وصية ليلى مراد للصحفيين من «ضفاف الصمت»

26-8-2026 | 13:41

بصراحة.. هكذا صار الحال؛ قليلةٌ هي الكتب التي تجذبني لقراءتها بمتعةٍ وليس كعملٍ مفروض. غزارة المعروض في الفكر والأدب لا بد معها دومًا من انتقاء دقيق.
لم يعد سهلًا أن يجد المرء كتابًا يورِّطه، يسحبه من يده فيُغرقه، ليجد نفسه ماضيًا في رحلة استثنائية مع الصفاء والجمال، الأفكار والشجون، الضحك والدموع، وسط نهر منهمر، يتهادى فيه الكلام بخفة ودلال.. بين «ضفاف الصمت».

الكلمتان الأخيرتان هما عنوان أحد هذه الكتب الجاذبة، المُورِّطة، للكاتب الصحفي والخبير الأكاديمي في الصحافة والإعلام، الدكتور سمير محمود، الذي قرر أن ينشر سيرته الذاتية في كتاب حمل عنوانًا ثانيًا موحيًا هو: «من شبرا إلى هناك..»، وأبدع الفنان سامح الكاشف في تصميم غلافه، الذي جاء معبرًا عن الحالة الشجية التي رسم الكاتب ملامحها في رحلته.

بداية الرحلة التي قادت إلى خروج كتاب «ضفاف الصمت» إلى النور، جاءت كما يوضح الكاتب من قلب مشاهد الصراخ والعويل ورائحة الموت التي كانت أقوى من قدرته على التحمل والتأمل، لا سيما وهو يقف على أعتاب سن الخمسين، في العام 2020، أوج تفشي جائحة كورونا، التي فرضت على العالم وعليه -وهو الكائن الاجتماعي بامتياز- عزلة إجبارية.

قرر سمير محمود أن يقاوم بشراسة داء العزلة، فقرأ عشرات الكتب، وحضر مؤتمرات وندوات وورش عمل عديدة «أونلاين»، وقدَّم محاضرات تطوعية تدريبية في الإعلام لجماهير لا يعرف عددها في العواصم العربية، وأنجز بحوثًا علمية محكَّمة في مجال الصحافة.

فعل كل هذا ووجد أن فائضًا من الوقت لا يزال لديه، فعاد إلى تأمل حياته هو، رحلته، وقرر أن يبوح بها بوحًا عفويًّا، دون استعراض، محاولًا أن يلملم شتاته وذكرياته، هشاشته وضعفه، كي ينهض من نومه كل يوم محمَّلًا بأحلام وطموحات «تكفي قارة»، أو.. «أردت فقط أن أقول لمن يجد الوقت ويهمه أن يقرأ صمتي عبر هذه السطور: إنني كنتُ هنا يومًا ما»، كما يقول.

عاش الرجل، وانغمس، صحفيًّا وأكاديميًّا، في سنوات فاصلة، ضمن عقود ملتهبة، غنية بالحوادث والأحداث، في مصر والمنطقة والعالم، على مدى الثمانينيات والتسعينيات وأواخر القرن العشرين وما بعده، كان شاهدًا على ما يجري حوله، مسجلًا إياه، متأملًا فيه، دون حدة أو انحياز، إنما بروح وثابة تتطلع دائمًا إلى الأمام، إلى المستقبل.

وهو يبدأ الإبحار بالكلام بين «ضفاف الصمت»؛ ذلك الذي لازمه صغيرًا، فكان طفلًا خجولًا صموتًا؛ يبدأ من شبرا، الحي المصري الجميل، العريق، العميق، حيث نشأ، فينقل لنا عبر السطور رائحة البيت والأسرة والمدرسة، طعم الحياة والأيام، القواعد والقيم، احترام الكبار ومحبتهم، والخوف منهم أيضًا، مع رصد وإدراك أخطائهم أحيانًا، كمدرس اللغة الفرنسية في المدرسة الثانوية الذي تهبط كفه على الوجوه بلا رحمة، وبلا سبب، حتى كره الكاتب وزملاؤه آنذاك تلك اللغة!

لا ملائكة أو شياطين من البشر، ولا عصور تنفرد وحدها بالرقي والقيم، فالحنين إلى الماضي طبيعيٌّ وإنسانيٌّ متى كان حنينًا واعيًا، قادرًا على التمييز بين القبيح والحسن، ونحن بينما نستعيد ذكريات حياتنا وبلادنا ونشأتنا الأولى إنما نُجيب لأنفسنا وللأجيال المقبلة عن السؤال الكبير، المهم: من نحن؟ كيف كنا وكيف أصبحنا؟ سعيًا إلى رسم ملامح إجابة سؤال أهم، هو: إلى أين؟!

«من شبرا»، يحدثنا سمير محمود عن الأم، عماد البيت ووتده الراسخ المتين: «لا أعرف كيف تجمع أمي بين نقيضين، قلبًا يفيض حنانًا وحزمًا خاليًا من القسوة، لا تعرف الهزيمة ولا يخيفها المستحيل»، أما الأب فهو المسالم تمامًا في جميع شؤونه: «كان مُسَلِّمًا أمرَه كله لله، ثم لسيدة الكون، نور عيني وشفاء روحي»، أم وأب، في بيت مصري خالص، بسيط، سليم، يحلم بسعادة الأبناء في الغد.

ومن البيت، في شبرا، ينطلق الكاتب «إلى هناك..»، إلى شتى الأصقاع والبقاع، صحفيًّا تنقل بين مختلف الأقسام، لتتسع رؤيته وتستفيض معرفته، ويشهد على عصر كانت فيه الصحافة حيةً، نابضةً بالحركة والتواصل والعمل.

والحركة فيها كثيرٌ من البركة، كما يقال، لكن فيها أيضًا أخطاءً وخطايا مؤثرة، كما يشارك فيها أصحاب نفوسٍ ضعيفة، يتصارعون على الوهم، يهزمون غيرهم بسرقة جهدهم، ولا يتورعون عن إيذائهم، لكن.. أنَّى للهزيمة أن تعرف طريقًا إلى مَن يؤمنون بأنفسهم، سلاحهم دومًا هو الترفع والكبرياء والعمل؟!

.. و«إلى هناك» أيضًا، انطلق سمير محمود، أستاذًا جامعيًّا، يُدَرِّس الصحافة والإعلام في الدول العربية، ويلقي المحاضرات ويحضر المؤتمرات في أمريكا وألمانيا وإيطاليا وكثير من بلدان العالم في شتى جنبات الدنيا، يجالس العلماء والوزراء، القادة والزعماء، ويتلقى التكريمات، دون أن ينسى أبدًا دفء البيت الأول، وحنان الأبوين، في زمن الطفولة والنشأة.. في شبرا.

ليت السطور تطول، لننقل للقارئ هنا كل ما تلقيناه بين «ضفاف الصمت» من أفكار وشجون، لكننا محكومون، وللمقال الصحفي قواعد وعددٌ محددٌ من الكلمات، فلا تزال للصحافة أطرٌ برغم كل الأشياء، لكن.. ما يبقى هنا أن ننقل وصية الفنانة الجميلة الراحلة ليلى مراد للصحفيين، كما عرفناها من كتاب سمير محمود.

في عام 1992، اتصل الكاتب بمنزل الفنانة الكبيرة على هاتفها الأرضي، سائلًا عنها لإجراء حوار صحفي معها، فردَّتْ عليه هي بصوتها الذي يعرفه جيدًا لكنها أبلغته بأن الفنانة غير موجودة. شكرها ولم يجادلها ولم يشكك فيها. فطلبتْ ترك رقم هاتفه لإيصال رسالته إليها.

وبعد أيام، جاءه الاتصال: «أنا ليلى مراد، سامحني، أنا رددتُ عليك قبل أيام، وأطلبك الآن معتذرة.. حقك عليَّ ما تزعلش»، وبينما اعتذرت عن إجراء الحوار لأنها تركت الفن «من زمان» قالت له: «أنا ممكن أقول لك على بعض حاجات صادفتني أثناء العمل بالوسط الفني من صحفيين وصحفيات مثلك وأود أن تنتبه إليها»، وافق الصحفي الشاب بالطبع، وقال: «تفضلي حضرتك، ولا داعي للحوار ما دامت هذه رغبتك».

قالت ليلى مراد:

«احرص على أن يكون لك شخصيتك ولا تفرط في كرامتك مهما كان الثمن ومهما كانت الظروف.. الطريق أمامك طويل وستكون لك بصمتك ونجاحك لو أخلصت لعملك فلا تتعجل شيئًا... احرص على الصدق والدقة والأمانة في ما تكتب، كل حرف وكل كلمة مسئولية وأمانة في عنقك، ياما كذابين نجحوا لكن في النهاية فضِلوا في نظر المجتمع كذابين... لا تيأس من الفشل وتكرار المحاولة، كلنا تعثرنا في أول الطريق، وتذكر دائمًا: مافيش حد بيتولد كبير.. امشِ على مهلك.. اطلع السلم واحدة واحدة توصل».

يا للجمال!.. يا للبساطة والصدق!.. شكرًا الدكتور سمير محمود ولهذا الكتاب الراقي «ضفاف الصمت».

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: