النيل.. من البحيرات العظمى وكاجيرا إلى لاجوس

27-8-2026 | 14:33

بحلول عام 1970 وفي تحرك جديد على طريق التعاون الفرعي في حوض النيل، توصلت كل من رواندا وبوروندي وزائير (الكونغو حاليًا) إلى اتفاق للتعاون في مجال توليد الطاقة الهيدروليكية من نهر روزيزي، وإنشاء وكالة مشتركة للطاقة (أنشئت عام 1974 وتم دمجها عام 1978 مع "المجموعة الاقتصادية لدول البحيرات العظمى" التي تأسست عام 1976 بعضوية نفس الدول السابقة ولكن بنشاط ممتد ومجال أوسع في قطاع التنمية). وبهذا الدمج أصبحت الوكالة هي المسؤولة عن شؤون الطاقة في المجموعة الاقتصادية.

أُنيط بالوكالة مهمة تقديم المعلومات والنصح للدول الأعضاء بهدف تنسيق سياسات التنمية الوطنية. كما كانت - بالنسبة للمشروعات الإقليمية - مسؤولة عن إجراء الدراسات والإعداد للمشروعات، وأيضًا إعداد قوائم تشمل مصادر الطاقة والطلب عليها ودراسة كيفية تنميتها.

ومما يُحسب للوكالة، الدور الرائد الذي قامت به في إعداد وتشغيل مشروع إنشاء محطة كهرباء روزيزي 2. رغم ذلك عانت الوكالة من بعض المعوقات مثل تأخر الأعضاء في سداد الرسوم المقررة عليهم، وعدم تقدير المانحين للقيمة الفعلية للمدخل الإقليمي في التخطيط لأنظمة الطاقة.

يمكن اعتبار الوكالة والمجموعة الاقتصادية لدول البحيرات العظمى – في ذلك الوقت - آلية مناسبة لتنمية المشروعات المشتركة، فقد كان لدى المنظمة فريق عمل مدرب، وكانت تستعين بالتكنولوجيا الحديثة أولاً بأول في عملها. كما كانت الوكالة تقوم بدورها - كمسؤول رئيسي عن شؤون الطاقة – في دعم التواصل بين الدول المتجاورة فيما يتعلق بأمور الطاقة.

وعلى نفس خطى الوكالة، تم تأسيس منظمة حوض نهر كاجيرا عام 1977، بين رواندا وبوروندي، مع انضمام تنزانيا ثم أوغندا عام 1981، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتخطيط التنموي المشترك لمنطقة الحوض الواقعة في حدود أقاليم الدول الأربع في مجالات النقل، الزراعة، الغابات، المصايد، الصناعة، المناجم، السياحة والتعليم، مع إعطاء أولوية خاصة للطاقة والنقل والزراعة والتدريب.

وعلى الرغم من أهمية حوض نهر كاجيرا، فقد كان الوضع المالي للمنظمة سيئًا للغاية حيث عانت من عجوزات كبيرة في الميزانية نظرًا لاتساع العمليات المنوطة بها كما هو واضح. لذلك، في العام التالي لنشأتها تم إعداد خطة تنمية نهرية شاملة وتم تقديمها أمام مؤتمر للمانحين، غير أن المؤتمر أكد عدم اكتمال الخطة وضرورة تقييم الوضع بشيء من التفصيل. لذلك وفي أواخر 1980 حثت المنظمة الخطى نحو إقامة برنامج لعدد من المشروعات الكبرى لزيادة المصادر المتاحة، وكان أنجح المشروعات هو مشروع تشييد إذاعة دولية للربط بين شبكات الإذاعة الداخلية للدول الأعضاء، وتم تمويل هذا المشروع بواسطة بنك التنمية الإفريقي AfDB.

أيضًا كان هناك مشروع Tse-Tse Fly Control، الذي حشدت له المنظمة حوالي 7 ملايين دولار أمريكي، ومشروع إنشاء محطة طاقة خزان رسومو Resumo، ومشروع إنشاء سكة حديدية تربط رواندا وبوروندي مع ميناء بوكوبا على الشاطئ الغربي لبحيرة فيكتوريا.

بعد ذلك وفي عام 1990، تم تعديل اتفاق إنشاء هذه المنظمة في القمة السادسة التي عقدت في بوجمبورا- بوروندي ليتضمن تطويرًا شاملاً لتنمية حوض نهر كاجيرا في مختلف المجالات، وبما أدى ببعض المتابعين للقول إن تلك المنظمة هي منظمة نهرية اسمًا فقط؛ فباستثناء مشروع خزان رسومو نجدها قد خصصت أنشطتها لمشروعات بعيدة عن تنمية الموارد المائية لحوض نهر كاجيرا، أضف إلى ذلك أن التفويض الواسع الذي امتد إلى قطاعات عديدة أدى إلى عبء كبير على ميزانيتها، وبما يبرر تصنيفها باعتبارها منظمة تنمية إقليمية أكثر من اعتبارها منظمة نهرية متخصصة.

وهكذا - كما نرى- بات التنظيم المؤسسي في حوض النيل مع نهاية السبعينيات محصورًا في المنظمات الفرعية سالفة الذكر المسئولة عن تنظيم استخدام أو استخدامات معينة للجزء من النهر الذي يخص كل مجموعة.

وفي محاولة لإيجاد فواصل زمنية لتطور التحرك التعاوني في حوض النيل، دعونا نعتبر الفترة من 1960 وحتى 1980 هي فترة "استعداد" وتمهيد من خلال التنظيمات الفرعية سالفة الذكر للدخول مستقبلاً في تنظيمات جماعية. السبب في ذلك التحديد الزمني أن الدول الإفريقية بدأت تنتبه - مع بداية الثمانينيات - إلى شيوع ظاهرة الفرعية في إفريقيا! وبما دفع الرؤساء الأفارقة - في المؤتمر الاستثنائي الثامن في لاجوس (عاصمة نيجيريا حينئذ) 1980 – إلى إقرار "خطة لاجوس" التي أكدت أهمية إنشاء الجماعة الاقتصادية الإفريقية بحلول عام 2000، والالتزام بدعم وتقوية المجموعات الاقتصادية الإقليمية القائمة وإنشاء مجموعات اقتصادية على أساس إقليمي شامل.

وأكد الرؤساء على أن الإستراتيجيات الحالية للتنمية بدلاً من أن تؤدي إلى تحسن وضع القارة الاقتصادي، فقد أدت إلى حالة من الركود غدت معها دول القارة أكثر قابلية للتأثر بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وفيما يتعلق بالموارد الطبيعية، أكدت خطة لاجوس أن البلدان الإفريقية يجب أن تعمل على تعزيز المؤسسات الإفريقية الوطنية والإقليمية المعنية بزيادة قيمة الموارد الطبيعية، ودعم التعاون مع المجتمع الدولي والهيئات غير الإفريقية العاملة في هذا الشأن، ودعم اتفاقات التعاون بين الدول الأعضاء للاستفادة إلى أقصى درجة من الروابط الاقتصادية القائمة في الإقليم.

كلمات البحث
الأكثر قراءة