مما لا شك فيه أن فضيلة "جبر الخواطر" هي من أعظم الفضائل الإسلامية وأجلها قدرًا، بل هي رأس الأخلاق التي دعا إليها الإسلام وأمر بها المسلمين؛ أن يجبر بعضهم خاطر بعض، ولو بكلمة طيبة صادقة، أو بسمة حانية، أو لفتة إنسانية بسيطة.
وهذا ما علمنا إياه رسول الإنسانية وإمام الرحمة محمد ﷺ، الذي ما علمنا عنه أنه كسر خاطر أحد قط، أو رد سائلاً خائب الرجاء، بل كان خلقه القرآن. ومن ثم، فالواجب علينا أن نقتدي بحضرته الشريفة ونتأسى به؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، وعملاً بقوله جل وعلا: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
ففضيلة جبر الخواطر أداة ناجحة ووسيلة سامية للتقرب إلى الله؛ وخصوصًا في أيامنا هذه التي اشتدت فيها وطأة الحياة؛ فالجميع بحاجة إلى من يخفف عنه ويجبر خاطره. لا فرق بين غني وفقير، ولا كبير وصغير؛ فالكل أمام الله سواسية، والمسلمون في تكافلهم كالبنيان المرصوص، مصداقًا لحديث النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم].
فالكبير إذا عطف على الصغير وجبر خاطره ولو بهدية بسيطة أو كلمة مشجعة، كان أجره عند الله عظيمًا. والغني حينما يتصدق على الفقير يقدم ماله بأدب واحترام، جابرًا لخاطره دون أن يهينه أو يحرجه أمام أهله وأبنائه؛ فإن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد الفقير. حتى الابتسامة في وجوه بعضنا البعض تعد صدقة وبابًا من أبواب جبر الخواطر؛ «وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ». ومن جبر خواطر العباد كافأه الله بجبر من عنده، إذ يقول سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
وليس جبر الخواطر مقصورًا على المأكل والمشرب والعطاء المادي فحسب، بل هو حاضر في الكلمة الطيبة؛ فإذا تحدث إلينا أحد أعرناه انتباهنا ولم ننه الحديث بإهمال، وإذا رأينا غريبًا أو حائرًا في الطريق لا يعرف عنوانه، لم نتركه للحيرة، بل نأخذ بيده ونجبر خاطره حتى نبلغه مأمنه.
ولنا في مواقف النبي ﷺ الأسوة والقدوة؛ فهو بحق إمام جابري الخواطر: كيف كان يلطف بالأطفال الصغار ويجبر خواطرهم؟ حين مات عصفور الصبي الصغير (أبي عمير)، ذهب إليه النبي ﷺ خصيصًا ليواسيه ويمازحه جبرًا لخاطره القائل: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».
وماذا فعل ﷺ عندما جاءه الزاهد الفقير "جليبيب" الذي كان يتوارى عن أعين الناس؟ فقد زوجه النبي ﷺ ورفع من شأنه، ولما استشهد في الغزوة، بحث عنه النبي ﷺ بنفسه، وحمله على ذراعيه الشريفتين وقال: «هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ»، فأي جبر للخاطر والتكريم أعظم من هذا؟!
ولنا في موقفه ﷺ يوم فتح مكة وبعد غزوة حنين حينما وزع الغنائم وأعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار، فوجد الأنصار في أنفسهم شيئًا؛ فجمعهم النبي ﷺ وجبر خواطرهم بكلمات حانية تهز القلوب قائلاً: «أَلاَ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟!»، فبكوا حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً. ألا يحق لنا بعد هذا كله أن نسميه إمام جابري الخواطر ﷺ؟!
ثم انظروا إلى حال صحابته الكرام؛ كيف قفوا أثره في جبر الخواطر؛ فهذا أبوبكر الصديق رضي الله عنه كان يحلب للعجائز شياههن رحمة بهن، فلما استخلف أميراً للمؤمنين قالت جارية: "الآن لا يحلب لنا!"، فقال الصديق: "بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه". وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل والمساكين ليلاً ويقضي حوائجهم في الخفاء؛ كي لا يكسر خواطرهم أو يحرجهم أمام الناس.
نحن الآن -ووفق فقه الواقع والملاءمة- جميعنا في حاجة ماسة إلى بعضنا البعض. فهل خففنا عن بعضنا، وطرحنا الأثرة والأنانية جانبًا؟!
إن في مجتمعنا الأرامل، والأيتام، والفقراء، والمساكين، والغارمين الذين أثقلتهم الديون، وأطفال الملاجئ، وذوي الحاجات المكروبين.. أليس هؤلاء بحاجة إلى من يبحث عنهم، ويمسح على رؤوس أيتامهم، ويجبر خواطرهم، ويطعمهم ويكسوهم لوجه الله؟
وتلك المستشفيات الممتلئة بالمرضى، ومعاهد الأورام والقلب، ومستشفيات سرطان الأطفال.. أليس هؤلاء الأبطال في حاجة إلى من يداوي ألمهم، ويزورهم، ويقول لهم كلمة طيبة تبث فيهم الأمل؟ أليس هذا كله من صلب فضيلة جبر الخواطر؟!
فلنعمل جميعًا على نشر هذه السنة الحميدة؛ كي نكون من جابري الخواطر، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 9-12].
وأختتم مقالتي بقوله جل شأنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 128-129]. وها أنت قد جئتنا يا رسول الله بالحق وبالهدى وبالكتاب المبين، فحق علينا ألا نتولى، وحق علينا أن نهتدي بهديك الشريف وصراطك القويم.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق.