.

موضوعات مقترحة

وتتبع الرواية تجارب ستيوارت تريس، وهو أستاذ في الأدب يبلغ من العمر أربعين عامًا، يجسّد فضائل الليبرالية الأخلاقية في فترة ما بعد الحرب، بما تحمله من مبادئ الاستقامة وحسن النية، لكنه يحاول تطبيق هذه المبادئ في ظل مناخ اجتماعي قاسٍ يتسم بالتغير السياسي والقلق بشأن دولة الرفاه الاجتماعي. وتقدّم الروايةُ تريسَ بوصفه رجلًا رومانسيًا من جيل الثلاثينيات وجد نفسه تائهًا في خمسينيات القرن العشرين، وكثيرًا ما يؤدي تدخله الليبرالي إلى إثارة الارتباك والمشكلات، بينما يتفاعل مع مجموعة من الطلاب والزملاء غريبي الأطوار الذين يبرزون الفجوة بين المثل الفكرية والواقع اليومي.

وصف برادبري هذا العمل بأنه كوميديا متعاطفة، أو مأساة كوميدية، تتناول الصراعات والتناقضات التي تكتنف الحياة الليبرالية، بما في ذلك أوضاع الليبرالية الأخلاقية في مرحلة ما بعد الحرب، والتوترات الناجمة عن النزعة الإقليمية والتغير الاجتماعي، والدور الملتبس للمثقفين في مشهد أخلاقي آخذ في التحول. وقد كُتبت الرواية بأسلوب واقعي كان شائعًا في خمسينيات القرن العشرين، متأثرة بكتّاب من أمثال جورج أورويل، وويليام كوبر، وأنجوس ويلسون. وتتخذ الرواية نبرة كوميدية دافئة ذات نزعة ليبرالية، تتيح للشخصيات أن تعيش حياتها وتواجه مصائرها الخاصة، بدلًا من السخرية منها أو ازدرائها بصورة مباشرة.

وعند صدورها، أشادت بها الأوساط الأدبية بوصفها رواية أولى بارعة وسخرية اجتماعية مهمة، تجمع بين الحساسية والسخرية للكشف عن مأزق المثقف الليبرالي العالق بين جيلين. وأسهمت الرواية في ترسيخ سمعة برادبري بوصفه ساخرًا حادًّا من الحياة الأكاديمية، كما عُقدت مقارنات بينها وبين رواية جيم المحظوظ للكاتب كينجسلي إيمس، وإن كان برادبري قد أكد أن روايته أكثر إنسانية وأقل اعتمادًا على الهزل والمبالغة الكوميدية. ولا تزال الرواية تحتل مكانة محورية في أعمال برادبري، إذ تعكس انشغالات استمرت في أعماله الروائية اللاحقة، ولا سيما قضايا الثقافة والأخلاق والحياة الأكاديمية.


ملكوم برادبري

ملكوم برادبري

وُلد السير ملكوم برادبري في مدينة شيفيلد عام 1932، ونشأ في مدينة نوتنجهام، حيث تلقى تعليمه في مدرسة ويست بريدجفورد للقواعد. وبصفته أول فرد في أسرته يلتحق بالجامعة مستفيدًا من الإصلاحات التعليمية التي أُجريت في فترة ما بعد الحرب، درس اللغة والأدب الإنجليزي في جامعة ليستر الجامعية، وحصل على درجة جامعية مع مرتبة الشرف الأولى، ثم واصل دراساته العليا في كلية كوين ماري بلندن، وفي جامعة مانشستر، حيث حصل على درجة الدكتوراه، إلى جانب مواصلته دراسات أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية.

بدأ برادبري مسيرته في التدريس عام 1959، عندما عُيّن في قسم تعليم الكبار بجامعة هال، ثم انتقل عام 1961 إلى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة برمنجهام. وفي عام 1965، التحق بجامعة إيست أنجليا التي كانت قد تأسست حديثًا، حيث عُيّن أستاذًا للدراسات الأمريكية عام 1970، وظل فيها طوال بقية مسيرته الأكاديمية حتى عام 1994. وبالتعاون مع الروائي أنجوس ويلسون، أسس عام 1970 برنامج الماجستير في الكتابة الإبداعية بالجامعة، ليصبح واحدًا من أكثر البرامج تأثيرًا في بريطانيا لإعداد الكُتّاب الطامحين، كما أسهم إسهامًا كبيرًا في تطوير تدريس الكتابة الإبداعية في مؤسسات التعليم العالي البريطانية.

كان برادبري كاتبًا غزير الإنتاج، إذ جمع بين عمله الأكاديمي وإنتاج أدبي واسع في مجال الرواية والنقد. وقد نُشرت روايته الأولى، أكل البشر خطأ، عام 1959، لتؤذن ببداية إسهاماته في أدب الحرم الجامعي البريطاني. ثم تناول في رواياته اللاحقة، ومنها رجل التاريخ التي صدرت عام 1975، الحياة الأكاديمية والديناميات الاجتماعية برؤية ساخرة حادة. وشملت أعماله العلمية دراسات مؤثرة في الرواية الحديثة، تناول فيها كتّابًا من أمثال إيفلين وو، وشاول بيلو، وإدوارد مورجان فورستر، إلى جانب دراسات أوسع في الأدبين الأمريكي والبريطاني.

وفي عام 1991، مُنح برادبري رتبة قائد في وسام الإمبراطورية البريطانية تقديرًا لخدماته في مجال الأدب، ثم مُنح لقب فارس في احتفالات التكريم بمناسبة العام الجديد سنة 2000. وتوفي في مدينة نورويتش في 27 نوفمبر 2000، عن عمر يناهز ثمانية وستين عامًا. وفي تأملاته حول رواية أكل البشر خطأ، ذكر برادبري أن بطل الرواية، ستيوارت تريس، يمثل إسقاطًا لصورته الذاتية في سنوات شبابه، ولا سيما خلال فترة دراسته الجامعية.


رواية أكلُ الناسِ خطأٌ لملكوم برادبري

التأليف والتأثيرات

بدأ ملكوم برادبري كتابة رواية أكل البشر خطأ عام 1950، وهو العام الذي التحق فيه بجامعة ليستر بوصفه طالبًا من أبناء الطبقة العاملة الذين أُتيحت لهم فرصة الالتحاق بالجامعة من خلال منحة دراسية، مستفيدًا من قانون التعليم الذي صدر عام 1944، والمعروف باسم قانون بتلر، والذي أسهم في توسيع فرص التعليم الثانوي والعالي في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

واصل برادبري العمل على الرواية طوال خمسينيات القرن العشرين، وأعاد كتابتها عدة مرات، مستمدًا مادتها بصورة مباشرة من تجاربه في هذه الجامعة الحديثة المبنية بالطوب الأحمر. وقد أشار إلى أن الجامعة عادت للظهور في الرواية من دون أن تكون متخفية بصورة عميقة، إلا أن أحداث الرواية وشخصياتها ظلت ذات طابع تخييلي، ولم تكن الجامعة مجرد صورة روائية مقنّعة للجامعة الحقيقية.

وقد قصد برادبري من الرواية أن تكون صورة للصراعات والتناقضات الكامنة في الحياة الليبرالية خلال المناخ الاجتماعي القاسي الذي ساد بريطانيا في خمسينيات القرن العشرين بعد الحرب، حين تعايشت مبادئ دولة الرفاه الاجتماعي مع مشاعر القلق إزاء التغيرات الاجتماعية والسياسية. وقد وفّر إطار الجامعة الحديثة المبنية بالطوب الأحمر استعارة مناسبة لهذه التحولات، إذ عكس ظهور طبقة جديدة تقوم على مبدأ الجدارة، إلى جانب ملامح الحياة الإقليمية، كما تأثر برادبري بأعمال أدبية معاصرة، من بينها مشاهد من الحياة الإقليمية لويليام كوبر، التي تدور أحداثها أيضًا في ليستر.

ووضع برادبري روايته ضمن الاهتمامات الأدبية التي شغلت ذلك العقد، ولا سيما التغير الاجتماعي، والنزعة الإقليمية، والمناخ الأخلاقي، والليبرالية، مما جعلها نتاجًا واضحًا للأساليب الواقعية التي سادت خمسينيات القرن العشرين، وليس للتجريب المرتبط بالحداثة الأدبية الرفيعة.

وفي تأملاته حول العمل، وصف برادبري الرواية بأنها كوميديا دافئة ترصد فضائل الليبرالية ومفارقاتها في عصر كان لا يزال يتسم بقدر من التسامح يسمح للشخصيات بأن تعيش وفق شروطها الخاصة وأن تواجه مصائرها بنفسها. وأكد طابعها الإنساني، الذي يجمع بين الملاحظة الاجتماعية، والسخرية، والفكاهة الهزلية، والوعي الذاتي الساخر، مشيرًا إلى أن الحفاظ على هذا التصوير المتعاطف مع المآزق الليبرالية أصبح أكثر صعوبة في الظروف التاريخية اللاحقة، التي اتسمت بقدر أكبر من القسوة.


رواية أكلُ الناسِ خطأٌ لملكوم برادبري

ملخص الرواية

تدور أحداث رواية أكل البشر خطأ في جامعة إقليمية حديثة مبنية بالطوب الأحمر في منطقة ميدلاندز بإنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تتناول الرواية عامًا دراسيًا كاملًا من حياة ستيوارت تريس، وهو أستاذ ليبرالي في الأدب الإنجليزي، حسن النية لكنه يفتقر إلى الكفاءة وحسن التصرف. وخلال هذا العام، يواجه تريس سلسلة متتابعة من الإخفاقات الشخصية والمهنية التي تكشف حرجَه الاجتماعي وعجزه عن تحويل مبادئه الأخلاقية إلى أفعال ناجحة ومؤثرة.

ويبدأ العام الدراسي بينما يكافح تريس لإنجاح عدد من المناسبات الاجتماعية الفاشلة، من بينها حفلات شيري كارثية لطلاب الدراسات العليا، وحفلات شاي محرجة لطلاب المرحلة الجامعية، تكشف جميعها عن عدم ارتياحه في المواقف الاجتماعية الجماعية. كما يتعرض لإخفاق مهين في اختبار القيادة، ويخوض تجربة عاطفية فاشلة مع زميلته الدكتورة فيولا ميسفيلد، مما يبرز عجزه عن إقامة علاقات شخصية ناجحة.

ويحاول تريس مرارًا مساعدة أفراد آخرين في المجتمع الجامعي، فيتدخل لمناصرة الطالب القادم من غرب أفريقيا، السيد إيبورِبيلوسا، بعد تعرضه لحادث عنصري يُعتدى عليه فيه، كما يحاول تقديم الدعم للطالبين لويس بيتس وإيما فيلدينج. غير أن هذه المحاولات تنتهي في كل مرة تقريبًا إلى نتائج مخيبة للآمال، فتزيد من إحباطه وشعوره بالعجز.

ويواجه تريس كذلك صراعات مستمرة مع الروائي الشاب العدواني كاري ويلوبي، الذي يمثل قوة ثقافية جديدة أكثر واقعية وبراجماتية، ومع نائب رئيس الجامعة ذي العقلية التجارية، الذي تتعارض أولوياته الإدارية مع المُثل الليبرالية التي يتمسك بها تريس، والتي أصبحت تبدو قديمة وغير ملائمة للعصر الجديد.

وتبلغ الضغوط المتراكمة ذروتها بانهيار تريس جسديًا؛ إذ يصاب بنزيف يستدعي نقله إلى المستشفى، ليغدو هذا الانهيار رمزًا لاستنزاف قناعاته الأخلاقية وتراجع قدرته على الصمود النفسي والجسدي في نهاية العام الدراسي.


رواية أكلُ الناسِ خطأٌ لملكوم برادبري

الشخصيات الرئيسة

تتمثل الشخصية المحورية في ستيوارت تريس، وهو أستاذ في الأدب الإنجليزي يبلغ من العمر أربعين عامًا، ورئيس قسم في جامعة إقليمية حديثة. ويُصوَّر تريس بوصفه شخصية عاجزة عن التعامل الاجتماعي، مرتبكة في علاقاتها العاطفية، ومتمسكة بمبادئ اشتراكية ليبرالية ذات طابع أخلاقي جاد، لكنه يشعر بصورة متزايدة بأنه أصبح شخصية متجاوزة لروح العصر في ظل التحولات التي طرأت على الحياة الأكاديمية بعد الحرب. ويكشف نمط حياته كعازب يعيش حياة منزلية رتيبة عن عزلته الشخصية وعدم ارتياحه في المواقف الاجتماعية والعاطفية. أما الدكتورة فيولا ميسفيلد فهي زميلة تريس في قسم اللغة الإنجليزية، وتمثل المرأة التي يتطلع إلى إقامة علاقة عاطفية معها، لكنها تظل بعيدة المنال بالنسبة إليه. وتظهر إيما فيلدينج بوصفها امرأة أصغر سنًا يتخذ تريس تجاهها موقفًا أبويًا يتسم بالحماية والرعاية. ومن بين الطلاب، يأتي لويس بيتس بوصفه طالبًا مرتبكًا مترددًا، تكشف مخاوفه وانعدام ثقته بنفسه عن الصعوبات التي يواجهها على المستويين الشخصي والأكاديمي. أما السيد إيبورِبيلوسا، وهو طالب أفريقي، فيعاني من العزلة الثقافية ويتعرض للعنصرية داخل البيئة الجامعية.؟ وتتمثل شخصية كاري ويلوبي في روائي شاب ناجح جريء وصدامي، يجسد البراجماتية الحديثة، ويشكّل نقيضًا واضحًا لمثالية تريس. أما نائب رئيس الجامعة فيظهر بوصفه إداريًا كفؤًا وعصريًا، ويرمز إلى التحول نحو الاحتراف المؤسسي والابتعاد عن القيم الأكاديمية التقليدية التي كانت سائدة في الماضي.


رواية أكلُ الناسِ خطأٌ لملكوم برادبري

الموضوعات

الليبرالية في مرحلة ما بعد الحرب والمآزق الأخلاقية

يجسد ستيوارت تريس، بطل الرواية، فضائل الليبرالية الأخلاقية وتناقضاتها في مرحلة ما بعد الحرب، وهي الليبرالية التي تقوم على الالتزام بالاستقامة والصدق وحسن النية في خضم التحولات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في خمسينيات القرن العشرين. وبصفته أستاذًا جامعيًا تشكل وعيه في ظل الآمال المثالية التي سادت ثلاثينيات القرن العشرين، يتمسك تريس بمبادئ النزاهة الشخصية والاهتمام الأخلاقي بالآخرين، إلا أنه يجد أن الحفاظ على هذه القيم أصبح أكثر صعوبة في عصر اتسم بتغير الأفكار السياسية، والمخاوف المرتبطة بدولة الرفاه الاجتماعي، وصعود طبقة اجتماعية جديدة تقوم على مبدأ الجدارة.

ويقدّم برادبري تريس بوصفه شخصية تتمسك بمبادئ أخلاقية راسخة، يمكن تلخيصها في قناعته بأن أكل الناس يظل أمرًا خاطئًا بالتأكيد، وهي قناعة تجعله شخصًا فاضلًا، لكنها تجعله أيضًا عاجزًا عن الفعل؛ إذ إن حسن نيته الليبرالية كثيرًا ما يؤدي إلى إثارة الارتباك بدلًا من إحداث تغيير فعّال في عالم يعاني من صعوبة فهمه. وتستكشف الرواية مآزقه الأخلاقية الأساسية من خلال التوتر بين القيم المثالية التي يؤمن بها والواقع العملي، حيث تفشل النيات الحسنة مرارًا عندما تفتقر إلى القوة أو المهارة اللازمة لتحويلها إلى أفعال مؤثرة.

ويؤدي تدارس تريس الدقيق للأفعال ونتائجها إلى حالة من التردد المشلِّل؛ فهو يزن كل مسألة بصورة لا تنتهي، من دون أن يتمكن من تحويل بصيرته الأخلاقية إلى سلوك حاسم. كما أن أخلاقيته الخاصة، التي تركز على ضمير الفرد أكثر من تركيزها على الفلسفات العامة، تجعله منفصلًا عن المجتمع المادي الناشئ، حيث أصبحت الوفرة، في ظل شعار "لم يسبق أن عشتَ حياةً أفضل من الآن"، تقدّم النزعة العملية على الليبرالية التأملية. وتؤكد محاولات تريس غير الفعالة لمساعدة الآخرين هذه الفجوة، إذ يتضح أن جهوده لتطبيق المبادئ الليبرالية في المواقف العملية غير كافية لمواجهة تعقيدات العالم المتغير.

ويمتد هذا الشعور بالتجاوز وعدم مواكبة العصر إلى تعليق أوسع على الوضع الهش للمثقف الحساس في المجتمع المادي في خمسينيات القرن العشرين. فإدراك تريس لوجود المثقفين الليبراليين أمثاله يجعله يراه هشًّا إلى أقصى حد؛ إذ إن هذا المثال الإنساني الرقيق أصبح مهمشًا بصورة متزايدة بفعل الرياح العاتية لمجتمع يتجه نحو الاستهلاك، وتتراجع فيه الوظيفة الاجتماعية للجدية الأخلاقية التقليدية.

وتجعل الرواية من اغتراب تريس نموذجًا لتراجع الليبرالية الأخلاقية في مرحلة ما بعد الحرب، وهي ليبرالية وجدت نفسها عالقة بين تهميش القيم الإنسانية القديمة وصعود النظام الاجتماعي القائم على الجدارة. وفي هذا السياق، تصبح الجامعة نفسها مجالًا للتغير الاجتماعي، بدلًا من أن تكون ملاذًا للتعلم النزيه الذي لا تحكمه المصالح.

ويصف برادبري العمل بأنه كوميديا ليبرالية متعاطفة، تسلط الضوء على الفجوة الساخرة بين التوقعات المثالية والنتائج العادية في الحياة اليومية، مع تأكيدها استمرار الحقيقة الأخلاقية البسيطة التي مفادها أن أكل الناس يظل أمرًا خاطئًا، حتى في عصر أكثر قسوة تتعرض فيه هذه القيم للتآكل والانحسار.

السخرية من الحياة الجامعية في الأقاليم

تسخر الرواية من الجامعة الإقليمية الحديثة المبنية بالطوب الأحمر، بوصفها مؤسسة نفعية مخصصة للتدريب، بعيدة كل البعد عن المثل العلمية والأكاديمية التي تجسدها جامعتي أكسفورد وكامبريدج. وتصورها الرواية مؤسسة هامشية من الناحية الفكرية، أُقيمت في مبنى كان في السابق مصحًّا للأمراض العقلية، وتوجه نشاطها نحو إعداد الطلاب لمجتمع عملي ومادي في مرحلة ما بعد الحرب، بدلًا من تنمية المعرفة التي تُطلب لذاتها. ويؤكد هذا التصوير أن الجامعة تمثل هامشًا ثقافيًا، حيث تسود البراجماتية الإدارية، التي يجسدها مسؤولون ذوو عقلية تجارية مثل نائب رئيس الجامعة، على حساب أي التزام بالقيم الفكرية العليا.

ويشكّل التناقض بين المثل المعلنة للمعرفة النقدية والنزعة النفعية الصاعدة في عصر دولة الرفاه الاجتماعي عنصرًا أساسيًا في البناء الكوميدي للرواية؛ إذ يتمسك أعضاء هيئة التدريس بنزعة إنسانية ليبرالية أصبحت قديمة، في حين تتكيف المؤسسة مع المتطلبات الاجتماعية الأوسع. كما تتجه سخرية برادبري الاجتماعية إلى العَلاقات داخل الأقسام والتفاعلات بين أفراد المجتمع الجامعي، من خلال سلسلة من التجمعات المحرجة، بما في ذلك حفلات الشيري، وحفلات الشاي الخاصة بطلاب المرحلة الجامعية، والفعاليات التي تجمع أعضاء هيئة التدريس. وخلال هذه المناسبات، تكشف الأحاديث الطويلة والجادة، التي كثيرًا ما تنتهي دون حسم، حول الأخلاق والعلاقات الشخصية والقيم الليبرالية، عن عجز المشاركين اجتماعيًا وعدم فاعليتهم عمليًا.

وتكشف هذه المناسبات عن عالم من المثقفين المترفين الذين يحولون حتى اللقاءات البسيطة إلى معاناة أخلاقية طويلة ومضنية، مما يبرز انفصالهم عن الفعل العملي وشعورهم بهشاشة مكانتهم وعدم جدواهم المتزايدة في مجتمع آخذ في التغير. كما تحظى التوترات الطبقية والتحولات الثقافية في مرحلة ما بعد الحرب بمعالجة ساخرة حادة، ولا سيما من خلال الصورة الكاريكاتورية المبالغ فيها للطالب المنتمي إلى الطبقة العاملة لويس بيتس؛ إذ تؤكد حركاته الخرقاء ورائحته الكريهة وافتقاره إلى اللباقة الاجتماعية الاحتكاكات التي صاحبت صعود أبناء الطبقات المختلفة في ظل نظام اجتماعي يقوم على الجدارة داخل البيئة الأكاديمية الإقليمية.

وتزيد ردود أفعال أعضاء هيئة التدريس الحائرة والمستنكرة تجاه الظواهر الجديدة، مثل شباب التيدي، ومقاهي القهوة، وموسيقى الروك أند رول، وثقافة الشباب الحديثة، من إبراز اغترابهم عن الحيوية الثقافية المعاصرة. فهم يظهرون وكأنهم عالقون في عالم رثّ تجاوز ذوقهم الراقي وحساسيتهم الثقافية. وتمتد السخرية كذلك إلى الكتّاب الزائرين، إذ تؤدي شخصية الروائي الشاب كاري ويلوبي، الذي يتسم بالعدوانية والإهمال في مظهره وسلوكه، دورًا قريبًا من نموذج الشاب الغاضب؛ فتتناقض طاقته الخشنة وافتقاره إلى التحفظ الأخلاقي تناقضًا صارخًا مع الليبرالية الخجولة المترددة التي يتسم بها أعضاء هيئة التدريس القدامى.

وتؤكد هذه التدخلات الثقافية الجديدة عزلة الجامعة الإقليمية، كما تكشف عن عدم ارتياح سكانها إزاء القوى الثقافية الأكثر خشونة وجرأة وثقة بالنفس التي ظهرت في بريطانيا خلال مرحلة ما بعد الحرب.

الأستاذ الدكتور أشرف إبراهيم زيدان
أستاذ ورئيس قسم اللغة الإنجليزية بجامعة بورسعيد


د. أشرف زيدان
 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: