هل كان كريستوفر كولومبوس أول من وصل إلى الأراضي الأمريكية؟، وهل سبقه مسلمون عبروا «بحر الظلمات» قبل رحلته الشهيرة بقرون؟ ومن هو أمريكو فسبوتشي الذي حملت القارة اسمه، رغم أنه لم يكن أول أوروبي يصل إليها؟، وكيف استطاعت خريطة واحدة، ظهرت في بداية القرن السادس عشر، أن تمنح جزءًا من العالم اسمًا لا يزال يتردد حتى اليوم؟.
موضوعات مقترحة
أسئلة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تقودنا إلى واحدة من أكثر الحكايات إثارة في تاريخ الجغرافيا والاستكشاف. وهي حكاية لا تبدأ في عام 1492م كما يعتقد كثيرون، ولا تنتهي باسم فسبوتشي، وإنما تمتد إلى عالم أقدم كانت فيه المحيطات حدودًا غامضة، وكانت السفن تحمل أصحابها إلى أماكن لا يعرفون ما إذا كانوا سيعودون منها أم لا؟.
وقبل أن نصل إلى كولومبوس، علينا أن نتوقف قليلًا أمام المسلمين، الذين امتلكوا خلال العصور الوسطى معرفة واسعة بالمحيط الأطلسي، الذي عرفه الجغرافيون العرب باسم «بحر الظلمات» أو «البحر المحيط». فقد كانت سواحل الأندلس والمغرب مراكز مهمة للملاحة، وازدهرت فيها صناعة السفن، وتطورت معرفة البحارة بالرياح والتيارات والنجوم، وأصبح المحيط الأطلسي جزءًا من المجال الجغرافي الذي عرفه المسلمون وتعاملوا معه.
وتذكر بعض المصادر التاريخية روايات عن رحلات قام بها بحارة مسلمون غربًا في المحيط الأطلسي قبل كولومبوس بقرون. ومن أشهر هذه الروايات رحلة تُنسب إلى خشخاش بن سعيد بن أسود القرطبي، الذي يقال إنه أبحر من الأندلس نحو الغرب في القرن الثالث الهجري، وعاد بعد رحلة طويلة، حاملاً أخبارًا عن أرض مجهولة.
وقد ذهب بعض الباحثين والكتاب في العصر الحديث إلى أن هذه الأرض ربما كانت جزءًا من القارة الأمريكية، لكن المشكلة أن الرواية لا تقدم وصفًا جغرافيًا حاسمًا يسمح بإثبات ذلك. ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها دليلًا قاطعًا على وصول المسلمين إلى أمريكا، وإنما باعتبارها واحدة من الروايات التي تكشف عن محاولات مبكرة للإبحار في المحيط الأطلسي.
وتزداد القصة إثارة عندما نصل إلى إمبراطورية مالي في غرب إفريقيا. فقد نقل المؤرخ المصري شهاب الدين العمري في القرن الثامن الهجري رواية عن السلطان أبو بكر الثاني، الذي حكم مالي قبل مانسا موسى. ووفقًا للرواية، أرسل أبو بكر أسطولًا كبيرًا في المحيط الأطلسي لمعرفة ما وراءه، وانتظر عودته، لكن السفن لم تعد. وبعد ذلك قرر السلطان نفسه أن يتولى رحلة بحرية جديدة، فجهز أسطولًا آخر وغادر، ولم يعد هو أيضًا.
وقد أثارت هذه الرواية اهتمامًا كبيرًا في العصر الحديث، وذهب بعض الباحثين إلى احتمال وصول بعثة مالي إلى أراضٍ تقع في العالم الجديد. لكن، مرة أخرى، لا توجد أدلة أثرية حاسمة تثبت أن هذا الأسطول وصل بالفعل إلى القارة الأمريكية.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين؛ إثبات أن المسلمين عرفوا المحيط الأطلسي وأبحروا فيه، وإثبات أنهم وصلوا إلى أمريكا تحديدًا. الأول ثابت تاريخيًا ولا يحتاج إلى كثير من الجدل، أما الثاني فما زال محل نقاش، ولا توجد أدلة كافية تسمح بتحويله إلى حقيقة تاريخية مؤكدة.
اكتشاف أمريكا
ومع ذلك، فإن هذه الروايات تذكرنا بحقيقة مهمة؛ فالمحيط الأطلسي لم يكن مجهولًا تمامًا قبل عصر الكشوف الجغرافية الأوروبية. وكانت لدى المسلمين معرفة بحرية وجغرافية متقدمة، أسهمت في تطور علم الجغرافيا والملاحة، كما ترك الجغرافيون المسلمون مؤلفات واسعة عن البحار والبلدان والطرق والموانئ.
لكن العالم كان على موعد مع تحول كبير في نهاية القرن الخامس عشر.
كانت أوروبا تبحث عن طرق جديدة للوصول إلى الهند وشرق آسيا، بعدما أصبحت الطرق التقليدية أكثر صعوبة، وكانت إسبانيا والبرتغال في مقدمة القوى التي دخلت سباق الاستكشاف البحري. وفي هذا المناخ ظهر رجل سيغير تاريخ العالم، هو كريستوفر كولومبوس.
كان كولومبوس يؤمن بإمكانية الوصول إلى آسيا من خلال الإبحار غربًا عبر المحيط الأطلسي. وبعد محاولات للحصول على دعم سياسي ومالي، حصل على رعاية التاج الإسباني، وانطلق بأسطوله في أغسطس عام 1492.
وبعد أسابيع من الإبحار، ظهرت اليابسة. لكنها لم تكن الهند.
كانت جزرًا في منطقة الكاريبي، وكانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ العالم. والمفارقة أن كولومبوس نفسه لم يدرك طبيعة ما وصل إليه؛ فقد ظل يعتقد، خلال جزء كبير من رحلاته، أنه وصل إلى مناطق من آسيا.
ومن هنا جاء وصف السكان الأصليين الذين التقاهم باسم «الهنود»، وهو الاسم الذي ارتبط بهم في اللغات الأوروبية رغم قيامه على خطأ جغرافي.
لكن القصة لم تتوقف عند كولومبوس.
فبعد رحلاته، بدأت معلومات جديدة تتدفق إلى أوروبا عن الأراضي الواقعة غرب المحيط الأطلسي. وأصبح بعض الجغرافيين والرحالة يدركون أن هذه الأراضي لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد جزر آسيوية بعيدة.
وفي هذه المرحلة ظهر اسم أمريغو فسبوتشي، التاجر والملاح الفلورنسي الذي شارك في رحلات إلى العالم الجديد في مطلع القرن السادس عشر.
ولم تكن أهمية فسبوتشي في كونه أول من وصل إلى تلك الأراضي، فهو لم يكن كذلك، وإنما في الفكرة التي ارتبطت بكتاباته؛ وهي أن الأراضي التي وصل إليها الأوروبيون تمثل عالمًا جديدًا، وليست مجرد امتداد لآسيا.
كانت هذه الفكرة ثورية بالنسبة إلى الجغرافيا الأوروبية في ذلك الوقت.
فالعالم المعروف منذ العصور القديمة كان يقوم على تصور ثلاث كتل كبرى: أوروبا وآسيا وإفريقيا. أما ظهور أراضٍ شاسعة في الجانب الآخر من المحيط، منفصلة عن آسيا، فقد فرض إعادة النظر في الخريطة التي عرفها الأوروبيون لقرون طويلة.
وهنا دخلت الطباعة إلى قلب الحكاية.
في سنة 1507، وضع الجغرافي الألماني مارتن فالدسيمولر خريطة عالمية جديدة، اعتمد فيها على المعلومات التي وصلت إلى أوروبا عن الرحلات البحرية الحديثة. وعلى هذه الخريطة ظهرت كلمة America للدلالة على الأراضي الجديدة، نسبة إلى أمريغو فسبوتشي.
ولم يكن فسبوتشي هو الذي أطلق الاسم على نفسه، بل كان فالدسيمولر هو صاحب الاقتراح. وقد اشتق الاسم من الصيغة اللاتينية المؤنثة لاسم «أمريغو»، لتصبح «أمريكا»، على غرار الأسماء الجغرافية الأخرى التي كانت مستخدمة آنذاك.
وهنا حدثت واحدة من أغرب المصادفات في تاريخ الأسماء.
فقد كان كولومبوس صاحب الرحلة التي فتحت الطريق أمام الاتصال الأوروبي المستمر بالعالم الجديد، بينما حملت القارة اسم رجل آخر هو فسبوتشي.
بل إن فالدسيمولر نفسه أدرك لاحقًا أن منح فسبوتشي هذا التكريم ربما كان قرارًا متسرعًا، فتراجع عن استخدام الاسم في بعض أعماله، وأظهر تقديرًا أكبر لدور كولومبوس. لكن الاسم كان قد خرج إلى العالم.
فالخريطة انتشرت، وتبعها الجغرافيون، ثم الكتب، ثم الخرائط الأخرى، وأصبح «أمريكا» اسمًا مألوفًا للأراضي الجديدة.
ومن الطريف أن الاسم في البداية لم يكن يُستخدم بالطريقة التي نعرفها اليوم. فقد كان يشير أساسًا إلى أجزاء من الأراضي الجديدة في الجنوب، ثم أخذ يتسع تدريجيًا مع تطور المعرفة الجغرافية، حتى أصبح يشمل القارتين اللتين نطلق عليهما اليوم أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية.
وهكذا لم تصنع القارة اسمها بنفسها، ولم يكن الاسم نتيجة قرار سياسي كبير، وإنما خرج من خريطة جغرافية في لحظة كان العالم فيها يعيد اكتشاف نفسه.
لكن الحديث عن «اكتشاف أمريكا» يحتاج إلى وقفة ضرورية.
فالأمريكتان لم تكونا أرضًا بلا سكان عندما وصل إليها الأوروبيون. فقد عاش فيهما البشر منذ آلاف السنين، وظهرت حضارات عظيمة ومجتمعات معقدة، من بينها حضارات المايا والأزتك والإنكا، فضلًا عن مئات الشعوب الأصلية التي عاشت في أنحاء القارتين.
ومن ثم، فإن وصف رحلة كولومبوس بأنها «اكتشاف أمريكا» يجب أن يُفهم في سياقه الأوروبي؛ أي اكتشاف الأوروبيين لأراضٍ لم تكن معروفة لديهم في ذلك الوقت، وليس اكتشاف أرض لم يعرفها أحد.
والأهم أن رحلة كولومبوس لم تكن نهاية القصة، وإنما بداية تحول عالمي هائل. فقد تبعتها رحلات أوروبية أخرى، ثم الاستعمار والاستيطان، ونشأت علاقات جديدة بين أوروبا والأمريكتين، وانتقلت النباتات والحيوانات والسلع بين العالمين، كما انتقلت الأمراض، ووقعت صراعات مأساوية مع الشعوب الأصلية.
وفي الوقت نفسه، بدأت صورة العالم على الخرائط الأوروبية تتغير بصورة جذرية. فالمحيطات لم تعد حدودًا غامضة، والأراضي التي كانت مجهولة في الخرائط القديمة أصبحت تظهر تدريجيًا، وأصبح العالم أكبر بكثير مما تخيله الجغرافيون في العصور السابقة.
أما المسلمون، فتظل قصتهم في هذه الرحلة جزءًا مهمًا من النقاش التاريخي، ولكنها تحتاج إلى التعامل معها بعيدًا عن المبالغة. فالمؤكد أن المسلمين عرفوا المحيط الأطلسي وأبحروا فيه، وأن لديهم تراثًا جغرافيًا وبحريًا واسعًا. أما القول بوصولهم إلى أمريكا قبل كولومبوس، فتبقى وراءه روايات مثل رحلة خشخاش بن سعيد ورحلة أبي بكر الثاني، لكنها لم تُدعَم حتى الآن بأدلة أثرية قاطعة تجعلها حقيقة محسومة.
وربما تكمن روعة هذه الحكاية في أن اسم «أمريكا» نفسه لم يكن حتميًا. كان من الممكن أن تحمل القارة اسم كولومبوس، أو اسمًا آخر تمامًا، لكن خريطة ظهرت سنة 1507 جعلت اسم أمريغو فسبوتشي ينتقل من شخص إلى قارة.
أما كولومبوس، فقد بقي اسمه حاضرًا في التاريخ، وحملت إحدى دول أمريكا الجنوبية اسمه: كولومبيا.
وهكذا، فإن وراء كلمة «أمريكا» حكاية أكبر من مجرد اسم؛ إنها حكاية المسلمين والبحر، وكولومبوس والرحلة، وفسبوتشي والفكرة، وفالدسيمولر والخريطة، وشعوب أصلية كانت تعيش في تلك الأرض قبل أن يعرفها الأوروبيون.
وكما تعلمنا سلسلة «أصل الحكاية»، فإن الاسم الذي نردده بسهولة قد يخفي وراءه قرونًا من التاريخ، وقد يكون أحيانًا نتيجة رحلة، أو خطأ، أو خريطة، أو حتى مصادفة صغيرة غيّرت اسم جزء من العالم إلى الأبد.
فالتاريخ لا يخبرنا فقط بما حدث، وإنما يكشف لنا أيضًا كيف تشكلت الكلمات التي نستخدمها لوصف ما حدث.
وفي المقال القادم من «أصل الحكاية»، نواصل رحلتنا بين القارات، لنسأل عن أرض تقع في أقصى جنوب العالم: لماذا سُمِّيت أستراليا بهذا الاسم؟ وهل كان اسمها معروفًا قبل أن يصل إليها الأوروبيون؟.
د. سعيد محمد طه
دكتوراه التاريخ الوسيط
عضو اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية للدرسات التاريخية
د. سعيد محمد طه