لماذا اختار الرئيس الصيني "شي جين بينج" مصر تحديدًا لزيارته المقبلة، في وقت تتسع فيه علاقات بكين مع معظم الدول العربية والإفريقية؟
السؤال مهم؛ لأن الزيارة تأتي في عام يحتفل فيه البلدان بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، لكنها لا تبدو زيارة احتفالية. فمصر كانت أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات مع الصين عام 1956، لكن التاريخ وحده لا يفسر قرار "شي" زيارة القاهرة في هذه اللحظة.
لقد زادت التطورات الدولية والإقليمية من الأهمية الإستراتيجية لمصر بالنسبة إلى الصين، وجعلتها شريكًا لا غنى عنه في عدة مجالات في آنٍ واحد، من السياسة والأمن إلى التصنيع والتجارة واللوجستيات والطاقة.
الباحثة الصينية البارزة He Wenping، من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وصفت مصر بأنها "دولة محورية" (anchor country) في الشرق الأوسط وإفريقيا، وقالت إن استقرارها وتنميتها مهمان للصين. كما اعتبرت أن موقع مصر المؤثر في شمال إفريقيا والشرق الأوسط يوفر قاعدة مهمة لتطوير التعاون الصناعي الصيني. وهذا التوصيف يفسر جانبًا مهمًا من خصوصية العلاقة؛ فمصر ليست فقط سوقًا كبيرة، وإنما تقع عند نقطة اتصال بين الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط، بينما تمر عبر قناة السويس نسبة مهمة من التجارة العالمية.
وقد أشار المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) إلى الأهمية المتزايدة لشمال إفريقيا في الحسابات الصينية، خاصة بسبب موقع المنطقة عند تقاطع الشرق الأوسط والمتوسط وإفريقيا. ولفت إلى أن مصر تكتسب أهمية خاصة للصين بسبب قناة السويس، وعلاقاتها الإقليمية، وتزايد الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة والمناطق الصناعية. لذلك لا تبدو زيارة "شي" إلى القاهرة مجرد اختيار رمزي بمناسبة مرور سبعة عقود على العلاقات؛ لقد أصبحت مصر، مع تغير البيئة الدولية والإقليمية، شريكًا للصين يصعب الاستغناء عنه.
ولكن الشرق الأوسط الذي يزوره "شي" في 2026 ليس هو الشرق الأوسط الذي زاره قبل عشر سنوات؛ فالقضية الفلسطينية عادت إلى قلب النظام الإقليمي، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران غيرت حسابات الأمن في الخليج، وأصبح البحر الأحمر جزءًا من معادلة الأمن التجاري العالمي، بينما تستمر أزمات السودان وليبيا. وكل هذه الملفات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمصالح المصرية والصينية.
ومن المتوقع لذلك أن يكون البعد السياسي والأمني حاضرًا بقوة في القمة المصرية الصينية، خاصة بشأن فلسطين، والسودان، وليبيا، والبحر الأحمر، وأمن الخليج، ومستقبل النظام الدولي. إذن هناك مساحة واضحة للتقارب بين القاهرة وبكين حول عدد من المبادئ: احترام سيادة الدول، رفض تهجير الفلسطينيين، دعم إقامة الدولة الفلسطينية، والتمسك بالتسويات السياسية بدلاً من الحروب المفتوحة.
لكن الصين لا تبدو راغبة في تحويل حضورها المتزايد في المنطقة أو إفريقيا إلى نسخة من الوجود الأمريكي؛ فهي تفضل الدبلوماسية والوساطة والعلاقات الاقتصادية، وتتجنب الالتزامات العسكرية المباشرة التي قد تضعها في صراعات إقليمية طويلة. وهذا ينسجم، إلى حد كبير، مع الرؤية المصرية التي تقوم على تنويع الشراكات وليس الانضمام إلى محاور مغلقة.
ومن ناحية أخرى تبرز بقوة هذه الرؤية العميقة في الدراسات الصينية الأحدث حول مستقبل التعاون مع إفريقيا. ففي دراسة حديثة لباحثين من معهد الدراسات الدولية الصيني (China Institute of International Studies)، اعتُبر التحول في العلاقات الصينية الإفريقية انتقالًا من مجرد تبادل السلع إلى تكامل أعمق بين الاقتصادين وسلاسل الإمداد، مع التركيز على زيادة الصادرات الإفريقية إلى الصين وتعميق التعاون الصناعي وربط الاقتصادات النامية بالأسواق العالمية. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تستطيع بحكم موقعها واتفاقياتها التجارية أن تكون نقطة اتصال بين الإنتاج الصيني والأسواق العربية والإفريقية والأوروبية. كما أن الدراسة تضع التعاون الاقتصادي في إطار أوسع من مجرد التجارة، باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل أنماط التعاون بين الصين ودول الجنوب.
وانطلاقًا من التوجهات الصينية هذه، يبدو المستقبل الاقتصادي هو الآخر مجالاً مبشرًا لتطوير العلاقة بين القاهرة وبكين. فقد توسعت التجارة والاستثمارات والمشروعات الصينية في مصر بصورة كبيرة، كما أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى أهم نقاط الحضور الصناعي الصيني. وهذا بالضبط ما يجعل مستقبل العلاقة المصرية-الصينية مختلفًا عن مراحلها السابقة: ليس المطلوب أن تزيد حركة التجارة فقط، وإنما أن يصبح هناك إنتاج مشترك، وسلاسل قيمة، ونقل للتكنولوجيا، وقدرة أكبر على الوصول إلى أسواق جديدة من خلال مصر.
ويبدو أن ثمة تفاهمًا بين الدولتين على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير في طبيعة التعاون. المطلوب ليس فقط المزيد من الاتفاقات، وإنما المزيد من الإنتاج: مصانع جديدة، صادرات مصرية، نقل تكنولوجيا، شركات مصرية وصينية تعمل معًا، وسلاسل إنتاج مرتبطة بالأسواق الإفريقية والأوروبية والعربية. وهنا تتقاطع مصالح البلدين بصورة واضحة؛ فالصين تبحث عن مواقع إنتاج واتصال بالأسواق وسلاسل إمداد أكثر تنوعًا، ومصر تحتاج إلى استثمارات ترفع قدرتها الصناعية والتصديرية وتساعدها على توطين التكنولوجيا.
وبذلك تصبح قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها أكثر أهمية في هذا السياق؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بمرور التجارة الصينية عبر القناة، وإنما بإمكان تحول مصر إلى قاعدة إنتاج وتصدير مرتبطة بالأسواق التي تحيط بها. وهذا يفتح مجالات جديدة للتعاون في السيارات الكهربائية، والطاقة الجديدة، والصناعات الهندسية، والذكاء الاصطناعي، والبنية الرقمية، واللوجستيات.
ويبدو أن القاهرة وبكين تبذلان أقصى جهد لإنجاح زيارة "شي" بصورة كبيرة وغير مسبوقة، ولن تكتفيا بعدد الاتفاقات التي ستوقع في القاهرة، وإنما وضعتا معيارًا إضافيًا يتعلق بما سوف يحدث بعد الزيارة: كم مصنعًا يبدأ الإنتاج؟ كم تكنولوجيا تنتقل؟ كم وظيفة تُخلق؟ كم تزيد الصادرات المصرية؟ وكم مشروعًا ينتقل من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ؟
ويبقى الأهم: أي نقلة نوعية لتعميق شراكتهما لصنع المستقبل؟
وثمة تفاؤل بأن هذه هي النقلة التي يمكن أن تعطي العلاقة معنى جديدًا بعد سبعين عامًا. فالصداقة المصرية الصينية لم تعد بحاجة إلى إثبات، ما تحتاجه الآن هو تحديد ما يمكن أن تصبح عليه خلال العقد المقبل. والإجابة قد تكون في شراكة أكثر تركيزًا على الإنتاج والتكنولوجيا والتجارة، وأكثر اتصالًا بالتغيرات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط وإفريقيا والنظام الدولي.
لهذا تأتي زيارة "شي" إلى مصر في توقيت مهم للطرفين؛ فبكين تحتاج إلى شريك قوي ومستقل في منطقة تزداد أهميتها، والقاهرة تحتاج إلى شريك اقتصادي وتكنولوجي وسياسي يوسع خياراتها من دون أن يفرض عليها الاصطفاف.
بعد سبعين عامًا من الصداقة، يبدو السؤال الحقيقي إذن ليس كيف نحافظ على العلاقة، وإنما كيف نجعلها أكثر أهمية في السنوات المقبلة؟ وهنا يمكن أن تكون زيارة "شي" نقطة انتقال: من صداقة تاريخية أثبتت قدرتها على الاستمرار، إلى شراكة أكثر تأثيرًا في المستقبل.