إذا كان سؤال "أمريكا ما بعد ترامب" قد بدأ يفرض نفسه في واشنطن، فإن سؤالًا موازيًا يزداد أهميةً في الشرق الأوسط: ماذا سيبقى من ترامب في المنطقة بعد رحيله؟، وهل ترك وراءه شرق أوسط مختلفًا، يصعب على أي إدارة أمريكية لاحقة أن تعيد تشكيله بالطريقة القديمة؟.
تكتسب هذه الأسئلة أهميةً إضافيةً في ضوء كتاب Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump للصحفيين ماغي هابرمان وجوناثان سوان. فالكتاب يقدم مفتاحًا مهمًا لفهم السياسة الخارجية: عندما تصبح الرئاسة أكثر شخصيةً، وأكثر اعتمادًا على غريزة الرئيس وحساباته المباشرة، يصبح الشرق الأوسط أكثر عرضةً للتقلبات، وأقل ارتباطًا بالاستمرارية التقليدية للسياسة الأمريكية.
وهذا تحديدًا ما يميز إرث ترامب في المنطقة؛ فترامب لم يبدأ معظم التحولات، لكنه دفع عددًا منها إلى الأمام وبسرعة أكبر. وقد تعامل مع المنطقة بمنطق مختلف: الصفقة قبل المبادئ، والقوة قبل الترتيبات المؤسسية، والمصلحة الأمريكية المباشرة قبل الالتزامات طويلة المدى.
في ولايته الأولى، كان التحول الأبرز هو إعادة صياغة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ثم اتفاقات أبراهام، لم تكن مجرد قرارات منفصلة، وإنما جزءًا من تصور أوسع يرى إمكانية إعادة ترتيب الشرق الأوسط ببناء شبكة علاقات عربية إسرائيلية مع تقليص مركزية القضية الفلسطينية.
لكن السنوات التالية أظهرت حدود هذا التصور. فالقضية الفلسطينية لم تختفِ، والحرب في غزة أعادتها إلى مركز السياسة الإقليمية والدولية. وأثبتت التطورات أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى إلغائه، وأن محاولة بناء نظام إقليمي دون معالجة القضية الفلسطينية تظل معرضةً للانفجار. وهنا أحد أهم دروس إرث ترامب: لا يمكن إعادة هندسة الشرق الأوسط من فوق القضية الفلسطينية.
أما إيران، فتمثل الوجه الآخر لإرثه. فترامب تبنى سياسة "الضغط الأقصى"، وانسحب من الاتفاق النووي، ثم ذهب في ولايته الثانية إلى مستوى أكثر مباشرةً في المواجهة. لكن التجربة تكشف حدود القوة الأمريكية؛ فالضغط والضربات العسكرية لا تحول القوة إلى نظام إقليمي مستقر، والمنطقة تحتاج من يستطيع تحويل القوة إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للحياة.
وفي الخليج، كان إرثه أكثر تعقيدًا. عزز الوجود الأمريكي كضامن أمني، وأكد الشراكة مع السعودية ودول الخليج، لكن طريقته جعلت هذه الدول أكثر وعيًا بأن الضمانات قد تتغير بتغير الرئيس. وهكذا أنتجت سياسته نتيجةً معاكسة: كلما زاد الاعتماد على القوة الأمريكية، زادت الرغبة في تنويع الشراكات والبحث عن قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي والانفتاح على الصين وروسيا والهند وتركيا.
فالشرق الأوسط الذي دخل عهد ترامب لم يعد هو الشرق الأوسط الذي خرج منه. القوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالًا، والصراع الدولي أصبح أكثر تعددية. ترامب لم يصنع هذه التعددية لكنه ساهم في تسريعها، بدفع الحلفاء والخصوم للبحث عن البدائل وموازين جديدة.
وهنا يعود كتاب "هابرمان وسوان" إلى الصورة. إذا كان ترامب قد جعل الرئاسة في الداخل أكثر شخصية، فإن السياسة الخارجية أصبحت أكثر ارتباطًا بشخصه وحساباته الانتخابية ورغبته في الصفقات وتفضيل نتائج ملموسة على البناء المؤسسي طويل المدى.
وهذا يثير سؤالًا مهمًا: ماذا يحدث عندما يأتي رئيس أمريكي بعد ترامب؟.
قد تعود واشنطن إلى لهجة أكثر تقليدية أو مقاربة مختلفة للقضية الفلسطينية، لكن من الصعب عودة الشرق الأوسط إلى نقطة البداية؛ فقد تغيرت حسابات الدول العربية نفسها. السعودية والإمارات وقطر ومصر وتركيا باتت أكثر اهتمامًا ببناء علاقات متعددة الاتجاهات، ولم تعد فكرة الاعتماد الكامل على مظلة أمريكية واحدة كافيةً.
ستظل القضية الفلسطينية اختبارًا لإرث ترامب. فإن انتهت السنوات المقبلة تسويةً سياسيةً تضمن حقوق الفلسطينيين وأمن الإسرائيليين، فقد تعتبر خطواته بدايةً لإعادة الترتيب. أما إذا استمرت غزة جرحًا مفتوحًا وظلت الدولة الفلسطينية بعيدة، فسيبدو إرثه محاولةً فاشلةً للترتيب حول إسرائيل دون حل القضية المركزية.
أما إيران، فسيظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت سياسة القوة ستنتج اتفاقًا أم دورة صراع جديدة. وإذا أثبتت التجربة أن الحرب لا تبني استقرارًا، فقد تضطر الإدارات المقبلة للبحث عن مقاربة تفاوضية.
لكن الشرق الأوسط بعد ترامب لن يكون بالضرورة أقل أمريكية؛ بل سيكون أقل اعتمادًا على أمريكا وحدها. فقد أراد ترامب فرض شروطه، لكنه دفع الجميع لتنويع خياراتهم، لتصبح المنطقة أكثر قدرةً على إنتاج توازناتها الخاصة.
السؤال الأكثر واقعية بعد ترامب ليس هل ستنسحب أمريكا، بل هل تستطيع أن تقود الشرق الأوسط كما كانت تفعل من قبل؟. الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا. وستظل واشنطن القوة العسكرية الخارجية الأهم، لكنها ستعمل في بيئة أكثر تنافسًا مع شركاء أكثر استقلالًا.
وهكذا قد يكون إرث ترامب مفارقًا لما أراده؛ أراد شرق أوسط أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية، فساهم في دفعه نحو استقلال أكبر. أراد تجاوز القضية الفلسطينية، فعادت بقوة إلى المركز. وأراد استخدام القوة لتحقيق نتائج حاسمة، فأثبتت التجارب أن القوة وحدها لا تصنع نظامًا.
إن إرث ترامب الحقيقي لن يحسمه ما فعله في البيت الأبيض، بل ما ستفعله دول المنطقة بعده. فإن استمرت في بناء شراكات متعددة، فسيكون قد ساهم، ولو بصورة غير مقصودة، في ولادة شرق أوسط أكثر استقلالًا.
حتى الآن، يبدو هذا الاتجاه أقرب إلى الواقع: فالشرق الأوسط بعد ترامب لن يكون شرق أوسط بلا أمريكا، لكنه لن يكون شرق أوسط تديره أمريكا وحدها.