القابض على جمر الفن

27-8-2026 | 15:12

أسمح لنفسي باستعارة العنوان من مقال كتبه صديقي العزيز الدكتور خالد منتصر ونشره بجريدة «المصري اليوم» عدد الإثنين 20 أكتوبر 2025، وفيه وثق حضوره مسرحية «الست» لمؤلفها ومنتجها الدكتور مدحت العدل، واعتبرها - على حد تعبيره - بمثابة مغامرة في المجهول وعملية انتحارية في قبيلة أهلها صم بكم يرقدون في كهوفهم الحجرية، وهو ما رآه كالقبض على الجمر في زمن الثلج والصقيع والعبث والاستسهال والبلادة.

ولأن أمثال مدحت العدل صاروا قلة في ساحة الفن، فإن مكانة «القابض على جمر الفن» جديرة بكل من ينتمي لهذه القلة، ومنهم قطعًا علي الحجار، هكذا بدون ألقاب تعظيم؛ فاسمه وحده أراه عنوانًا لمدونة ملؤها ألقاب الصفوة. هو الآن على مشارف الـ50 عامًا من احتراف الغناء لم يكن فيها يومًا إلا قابضًا على جمر الفن، اختار وتحمل مسئولية اختياره، رغم أن أعوامه الفنية الخمسين شهدت الموجة الأشد من انحدار القيم تباعًا، وفي صدارتها قيمة الفن.

الأحد الماضي التقى علي الحجار جمهوره بمهرجان القلعة للموسيقى والغناء في حفل كامل العدد قوامه نحو 10 آلاف متفرج من مختلف الأعمار، في موعد لم يخلفه معهم على مدار 34 عامًا هي عمر دورات المهرجان؛ غنى أكثر من عشرين أغنية من أشهر أغانيه المتنوعة، واختتمها بـ«ميدلي أو كوكتيل» الأغاني الوطنية لنصر أكتوبر المجيد، حيث وصل تفاعل الجمهور إلى ذروته متماوجًا بأعلام مصر يمينًا ويسارًا، ومرددًا مع «الحجار» في حماس وكأن الجميع على أرضية مسرح القلعة - الرمز - يجدد ولاءه وانتماءه لمصر في مواجهة أي وكل تحديات آنية أو آتية.

قبلها بعدة أيام، تحديدًا الجمعة 7 أغسطس، كان علي الحجار على موعده الصيفي المنتظم أيضًا مع جمهور مكتبة الإسكندرية بمهرجانها الصيفي في دورته الـ23، وفي حفل رفع أيضًا لافتة كامل العدد؛ غنى «الحجار» أشهر أغانيه الرومانسية والوطنية وتترات المسلسلات، وأيضًا تلك المرتبطة بالإسكندرية حيث غنى لها عدة أغنيات. جمهور الإسكندرية تربطه بـ«علي الحجار» حالة خاصة جدًا، تجعله دائمًا مرحبًا به حتى وإن التقيا في حفلين خلال أسبوعين؛ كان «الحجار» قد التقى جمهور الإسكندرية بدار أوبرا الإسكندرية «مسرح سيد درويش» الخميس 23 يوليو الماضي، ضمن حفلات المهرجان الصيفي للموسيقى والغناء، والذي تقيمه سنويًا دار الأوبرا المصرية.

أما أمس الأربعاء الأخير من أغسطس، فكنت شاهد عيان - لا أخلف موعدي إلا للشديد القوي - ضمن جمهور علي الحجار في ظهوره الشهري بـ«ساقية الصاوي» في حفل يرفع دائمًا لافتة كامل العدد. جمهور «ساقية الصاوي» هو الآخر حالة خاصة جدًا عند «الحجار» حيث يؤكد دائمًا أنه بينهم يغني وكأنه وسط أهله، يأخذ راحته معهم تمامًا دونما أي قلق أو توتر أو قيود تفرضها غالبًا طبيعة المكان أو مناسبة الحفل، هو أيضًا يشاركهم مناسباتهم ويلبي رغباتهم في سماع أغنيات بعينها.

فاجأ علي الحجار جمهور «ساقية الصاوي» أمس بحضور شقيقه الأصغر الموسيقار المهاجر في الخارج لنحو 35 عامًا الآن رأفت الحجار، ودعاه إلى المسرح حيث غنى أيقونة علي الحجار الأشهر «اعذريني» لحن شقيقهما الموسيقار أحمد الحجار، كلمات الشاعر محمد العوضي، وتوزيع الموسيقار ميشيل المصري. بالمناسبة علي الحجار منتظم في حفلاته الأربعاء الأخير من كل شهر بـ«ساقية الصاوي» لأكثر من 15 عامًا الآن، وهو المطرب الوحيد الذي حذا نهج سيدة الغناء العربي أم كلثوم في هذا التقليد.

نتحدث إذًا عن أربع حفلات خلال شهر واحد، وقف فيها علي الحجار - 72 عامًا بارك الله في عمره وصحته وفنه - على المسرح - يغني فعلاً لا مجرد دندنة أو طنطنة - من ساعتين لثلاث ساعات، لا يمنح نفسه فيها رفاهية الاستسهال فيما يغني، يبذل أقصى عنايته وجهده وطاقته في البروفات قبل الحفلات حتى يستمر متوهج الأداء في أعلى مستويات اللياقة الفنية، وسط حضور جماهيري كبير يمثل دائمًا الفئات الضاربة بجذورها في عمق أرض مصر الحبيبة، الوطن الحاضر دائمًا لا يغيب عن برامج حفلات «الحجار» في أي وقت، ليظل الصوت الأصيل المعبر ليس فقط عن قيمة الفن الحقيقي العابر للزمن، وإنما أيضًا الصوت الشاخص الراسخ في وجدان الأصليين من المصريين على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة