الهاتف.. هل قتل جمال الرسالة؟

27-8-2026 | 16:58

في الأول والثاني من سبتمبر 2026، ستجلس في مكتبة محمد بن راشد بدبي مجموعة معتبرة من الأدباء والباحثين ليتحدثوا عن شيء نظنه قديمًا حتى نسينا جماله: الرسالة.

تقيم المكتبة «ملتقى أدب الرسائل» احتفاءً بالرسالة باعتبارها فنًا أدبيًا وتجربة إنسانية تحفظ الفكر والمشاعر والعلاقات بين المبدعين عبر الزمن. ويتضمن البرنامج جلسات عن أبي العلاء المعري، والجاحظ، ورسائل الأدباء، والصداقات التي صنعتها الرسائل، وتجارب الرسائل في ثقافات مختلفة، ثم الجلسة الأكثر التصاقًا بعصرنا: "الرسائل في زمن السرعة: هل تغيّر الشكل أم الجوهر؟".

لماذا الآن؟ لماذا يحتاج ملايين من الناس يُعتبرون أكثر التصاقًا بالشاشة إلى تذكر الورقة والقلم والظرف والطابع وساعي البريد؟ هل نقيم عزاءً أو سرادقًا لشيء مات، أم أن الرسالة لم تمت وإنما نحن الذين تغيرنا؟

التكنولوجيا لم تلغِ الحاجة إلى الرسالة.. ألغت الوسيلة والطريق إليها. قديمًا، كان بين الكتابة والوصول وقت يندم فيه المرء على نصف ما كتب، أو يكتشف أنه لا يريد إرسالها. أما الآن فالكلمة لا تنضج.. تُكتب ثم تُرسل في ثانية! قديماً، كنا نخاف من الرسالة لأنها لا تصل أو تصل متأخرة أو في غير موعدها.. واليوم نخاف لأنها وصلت فورًا!

قال سقراط: «تكلّم حتى أراك».. والرسالة كانت طريقة الإنسان كي يُرِي نفسه ويظهرها وهو على بعد أميال وأميال. ولهذا تظل قصة مي زيادة وجبران خليل جبران أجمل شرح للمعنى؛ رجل في نيويورك وامرأة في القاهرة.. لم يجلسا في مقهى، ولم يتقابلا في شارع، ولم يتبادلا رسالة صوتية واحدة.. لم يهمس لها ولم تهمس له، ومع ذلك تركا واحدة من أشهر العلاقات في تاريخ الأدب العربي. لم تكن رسائلهما تقول «كيف حالك؟» فقط.. كانت تحمل أفكارًا وخلافات وعتابًا وخوفًا وشوقًا وأسئلة عن الحب والزواج والحياة. بل كانت مي تناقش كتب جبران وتختلف معه، أي أن العلاقة لم تكن عاطفة وحدها، بل حوارًا فكريًا أيضًا.

هذه العبقرية الإنسانية نحتاجها حين نواجه رسالة «واتساب» المعاصرة (أو أي وسيلة أخرى)؛ فالرسالة تصل في لحظة، لكنها لا تدل على حوار.. وأغلبنا يقع فريسة لوساوس الشيطان ويعتبر كل كلمة غاضبة وكل كلمة فيها تلميح.. ونصل إلى أوقات خلافات نظير هذه الرسائل المتعجلة.

وبعد وفاة جبران جُمعت رسائله إليها في كتاب «الشعلة الزرقاء»، وفيه رسائل وبرقيات من نيويورك.. آخر رسالة مؤرخة في مارس 1931، قبل موته بأسابيع.. تخيل: كلمة كتبها رجل قبل نحو قرن ما زالت تُقرأ! فهل رسائلنا اليوم في أي وسيلة تواصل اجتماعي تصلح للنشر في كتب غدًا؟ ربما!

في عصرنا السريع، ما كتبناه أمس نسيناه اليوم.. كسبنا السرعة وخسرنا الانتظار.. والانتظار لم يكن فراغًا؛ كان مراجعةً وتأويلًا واكتشافًا وشغفًا وتفكيرًا وشوقًا ووحشةً وخوفًا وصبرًا وانتظارًا مرة أخرى! أما اليوم فتكتب «عامل إيه؟» ثم تراقب الشاشة: وصلت.. قرأ.. يكتب.. اختفى.. لم يرد! صارت الرسالة أحيانًا مراقبة للتواصل لا تواصلًا!

المشكلة أنه حتى في الرسائل الصوتية صار عندنا سرعة أعلى وسرعة ضعفين.. والمعنى أننا حتى لا نريد الانتظار، نريد كل شيء بسرعة بدون صبر! فأصبحت السرعة أهم من المعنى، والصوت، والإحساس.. ولذلك أحيانًا نرسل "إيموجي" لأننا عجزنا عن قول ما في قلوبنا.. ثم أصبح هذا الإيموجي بألف لون وحركة ومعنى!
إننا نكتب أكثر من أي جيل، ولكننا نقول أقل.. ونشعر أقل.. ونتلقى المعنى ببرود أكبر. نتبادل الأخبار ولا نتبادل أنفسنا.. وما بأنفسنا.

لا خوف على الرسالة من الهاتف أو الهاتف الذكي.. الخوف على الإنسان الذي لم يعد يجلس دقيقة مع نفسه ليسأل: ماذا أريد أن أقول؟ وهل يستحق أن يبقى؟ وهل أكتبه على مهل؟!

الهاتف أعطى الرسالة جناحين.. بل أعطاها صاروخًا.. لكننا نسينا إلى أين نريد أن تطير! وربما ملتقى دبي جزء من الفكرة نفسها.. لأن التحول الرقمي لم يغيّر الوسيلة فقط، بل أعاد تشكيل الوقت والانتظار والشوق والوحشة والمعنى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة