{عم حسن} بائع الخضار!

27-8-2026 | 16:49

الفوارق بين البشر كثيرة، منهم مَنْ يرتقون متشبهين بالملائكة، ومنهم مَنْ يتهاوون متغلبين على الشياطين أنفسهم. ويبقى سلوك الإنسان الكلمة الحاكمة، والمعيار الناجز، لمعرفة معادن الناس، والتفرقة بين الحقيقي منهم و(الفالصو)!

تُختبر الحصافة واللباقة دائمًا في المواقف الإنسانية البسيطة؛ فالالتزام بالواجبات الاجتماعية والأصول المرعية لا يتطلب سوى القليل من الصبر ومراعاة مشاعر الآخرين. غير أن عجلة الحياة الشديدة قد تدفع البعض أحيانًا إلى تغليب الجوانب الإجرائية على التراحم الإنساني، حين يغيب عن البال أن جبر الخواطر والمواساة يتجاوزان الشكليات الظاهرة. 

إن الفارق بين الكياسة والتعجل قد لا تتجاوز مدته دقائق قليلة، والفاهم لأصول التعامل يدرك دومًا أن المراعاة الإنسانية تعلو فوق كل اعتبار!

وفي المشهد الإعلامي العام، تتجلى هذه المسئولية المهنية والأخلاقية بوضوح؛ فالإعلام الحقيقي يُبنى على عمق الرسالة والتثقيف لا على الجدل الهامشي أو البحث عن الشهرة العابرة. وكثيرًا ما تتطلب الممارسة المهنية الناجحة التقاط اللحظة المناسبة، واستثمار الفرص الحوارية مع القامات الفكرية أو الفنية لإثراء وعي المتابعين.

إذن لا يكفي لتكون إعلاميًا ناجحًا أن تجد الفرصة أو التغطية القادرة على صناعة ذلك؛ فالإعلام فكرة، والإعلام يقظة، الإعلام ومضة. والإعلامي كلاعب الكرة، تكشفه الساحرة المستديرة والمستطيل الأخضر، ومن المستحيل تخبئته!

وفي مقابل هذه النماذج، نجد أستاذ الفيزياء، وعميد إحدى الكليات بجامعة الخرطوم، ونقيب هيئة أساتذة الجامعة هناك؛ إنه البروفيسور السوداني العلامة حسن عبد الحليم عبد الله، الذي أجبرته ظروف الحرب على النزوح إلى مصر ليعمل بائعًا للخضار بجوار أحد المساجد بمنطقة فيصل! وكان الناس يعرفونه بعم حسن، الرجل الطيب الغلبان، مرتاد المساجد، وبائع الخضار! فيما الحقيقة أنه البروفيسور حسن عبد الحليم الذي اختارته جامعة ألمانية لخبراته الواسعة وعلمه الوافر بعدما راسلها من مصر، اختارته للعمل بها والاستفادة من خبراته العريضة.

وفي السفارة الألمانية استقبلوه بحفاوة وترحاب، لتتحول رحلته من بائع خضار مغمور في فيصل إلى أستاذ جامعي مرموق في ألمانيا! وسبحان مغير الأحوال.. وقبل سفره ودعه المصلون في المسجد وأهالي المنطقة، وقد عرفوا حقيقته للمرة الأولى!
كان بالإمكان الاستفادة من خبراته في مصر بشكل أوسع، بالفرز والتجنيب لأصحاب التخصصات المهمة. كان بالإمكان اقتفاء أثر العلماء لإنزالهم منزلتهم من ناحية، والاستفادة منهم من ناحية أخرى.

عم حسن رجل طيب فعلاً، بل شديد الطيبة والنقاء، طحنته الدنيا بلا رحمة، فلم يعد كما كان في بلاده عالمًا، فلا بلاده بقيت ولا بقي العلم! وأضحت حياته تدور حول سؤال أوحد: كيف نعيش، نأكل ونشرب، ونتكيف مع ظروفنا الطاحنة شديدة القسوة؟

الرجل فهم تمامًا حقيقة الدنيا وأنها رحلة اختبار ودار ممر لا مستقر، لا شيء يدوم فيها؛ فصبر ورضي بأقل القليل، ولم يسخط ولم يلعن ولم يتباكَا كما يفعل غيره على علمه الضائع ومكانته المهدرة، بل لم يتحدث عنهما أصلًا! حتى جاء القرار من السماء إلى الأرض: الآن تنتهي رحلة العناء لتبدأ رحلة النجاح والانطلاق إلى عالم أكثر رحابة.

عم حسن أو البروفيسور حسن صبر على زوال النعمة وانقلاب المآل وتبدل الأحوال، بينما يعجز آخرون عن الصبر على موقف إنساني لبضع دقائق!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة