شي جين بينج في القاهرة.. شراكة لبناء القوة المصرية الشاملة

27-8-2026 | 12:12

أعلن السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن الرئيس الصيني شي جين بينج سيقوم بزيارة رسمية إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة، يلتقي خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الإستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات محل الاهتمام المشترك، إلى جانب تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية. ورغم أن البيان الرسمي جاء مقتضبًا، فإن دلالاته السياسية والإستراتيجية أكبر بكثير من عدد كلماته؛ لأنه يضع زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة داخل إطارين متزامنين: إطار العلاقات الثنائية التي وصلت إلى مستوى متقدم من التشابك، وإطار دولي وإقليمي بالغ التعقيد تتقاطع فيه حسابات الصين ومصر حول التجارة والطاقة والأمن والممرات البحرية والتكنولوجيا وقضايا الشرق الأوسط وإفريقيا.

وتكتسب الزيارة أهميتها أيضًا من أنها تأتي بعد عشر سنوات من آخر زيارة دولة قام بها شي جين بينج إلى مصر في يناير 2016، وبعد مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين عام 1956. لكن السنوات العشر الفاصلة بين الزيارتين لم تكن مجرد فترة زمنية؛ فقد تغير خلالها شكل الاقتصاد العالمي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وأصبحت التكنولوجيا والبيانات وسلاسل الإمداد والممرات البحرية والطاقة عناصر مركزية في تعريف القوة، بينما تطورت العلاقات المصرية-الصينية نفسها من شراكة سياسية واقتصادية إلى شبكة واسعة من المصالح والمشروعات التي تشمل البنية الأساسية والصناعة والطاقة والاتصالات والفضاء والتكنولوجيا والتعاون العسكري.

سبعون عامًا من العلاقات.. من الاعتراف السياسي إلى الشراكة الإستراتيجية.

في 30 مايو 1956 أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وهي لحظة تحمل دلالة تاريخية تتجاوز العلاقات الثنائية، لأنها جاءت في سياق كانت فيه القاهرة وبكين تلتقيان حول قضايا التحرر الوطني والسيادة ورفض الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومنذ ذلك التاريخ استطاعت العلاقات المصرية الصينية أن تحافظ على قدر من الاستمرارية والمرونة رغم التحولات الكبيرة في النظام الدولي.

ثم تطورت العلاقة تدريجيًا حتى وصلت إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية عام 1999، قبل أن تشهد النقلة النوعية الأهم عام 2014 عندما اتفق الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج على إقامة الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين. وهذه النقلة لم تكن مجرد تغيير في التوصيف الدبلوماسي، وإنما مثلت إعادة تعريف للعلاقة باعتبارها إطارًا يمكن أن يستوعب ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والفضاء والبنية الأساسية إلى جانب التنسيق السياسي.

لكن عام 2016 يظل نقطة التحول الأهم في المسار التنفيذي لهذه الشراكة، عندما زار شي جين بينج القاهرة في يناير من ذلك العام، وبدأت العلاقات تدخل بصورة أكثر وضوحًا إلى مرحلة المشروعات الكبرى وربط أولويات التنمية المصرية بمبادرة الحزام والطريق.

ومنذ ذلك الوقت أصبح بالإمكان قياس الشراكة ليس فقط بما يقال في البيانات الرسمية، وإنما بما ظهر على الأرض من مصانع ومشروعات نقل وطاقة واتصالات ومناطق صناعية وبنية عمرانية وتكنولوجية.

وهنا تكمن أهمية الرقم. ففي عام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية-الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3%. هذا الرقم وحده يوضح أن الصين أصبحت أحد أهم الشركاء التجاريين لمصر، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن تحدٍ بالغ الأهمية يتعلق بهيكل التجارة وضرورة زيادة الصادرات المصرية ذات القيمة المضافة إلى السوق الصينية. ولذلك فإن الرهان المصري في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون فقط على زيادة رقم التجارة، وإنما على تغيير طبيعة التجارة نفسها.

فالفارق كبير بين ارتفاعٍ شكلي للتبادل التجاري ناتجٍ عن تزايد الواردات، وبين ارتفاعٍ حقيقي ومستدام تقوده المصانع المصرية؛ حين تنتج وتصدر أكثر، وتدخل في سلاسل القيمة الصينية والعالمية.

من الشراكة السياسية إلى المشاركة في بناء الجمهورية الجديدة

إذا كانت العلاقات السياسية هي التي صنعت الثقة بين القاهرة وبكين، فإن المشروعات هي التي أعطت الشراكة مضمونها المادي. فخلال السنوات التي أعقبت 2016، دخلت الشركات الصينية في مجموعة من المشروعات الكبرى التي ارتبطت بمسار بناء البنية الأساسية للدولة المصرية. ومن أبرزها منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الجديدة، ومشروعات النقل الكهربائي، والطاقة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروعات أخرى في قطاعات الاتصالات والتكنولوجيا والفضاء.

وفي منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة، تنفذ شركة الصين العامة للهندسة والإنشاءات «CSCEC» 20 برجًا، من بينها البرج الأيقوني الذي يقترب ارتفاعه الإنشائي من 400 متر. وفي يناير 2024 شهد رئيس مجلس الوزراء تسليم أول ثلاثة أبراج من المشروع.

لكن أهمية هذا الرقم ليست في عدد الأبراج وحده. فالبرج الأيقوني أو الأبراج العشرين ليست هي القصة كلها. القصة هي أن الشراكة الصينية دخلت إلى قلب مشروع مصري لإعادة توزيع الوظائف الإدارية والاقتصادية والعمرانية للدولة، وأن الصين أصبحت شريكًا في تنفيذ جزء من البنية العمرانية التي تستهدفها الدولة ضمن مشروع العاصمة الجديدة.

وهنا يظهر الفرق بين علاقة تجارية عادية وشراكة إستراتيجية، فالشركة الأجنبية لم تعد تبيع منتجًا وتنصرف، وإنما أصبحت جزءًا من تنفيذ مشروع وطني طويل المدى، فيما تستفيد الدولة من التمويل والخبرة والتكنولوجيا والقدرة التنفيذية.

قناة السويس.. عندما يتحول الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية

ربما تكون المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أكثر تعبيرًا عن جوهر الرؤية المصرية للعلاقة مع الصين. فمصر لا تريد أن تكون مجرد سوق للمنتجات الصينية، والصين لا تبحث فقط عن سوق مصرية تضم أكثر من مائة مليون مستهلك؛ وإنما توجد إمكانية لبناء علاقة أكثر تعقيدًا تقوم على الإنتاج والتصنيع والتصدير واستخدام الموقع المصري كبوابة إلى إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وتقدم منطقة «تيدا» الصينية في العين السخنة نموذجًا مهمًا لهذا الاتجاه. ففي يوليو 2024 كان رئيس الوزراء قد أشار إلى أن المنطقة استقطبت نحو 170 شركة، بينما تجاوز حجم الاستثمارات الفعلية للمشروعات فيها 3 مليارات دولار، وتجاوزت المبيعات 5 مليارات دولار، مع توفير نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وأكثر من 80 ألف فرصة عمل غير مباشرة.

هذه الأرقام تكشف أن المسألة تجاوزت فكرة «وجود صيني» داخل الاقتصاد المصري إلى إنشاء قاعدة صناعية متكاملة نسبيًا. والأكثر أهمية أن مشروعات المنطقة تتجه بصورة متزايدة إلى التصنيع وسلاسل الإمداد، وليس فقط التجميع أو التجارة. ففي 2024 وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عقودًا لستة مشروعات صينية تجاوزت استثماراتها 1.067 مليار دولار، شملت صناعات كيماوية ومكونات للأجهزة المنزلية وإنتاج البروم وغيرها، بما يوضح اتجاهًا نحو تعميق التصنيع المحلي.

وفي 2025 استمر هذا الاتجاه بقوة؛ إذ شهدت المنطقة الصناعية بالسخنة وضع حجر الأساس لمشروعات صينية جديدة بقيمة 58 مليون دولار في قطاعي الأجهزة المنزلية والنشا المعدل والبروتين النباتي، بما يوفر قرابة 450 فرصة عمل. كما بدأ مشروع «دي سيتا» الصيني في القنطرة غرب باستثمارات 40 مليون دولار للمرحلة الأولى ويوفر 1200 فرصة عمل مباشرة.

والأكثر دلالة جاء في سبتمبر 2025 مع مشروع مصنع «سايلون» الصيني لإنتاج إطارات السيارات في السخنة باستثمارات معلنة تبلغ مليار دولار، بما يعكس تحول العلاقة نحو الصناعات المرتبطة بسلاسل الإنتاج العالمية.

من جذب الاستثمار إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا

وهذا يقود إلى أحد أهم التحولات في الشراكة المصرية الصينية خلال المرحلة الأخيرة: الانتقال من جذب الاستثمار إلى محاولة تحقيق التوطين. فخلال زيارة الرئيس السيسي إلى الصين في مايو 2024، اتفق الجانبان على تعميق التعاون مع التركيز على توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، بما يشمل قطاعات السيارات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية والصناعات الكيماوية ومواد البناء والتكنولوجيا الزراعية، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والعلوم والأكاديمية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في تقييم الشراكة. فالدولة لا تحتاج فقط إلى مصنع جديد، وإنما إلى أن يصبح المصنع جزءًا من منظومة صناعية محلية. ولا تحتاج فقط إلى شراء معدات، وإنما إلى تطوير مهندسين وفنيين قادرين على تشغيلها وصيانتها وتطويرها. ولا تحتاج فقط إلى استيراد تكنولوجيا، وإنما إلى خلق قدرة وطنية على استيعابها ثم إنتاج تطبيقات جديدة لها. وهذا هو المقياس الحقيقي للانتقال من الاستثمار إلى التنمية.

الاقتصاد الأخضر والطاقة.. من المشروعات إلى سلاسل القيمة الجديدة

دخل التعاون الصيني المصري أيضًا في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وهو قطاع يمكن أن يصبح من أهم مجالات الشراكة في السنوات المقبلة.

ففي ديسمبر 2025 بدأ تنفيذ مجمع «أتوم» للطاقة الشمسية في منطقة تيدا بالسخنة باستثمارات تبلغ 210 ملايين دولار، ويضم ثلاثة مكونات بطاقة سنوية تصل إلى 2 جيجاوات من الخلايا الشمسية و2 جيجاوات من الألواح الشمسية و1 جيجاوات ساعة من أنظمة تخزين الطاقة، مع استهداف التصدير للخلايا الشمسية، واستخدام مكونات مصرية مثل الألومنيوم والزجاج، وتوفير نحو 850 فرصة عمل مباشرة.

وهذا نموذج بالغ الأهمية لأنه يجمع في مشروع واحد بين الاستثمار الصيني والتصنيع المحلي والتصدير والطاقة النظيفة وزيادة القيمة المضافة المصرية. وهنا يمكن أن نرى بوضوح كيف تتطور العلاقة: من مشروع بنية أساسية إلى مشروع صناعي، ومن مشروع صناعي إلى سلسلة قيمة، ومن سلسلة القيمة إلى إمكانية التصدير.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. الصين تدخل البنية الرقمية لمصر

إذا كان العقد الماضي قد شهد بناء أجزاء كبيرة من البنية المادية للجمهورية الجديدة، فإن المرحلة المقبلة ستدور بدرجة أكبر حول البنية الرقمية. وهنا تظهر الشراكة مع «هواوي» بصورة واضحة.

فالتعاون بين هواوي والمؤسسات المصرية لم يعد مقصورًا على الاتصالات، وإنما امتد إلى الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والجامعات الذكية وبناء القدرات والتطبيقات الرقمية. وفي 2026 بحثت وزارة التعليم العالي مع هواوي توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الجامعات والتحول إلى الجامعات الذكية وبناء القدرات التكنولوجية وتأهيل الطلاب لسوق العمل.

والأرقام في هذا المجال أكثر دلالة من أي وصف. فبرنامج «بنك المواهب المصرية» الذي أطلقته هواوي بالتعاون مع الجهات المصرية منذ 2019 أسهم، وفق بيانات وزارة العمل، في تدريب أكثر من 60 ألف شاب وفتاة عبر 160 أكاديمية لهواوي في مختلف المحافظات، وبمشاركة نحو 1700 مدرب معتمد دوليًا.

هذه الأرقام تعني أن التعاون لم يعد يتعلق فقط بالبنية التحتية للاتصالات، وإنما ببناء رأس مال بشري قادر على العمل في الاقتصاد الرقمي. كما أعلنت هواوي عن توسع البنية السحابية في مصر، بما في ذلك إطلاق منطقة توفر جديدة في القاهرة خلال 2026، مع حلول للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتطوير التطبيقات.

وهنا يمكن فهم التحول بصورة أعمق، فالصين لا تشارك فقط في بناء «المكان» الذي تعمل فيه الدولة المصرية، وإنما بدأت تشارك في بناء القدرة الرقمية التي ستدير بها الدولة والاقتصاد هذا المكان.

التعاون العسكري.. الشراكة التي تتجاوز الاقتصاد

ولا يمكن تقديم صورة أكاديمية مكتملة عن العلاقات المصرية-الصينية إذا تم تجاهل البعد العسكري.

ففي 22 أغسطس 2026 انطلقت فعاليات التدريب الجوي المصري-الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، وتضمن التدريب طلعات جوية مشتركة، وتوحيد المفاهيم القتالية، والتخطيط وإدارة أعمال القتال الجوي المشترك، وتبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة.

ودلالة هذا التدريب تتجاوز صور الطائرات في السماء. فالتعاون العسكري يوفر مجالًا لتبادل الخبرات العملياتية، والتخطيط، وإدارة العمليات المشتركة، وفهم أنماط مختلفة من العمل العسكري. كما أن استمراره يعكس مستوى من الثقة السياسية والمؤسسية يسمح بتوسيع التعاون بين القوات المسلحة في البلدين.

لكن الأهم في الحالة المصرية أن التعاون العسكري مع الصين لا ينبغي تفسيره باعتباره اصطفافًا مصريًا ضد الولايات المتحدة أو الغرب. هذا استنتاج لا تدعمه المعطيات المتاحة. مصر تتبع في الواقع نمطًا أوسع من تنويع مصادر التعاون والتدريب والتسليح والعلاقات الدفاعية، وهو ما يظهر أيضًا في تعاونها العسكري مع دول أخرى.

وبالتالي فإن العلاقة الدفاعية مع الصين يمكن قراءتها في إطار مفهوم أوسع هو تنويع الشراكات الدفاعية وزيادة هامش الحركة الاستراتيجية. وهذا يعزز، بدلًا من أن يناقض، فكرة أن الشراكة المصرية الصينية أصبحت متعددة الأبعاد.

لماذا الصين مهمة لمصر؟ ولماذا مصر مهمة للصين؟

الأرقام الاقتصادية تفسر جزءًا من الإجابة. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية 19.52 مليار دولار في 2025، بينما تشير بيانات رسمية إلى وجود أكثر من 2000 شركة صينية في مصر بإجمالي استثمارات يصل إلى نحو 8 مليارات دولار حتى أكتوبر 2024.

لكن الأهمية الإستراتيجية لا تقاس بهذه الأرقام وحدها. بالنسبة إلى الصين، مصر سوق كبيرة، وموقع إستراتيجي على قناة السويس، وبوابة إلى إفريقيا والعالم العربي، ودولة ذات وزن سياسي إقليمي، وعضو في بريكس منذ 2024. وبالنسبة إلى مصر، الصين تمثل مصدرًا مهمًا للاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع، وسوقًا ضخمة يمكن أن تستوعب المزيد من الصادرات المصرية، وشريكًا يمكن أن يساعد في بناء قطاعات إنتاجية جديدة.

ولهذا فإن العلاقة بين البلدين ليست علاقة طرف قوي بطرف ضعيف، وإنما علاقة بين دولتين لديهما مصالح استراتيجية متبادلة، وإن كانت القدرات الاقتصادية بينهما غير متكافئة.

إفريقيا.. هنا تتجاوز الشراكة حدود العلاقة الثنائية

لكن أكثر ما يميز الرؤية المصرية للعلاقة مع الصين هو أن القاهرة تستطيع توظيفها خارج حدودها. مصر ليست دولة شرق أوسطية فقط، وليست دولة عربية فقط، وإنما دولة إفريقية ذات موقع مركزي في القارة، وتمتلك قناة السويس والمنطقة الاقتصادية، وتمتلك شبكة سياسية ومؤسسية واسعة داخل الاتحاد الإفريقي.

وفي المقابل، تمتلك الصين قدرات هائلة في البنية الأساسية والتصنيع والطاقة والاتصالات والتمويل والتكنولوجيا.

وهنا تظهر مساحة التعاون الثلاثي: الصين بما تمتلكه من رأس مال وتكنولوجيا وقدرات تنفيذية، ومصر بما تمتلكه من موقع وخبرة وعلاقات إفريقية، وإفريقيا بما تحتاجه من بنية أساسية وتصنيع وطاقة واتصالات وتكنولوجيا.

وهذا ليس مجرد تصور نظري. فبيانات منتدى التعاون الصيني الإفريقي (فوكاك) تشير إلى أن حجم التجارة الصينية الإفريقية بلغ 295.6 مليار دولار في 2024، وهو مستوى قياسي، بينما بلغ حجم التجارة في الربع الأول من 2025 نحو 72.6 مليار دولار. كما بلغت قيمة التمويل التنموي الخاص بالبنية الأساسية في إفريقيا الذي قدمته الصين أو تعهدت به نحو 72.28 مليار يوان، وبلغت إيرادات مشروعات البنية الأساسية التي نفذتها الشركات الصينية في إفريقيا منذ قمة بكين وحتى نهاية مارس 2025 نحو 134.46 مليار يوان.

هذه ليست أرقامًا صغيرة، وهي تكشف حجم السوق والمساحة التي يمكن أن تتحرك فيها مصر، وذلك من خلال المسارات التالية:

المسار الأول هو التصنيع من أجل إفريقيا

فبدلًا من أن تظل مصر مجرد مستورد للمنتجات الصينية، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاجية تستقبل الشركات الصينية ثم توجه جزءًا من إنتاجها إلى الأسواق الإفريقية. وهذا تحديدًا ما يجعل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ذات أهمية استراتيجية.

فعندما تستثمر شركة صينية في مصنع داخل مصر وتنتج سلعة يمكن تصديرها إلى دولة إفريقية، فإن المكسب المصري لا يتوقف عند الاستثمار. هناك وظيفة جديدة، وإنتاج محلي، وصادرات، وخدمات لوجستية، واستخدام للموانئ، وربط بسلاسل التوريد، وزيادة في أهمية مصر بالنسبة للشركات الصينية. وبمعنى آخر، تستطيع مصر أن تحول الموقع الجغرافي إلى أصل اقتصادي.

المسار الثاني هو نقل الخبرة

مصر راكمت خلال السنوات الماضية خبرات كبيرة في إنشاء الطرق والكباري والمدن الجديدة والطاقة والاتصالات والخدمات الرقمية، والصين تمتلك خبرة واسعة في تنفيذ المشروعات الكبرى. ومن ثم يمكن أن تتحول العلاقة إلى صيغة تعاون ثلاثي تستفيد فيها دول إفريقية من الخبرة الصينية والمصرية معًا.

وهذا أكثر أهمية من مجرد تصدير المقاولين؛ لأنه يخلق نموذجًا للتنمية يمكن تكييفه مع احتياجات الدول الإفريقية.

المسار الثالث هو التكنولوجيا الرقمية

وهنا يمكن أن تصبح الخبرة المصرية في التحول الرقمي، بالتعاون مع الشركات الصينية، عنصرًا قابلًا للتوسع إفريقيًا. فالتدريب الذي حصل عليه عشرات الآلاف من الشباب المصريين في مجالات الاتصالات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أساسًا لبناء شركات وخبرات مصرية قادرة على تقديم خدمات في الأسواق الإفريقية.

المسار الرابع هو الطاقة الجديدة

فمشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتخزين والصناعات المرتبطة بها تفتح مجالًا واسعًا للتعاون في إفريقيا، التي تمتلك موارد طبيعية هائلة لكنها تعاني فجوات كبيرة في الطاقة والبنية الأساسية.

وهنا يمكن لمصر أن تلعب دور الوسيط المنتج، وليس الوسيط السياسي فقط: تستقبل التكنولوجيا والاستثمار، تطور الخبرة المحلية، ثم تنقل جزءًا من هذه الخبرة إلى أسواق إفريقية.

وفقًا للاستراتيجية المصرية للتعاون المناطقي الوظيفي فمصر تستطيع أن تجعل من علاقتها بالصين جزءًا من إعادة بناء دورها الاقتصادي في إفريقيا.

فعندما تستثمر شركة صينية في مصر، ثم تستخدم مصر قاعدة للتصدير إلى إفريقيا، تصبح العلاقة الصينية المصرية في حد ذاتها أداة من أدوات التكامل الإفريقي.

وعندما تشارك شركة مصرية مع شركة صينية في تنفيذ مشروع إفريقي، تصبح الشراكة الثنائية منصة للتعاون الثلاثي.

وعندما تنتقل التكنولوجيا الصينية إلى مصر، ثم تتحول إلى خبرة مصرية يمكن تقديمها لدولة إفريقية، تتحول العلاقة إلى أداة لبناء القدرات الإفريقية.

وهنا تحديدًا يمكن لمصر أن تنتقل من مفهوم «جذب الاستثمار الصيني» إلى مفهوم أكثر طموحًا هو توظيف الاستثمار الصيني في بناء مركز مصري للتنمية الإفريقية.

لماذا قناة السويس مهمة في هذه المعادلة؟

لأن قناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي. هي جزء من منظومة يمكن أن تجمع الموانئ والصناعة واللوجستيات والتخزين والخدمات وإعادة التصدير.

وإذا ارتبطت هذه المنظومة بالمصانع الصينية في مصر، فإن مصر تصبح نقطة ربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وهذا هو جوهر القيمة الجيو-اقتصادية المصرية.

فالصين تبحث عن الأسواق وسلاسل الإمداد، وإفريقيا تبحث عن الاستثمار والبنية الأساسية والتصنيع، ومصر تمتلك الموقع والبنية الأساسية والعلاقات السياسية. وعندما تلتقي هذه العناصر الثلاثة، تصبح الشراكة أكبر من مجموع عناصرها.

ماذا تقول الأرقام عن المرحلة المقبلة؟

الأرقام تقول إن الشراكة وصلت بالفعل إلى مستوى يصعب معه اختزالها في العلاقات الدبلوماسية.

19.52 مليار دولار حجم التجارة الثنائية في 2025.

أكثر من 2000 شركة صينية في مصر وفق بيانات أكتوبر 2024.

نحو 8 مليارات دولار استثمارات صينية معلنة وفق البيانات ذاتها.

أكثر من 3 مليارات دولار استثمارات فعلية في منطقة تيدا وفق بيانات 2024.

نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وأكثر من 80 ألفًا غير مباشرة ارتبطت بالمنطقة وفق بيانات الحكومة المصرية.

20 برجًا في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة، بينها البرج الأيقوني الذي يقترب من 400 متر.

60 ألف شاب وفتاة تم تدريبهم ضمن منظومة هواوي، عبر 160 أكاديمية وبمشاركة نحو 1700 مدرب.

210 ملايين دولار استثمارات مجمع أتوم للطاقة الشمسية في منطقة تيدا، بطاقة سنوية مستهدفة تبلغ 2 جيجاوات للخلايا و2 جيجاوات للألواح و1 جيجاوات ساعة للتخزين.

مليار دولار استثمارات مصنع سايلون الصيني للإطارات في السخنة.

هذه الأرقام مجتمعة تقول شيئًا واحدًا: العلاقة أصبحت بنية مصالح وليست مجرد علاقة سياسية.

ماذا بعد زيارة شي جين بينج؟

هنا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية. إذا كانت المرحلة السابقة قد نجحت في جذب الاستثمارات وتنفيذ المشروعات، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل إلى مستوى أعلى: زيادة الصادرات المصرية إلى الصين، تعميق التصنيع المحلي، نقل التكنولوجيا، زيادة المكون المحلي، ربط الشركات المصرية بسلاسل التوريد الصينية، وتوجيه جزء أكبر من الاستثمارات الصينية نحو الصناعات التي تستطيع مصر تصديرها إلى إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

وهذا تحديدًا ما يجعل زيارة شي جين بينج فرصة لإعادة ضبط العلاقة وليس فقط للاحتفال بها. فالرقم 19.52 مليار دولار مهم، لكنه ليس الرقم الذي يجب أن نكتفي به. فالأسئلة الحقيقية تكمن في: كم من هذا الرقم يمثل صادرات مصرية؟ وكم منه يمكن تحويله إلى إنتاج مصري؟ وكم مصنعًا جديدًا يمكن أن يستهدف السوق الإفريقية؟ وكم تكنولوجيا يمكن توطينها؟ وكم مهندسًا وفنيًا يمكن أن يصبحوا قادرين على إنتاج المعرفة وليس فقط استخدامها؟ هذه هي المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة.

«مصر تتجه شرقًا».. أحد مسارات الاتزان الإستراتيجي

لا يمكن قراءة الشراكة المصرية الصينية بمعزل عن التحول الأوسع في السياسة الخارجية المصرية، والذي أصبح أحد أبرز تعبيراته مبدأ «مصر تتجه شرقًا». والمقصود هنا ليس استبدال شراكات مصر التقليدية بشراكات جديدة، وإنما توسيع دوائر الحركة المصرية باتجاه آسيا، باعتبارها مركزًا رئيسيًا للصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة العالمية. ولذلك كثف الرئيس عبد الفتاح السيسي زياراته إلى عدد من العواصم الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وسنغافورة وإندونيسيا، بالتوازي مع استقبال القاهرة لقادة ومسؤولي الدول الآسيوية، بما عكس تحول الانفتاح على آسيا إلى مسار مستقر في السياسة الخارجية المصرية.

وتكتسب الصين موقعًا محوريًا داخل هذا التوجه، ليس فقط بحكم حجمها الاقتصادي، وإنما لأن العلاقة معها تحولت منذ رفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، ثم زيارة الرئيس شي جين بينج للقاهرة عام 2016، إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل البنية الأساسية والصناعة والطاقة والاتصالات والتكنولوجيا والفضاء والتعاون العسكري. كما ارتبط هذا المسار بانضمام مصر إلى مؤسسات وآليات اقتصادية جديدة، مثل بنك التنمية الجديد ومجموعة بريكس، إلى جانب عضويتها في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.

ومن ثم، فإن «مصر تتجه شرقًا» لا تتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما تمثل أحد أدواتها. فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة ويحافظ على استقلال قرارها. ولهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت ذاته على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى.

والدلالة الأهم أن التوجه شرقًا أصبح مرتبطًا مباشرة بأولويات التنمية المصرية. فالعلاقة مع الصين لم تعد مجرد علاقة دبلوماسية أو تجارية، وإنما أصبحت قناة لجذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية وبناء القدرات البشرية. وبالتالي فإن قيمة التوجه الآسيوي بالنسبة إلى مصر لا تقاس بعدد الزيارات المتبادلة، وإنما بقدرته على إضافة مصادر جديدة للقوة الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية إلى الدولة المصرية.

وهنا تصبح زيارة شي جين بينج إلى القاهرة امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار؛ فهي لا تعني أن مصر اختارت الشرق على حساب الغرب، وإنما تؤكد أن القاهرة تعمل على توسيع خياراتها الدولية، بحيث يكون لديها شركاء متعددون ومصالح متشابكة وقدرة أكبر على الحركة. مصر تتجه شرقًا، لكنها لا تغلق أبوابها غربًا؛ وتنفتح على آسيا، لكنها تحافظ على دوائرها العربية والإفريقية؛ وتنوع شراكاتها، لكنها تتمسك بثبات بوصلتها الوطنية.

سبعون عامًا.. لكن الرهان الحقيقي على العقود المقبلة

بدأت العلاقات المصرية الصينية عام 1956 على قاعدة سياسية وتاريخية مشتركة، ثم تطورت إلى شراكة استراتيجية عام 1999، وإلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2014، ثم أخذت منذ 2016 شكلًا أكثر تنفيذية وارتباطًا بالمشروعات الكبرى، قبل أن تدخل خلال السنوات الأخيرة إلى مجالات الصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والتعاون العسكري.

واليوم، بعد سبعين عامًا من العلاقات وعشر سنوات على آخر زيارة للرئيس الصيني إلى القاهرة، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت العلاقات المصرية الصينية مهمة. والسؤال الآن هو: كيف تحول مصر هذه الشراكة من مصدر للاستثمار إلى مصدر للقوة؟

كيف تحول المصنع إلى صناعة، والاستثمار إلى تصدير، والتكنولوجيا إلى معرفة، والتدريب إلى قوة بشرية، والموقع الجغرافي إلى مركز إنتاج ولوجستيات، والعلاقة الثنائية إلى منصة للتنمية الإفريقية؟

إذا نجحت القاهرة في ذلك، فإن قيمة الشراكة المصرية الصينية لن تكون في حجم ما يدخل إلى مصر من استثمارات فقط، وإنما في حجم القدرة التي ستبقى داخل مصر بعد انتهاء المشروع. وهنا يصبح معنى زيارة شي جين بينج للقاهرة أكثر عمقًا.

إنها ليست فقط زيارة رئيس صيني إلى دولة صديقة، ولا مجرد محطة في احتفالات سبعة عقود من العلاقات. إنها لحظة يمكن أن تنتقل فيها الشراكة المصرية-الصينية من مرحلة بناء المشروعات إلى مرحلة بناء القدرات، ومن التعاون الثنائي إلى التعاون الثلاثي، ومن الاستفادة من الصين داخل مصر إلى توظيف الشراكة مع الصين في توسيع الدور المصري في إفريقيا.

وهنا تحديدًا يمكن أن تصبح الشراكة المصرية-الصينية إحدى أدوات بناء الجمهورية الجديدة، ليس فقط بما تبنيه من طرق ومدن ومصانع ومراكز تكنولوجية، وإنما بما يمكن أن تبنيه من قدرة مصرية على الإنتاج والتصدير والتكنولوجيا والحركة في إفريقيا.

وهذه هي النقطة التي يجب أن نقيس بها نتائج زيارة شي جين بينج للقاهرة: ليس بعدد البيانات التي ستصدر، ولا بعدد الاتفاقيات التي ستوقع، وإنما بقدرة هذه الاتفاقيات على تحويل العلاقات التاريخية إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وإستراتيجية مصرية قابلة للامتداد داخل إفريقيا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة