سكوتا.. الأميرة المصرية التي منحت أسكتلندا جذورًا فرعونية

26-8-2026 | 15:27

ما الذي يدفع أمةً أوروبية، وهي تخوض معركةً من أجل استقلالها، إلى أن تبحث عن جذورها في مصر الفرعونية؟ هذا ما حدث عام 1320، عندما كان نبلاء أسكتلندا يخوضون معركة وجود في مواجهة إنجلترا. ولم تكن أسلحتهم هذه المرة سيوفًا أو رماحًا، بل وثيقة حملت قضيتهم إلى البابا يوحنا الثاني والعشرين، يناشدونه الاعتراف باستقلال بلادهم. لكنهم، قبل أن يدافعوا عن حدود دولتهم، دافعوا عن قِدم أمتهم؛ فقد أدركوا أن الشعب الذي يستطيع أن يثبت أن له ماضيًا عريقًا، يستطيع أن يطالب بأن يكون له مستقبل مستقل.

ومن هنا تبدأ واحدة من أغرب حكايات الأصول في التاريخ الأوروبي، حكاية أميرة مصرية تُدعى «سكوتا»، تقول السرديات الأسكتلندية والأيرلندية إنها كانت ابنة فرعون، وإنها أصبحت الأم الرمزية لأمة كاملة، بل إن اسم أسكتلندا نفسه اشتُق، وفقًا للأسطورة، من اسمها.

قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى مجرد خيال نسجته كتب العصور الوسطى، لكن السؤال الأكثر إثارة ليس ما إذا كانت سكوتا قد عاشت فعلًا؛ بل لماذا احتاجت أمة تقاتل من أجل حريتها إلى أن تضع ابنة فرعون في بداية تاريخها؟

قبل أن تدخل سكوتا إلى التاريخ الأسكتلندي، كانت حاضرة في الذاكرة الأيرلندية منذ قرون. ففي «كتاب احتلال أيرلندا»، أحد أهم النصوص الأيرلندية في العصور الوسطى، تظهر "سكوتا" بوصفها ابنة فرعون مصري وأمًّا للجد الأسطوري للشعوب الغيلية. ولم تكتفِ الرواية بذلك، بل مزجت بين النسب المصري والموروث التوراتي لتمنح هذا الأصل الأسطوري قداسة ورسوخًا.

ويرى المؤرخ إدوارد كوان أن أول ظهور معروف لسكوتا في الأدب يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي. ومن أيرلندا انتقلت الحكاية إلى أسكتلندا؛ حيث تبناها مؤرخوها في القرن الرابع عشر، لتتحول تدريجيًا من أسطورة عن الأصول إلى جزء من السردية التاريخية للأمة الأسكتلندية.

وفي أربعينيات القرن الخامس عشر، كان المؤرخ الأسكتلندي والتر باور يكتب في دير إنشكولم، على جزيرة صغيرة في خليج فورث، موسوعته «التاريخ الأسكتلندي»، أحد أهم الأعمال التاريخية في أسكتلندا خلال العصور الوسطى.

وجعل باور من سكوتا نقطة البداية في تاريخ أسكتلندا؛ فهي، وفقًا لروايته، ابنة فرعون مصري، غادرت مصر مع زوجها، ثم انتقل نسلهما عبر شبه الجزيرة الإيبيرية إلى أيرلندا، قبل أن يعبر إلى الساحل الغربي لأسكتلندا. وهكذا رسم سلسلة نسب تمتد من ضفاف النيل إلى المرتفعات الأسكتلندية، ليمنح بلاده ماضيًا يضاهي عراقة الأمم الأوروبية الكبرى، حتى إنه ختم موسوعته بعبارة لاتينية شهيرة معناها: "ليس أسكتلنديًا، بالمسيح، من لا يُسعده هذا الكتاب".

ليبقى السؤال: لماذا احتاجت أسكتلندا إلى فرعون؟! وهنا لا يمكن فهم أسطورة سكوتا بمعزل عن السياق السياسي الذي نمت فيه. فقد سعت المدونات التاريخية الأسكتلندية في العصور الوسطى إلى بناء رواية متماسكة تفسر نشأة الأسكتلنديين بوصفهم أمة مستقلة ذات جذور ضاربة في القدم. وفي قلب هذه الرواية وقفت سكوتا، الأميرة المصرية، بوصفها الحلقة التي تربط أسكتلندا بحضارة أقدم من روما نفسها.

ولم يكن اختيار مصر عشوائيًا. ففي الوقت الذي استندت فيه إنجلترا إلى الموروث الأرثوري والإرث الروماني والأنجلوساكسوني لتأكيد مكانتها، بحثت أسكتلندا عن أصل أقدم. وكانت مصر، في المخيال الأوروبي الوسيط، تمنحها ذلك؛ فهي أقدم من روما، وفيها تتقاطع أحداث التاريخ المقدس: إليها جاء سيدنا إبراهيم، وفيها عاش سيدنا يوسف ونزل سيدنا يعقوب وبنوه، ومنها خرج سيدنا موسى، وإليها لجأت السيدة مريم العذراء والطفل يسوع.

كما رسخ الإغريق، وفي مقدمتهم هيرودوت، صورة مصر بوصفها حضارة بالغة القدم وأرضًا للحكمة والمعرفة. وهكذا كان الانتساب إليها يجمع في المخيال الأوروبي بين قِدم الحضارة وهيبة التاريخ وسلطة الموروث الديني. وبهذا المعنى، لم تكن سكوتا مجرد شخصية أسطورية، بل فكرة سياسية في صورة أميرة.

ولعل الجزء الأكثر غرابة في هذه القصة هو ما عُرف لاحقًا بـ«حجر القدر»؛ ذلك الحجر الذي ارتبط عبر قرون بتتويج ملوك أسكتلندا، قبل أن يصبح جزءًا من عرش التتويج في وستمنستر، ويواصل حضوره في مراسم تتويج الملوك البريطانيين حتى تتويج الملك تشارلز الثالث عام 2023.

وتشير الأسطورة إلى أن سكوتا حملت الحجر معها من مصر إلى أيرلندا، ثم وصل لاحقًا إلى أسكتلندا ليصبح رمزًا لشرعية الملوك. ويرى عالم الآثار والمؤرخ دايفيد بريز أن نسب الحجر إلى الشرق كان جزءًا من تقاليد منحت هذا الرمز شرعية دينية وتاريخية تتجاوز أصله المحلي. وبصرف النظر عن أصله الحقيقي، تحول الحجر عبر القرون إلى وعاء لذاكرة سياسية تجاوزت مادته وأصله الجيولوجي.

وثمة ما هو أغرب من الأسطورة نفسها: أن تترك شخصية لم يُثبت التاريخ وجودها قبرًا يمكن للناس أن يقفوا أمامه حتى اليوم، في جنوب مدينة ترالي بمقاطعة كيري الأيرلندية، يوجد موقع يُعرف باسم «قبر سكوتا»، حيث تقول الرواية المحلية إن الأميرة المصرية دُفنت بعد مقتلها في إحدى المعارك القديمة، حتى أصبح اسمها جزءًا من جغرافية المكان.

لكن معاينة أثرية للموقع في نهاية القرن العشرين لم تجد أدلة كافية تسمح باعتباره قبرًا أثريًا موثقًا لسكوتا. ومع ذلك لم يختفِ القبر ولا الحكاية؛ فما بقي من سكوتا ليس أثرًا بالمعنى العلمي، بل اسمًا على الخريطة، وحجرًا في وادٍ، وذاكرة شعبية استطاعت أن تحول الخيال إلى جغرافيا.

كلمة أخيرة

ربما لم تكن سكوتا ابنة فرعون فعلًا، وربما لم يحمل أحفادها حجر القدر من وادي النيل، وربما كان القبر في أيرلندا مجرد حجر التصقت به حكاية قديمة. لكن الحاجة إلى كل ذلك كانت حقيقية؛ حاجة أمة تقاتل من أجل استقلالها إلى ماضٍ يمنح حاضرها الشرعية. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لسكوتا. ليست في إثبات وجود أميرة مصرية عبرت البحار وأسست أسكتلندا، بل في قدرتها على كشف الطريقة التي تصنع بها الأمم صورتها عن نفسها.

ولعل سر بقاء قصة سكوتا طوال هذه القرون لا يكمن في قوة أدلتها، بل في قوة السؤال الذي تحاول الإجابة عنه. فقبل أن تبحث الأمم عن المستقبل، تبحث عن بداية ترويها لنفسها. وقبل أن تدافع عن حدودها، تدافع عن حكايتها. وهكذا بقيت مصر، حتى في إحدى أغرب الأساطير الأوروبية، ليست مجرد حضارة قديمة، بل نقطة البداية حين تبحث أمة عن معنى النسب وكرامة الجذور. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة