أعود للوقوف عند النبع الذي استقيت منه شغف الكلمة وكبرياء المهنة؛ فهناك قامات صحفية لا يُقاس أثرها بالسنوات، بل بحجم الأجيال التي صنعتها والوجدان الذي شكلته.
وها هو قلمي يتشرف اليوم بإنهاء الجزء الأخير من هذه الرحلة، لكنها رحلة لن تنتهي أبدًا. يفيض القلم بالخجل؛ كيف له أن يصف من عَلّمتنا كيف نكتب، وكيف له أن يُعبِّر عن مكانة تلك الأيقونة العظيمة وسيدة الكلمة؟ فاعذريني يا أستاذتي إن لم أوفِكِ حقكِ، فما قلمي أمام قامتِكِ إلا تلميذٌ صغير يقف حائرًا أمامكِ.
فهناك أسماءٌ في تاريخ الصحافة تشبه «الشفرة الخاصة»؛ من يحملها يحمل طابعًا أصيلاً من الاعتداد بالنفس وإتقان الصنعة. هكذا كانت تجربة الأستاذة سناء البيسي في مجلة «نصف الدنيا»؛ لم تكن مجرد مطبوعة ترأس تحريرها، بل كانت منارة صحفية وإنسانية فريدة، لم نتعلم فيها فنون الكتابة والتحرير فحسب؛ بل كيف يُرسم الحرف، وتتحول الصفحة إلى لوحة تشكيلية تنبض بالحياة والجمال مثل صاحبتها.
تربعت على عرش الصحافة العربية، وأصبحت «مجلة الأسرة» التي يلتف حولها جميع أفراد البيت العربي؛ يجدون بين صفحاتها الفن، والثقافة، والقصة، والديكور، والأزياء، والملف الصحفي، والقضايا المتنوعة الشيقة، بما فيها السياسة بوعيها الصحفي الشامل.
زرعت فينا الطموح والكبرياء الصحفي، وكانت بمثابة «رمزٍ وبصمةٍ جينية» لكل تلاميذها الذين تأثروا بها، لكنها في الوقت ذاته منحت كل واحد منا شخصية مستقلة لقلمه تختلف تمامًا عن الآخر.
لم يكن العمل معها مجرد مهنة في "بلاط المتاعب"، بل كان شغفًا غرسته في نفوس شبابٍ صغار، أصبحوا اليوم كتابًا وشعراء يُشار إليهم بالبنان؛ منهم سهير عبدالحميد وزين العابدين خيري وأمل سرور وشريف الشافعي وهاني فاروق وعمر طاهر، الذين تبنتهم وهم بالسنة الثانية من الجامعة وأظهروا نبوغًا غير عادي في الكتابة النثرية والشعر والعمل الصحفي الخلاق وكلهم لديهم مؤلفات مهمة.
ولم يقتصر هذا الأثر على الكتّاب والمحررين فحسب؛ بل امتد لزملائنا الفنانين والمصورين؛ فكان المبدعان الراحلان محمد حجازي ومحمد عنان (رحمهما الله)، إلى جانب المبدعَين محمد السهيتي وأيمن برايز، يمتلك كلٌّ منهم بصمته الخاصة ورؤيته البصرية المتفردة في عالم التصوير، ليصنعوا معًا الهوية البصرية الإبداعية للمجلة.
لم تترك الأستاذة سناء البيسي أحدًا منا لمهب الريح؛ كانت تراقب، وتواجه، وتوجه، وتسأل: لماذا قلّ إنتاج هذا الصحفي؟! ولماذا تراجع أداء ذاك؟! كنا نراها دائمًا إلى جوارنا سندًا وظهرًا، إجاباتها وحلولها جاهزة، تستمع لنا ولا تسمح لأحد بأن يتجاوز في حق آخر، مهما صغر أو كبر، كانت تتنفس عدلاً، وتمنحنا أمانًا واستقرارًا، وكنا أغنياء بها وبمواقفها الإنسانية.
وحين علمت أنني أطرق باب الصحافة العلمية والطبية، أثنت عليّ وقالت: «أريد أن أرى جمال قلمك في هذا التخصص المهم». كانت تؤمن بأن التخصص هو روح العصر وأداة تقدمه، وفي الوقت نفسه صنعت من كل واحد منا صحفيًا متكاملاً؛ «كشكولاً صحفيًا» شاملاً يمتلك الجاهزية لإدارة أي ملف أينما وُضع.
وكانت مجلتنا سباقة في إرساء فكرة «الملف الصحفي الشامل»، وصولاً إلى الملف الطبي والتخصصي الذي حظي بإشادة كبار العلماء والوزراء، لترسخ مكانة «نصف الدنيا» جنبًا إلى جنب مع كبريات الصحف اليومية بعمق تناولها للقضايا.
اتسمت الأستاذة سناء البيسي بإتقان العمل والتواضع الشديدين، وكانت عنوانًا للأناقة والبساطة؛ فهي صاحبة فكرة «الأعداد الخاصة»، و«كتالوجات الموضة والديكور»، وملحق «النصف الآخر» الشهري. ولم تكن سيدة الكلمة فحسب؛ بل كانت مهندسة «الماكيت الصحفي» بكل اقتدار؛ إذ كانت تتدخل بريشة الفنان وحس التشكيل في اختيار الألوان، والافتتاحيات، والصفحات، وكانت تحثنا على اختيار الصورة بعناية ودقة، وعلمتنا أنها تساوي نصف الكلام، وكأنها تكتبه تمامًا، لتمنح الصفحات روحًا بصرية مبهرة لا تُنسى.
وإلى جانب ثقلها الإنساني والإخراجي، تميزت بقوة الشخصية واستقلال الرأي؛ إذ أدارت بنفسها حوارات خالدة مع أديب نوبل نجيب محفوظ، وإبراهيم نافع، وفاروق حسني، وهي حوارات تُدرّس في فن المقابلات الصحفية. أما على مستوى الكتابة، فكانت تمارس أسلوبًا فريدًا يُعد مدرسة في السهل الممتنع؛ لغة تجمع بين الفصاحة البيضاء والرقة العذبة، وتطعيم ذكي بعمق العبارة والرمز، كما تجلى في كتابها الأيقوني «الكلام الساكت»، أو مقالها الأسبوعي الذي تحلق به كل سبت عبر صفحات «الأهرام».
ورغم حضورها الطاغي، وقوة شخصيتها.. لم تكن تحب حضور الفعاليات الرسمية إلا نادرًا، بل كانت تدفع بنا إلى الصدارة لتصنع الجيل الثاني والثالث من الصحفيين. كانت وما زالت كبيرة بأفعالها؛ ولعل ثقتها بنا هي ما مكنتني من إجراء حوارات مع معظم الوزراء في عهد الرئيس مبارك (رحمه الله).
لا أظن أن امرأة بهذه القامة والمواصفات عرفت الغيرة يومًا، بل كانت تغار علينا لنكون في مقدمة الصحافة العربية؛ وفي عهدها فاز زميلنا محمد منير بجائزة دبي، فضلاً عن عشرات الجوائز المحلية التي فزنا بها، وكانت المجلة حاضنة للجميع، ومن الصعب أن يجود الزمان بمثلها.
في عام 1990 أطلقت شعارها الأيقوني "نصف الدنيا لكل الدنيا"، وتولّت رئاسة تحرير المجلة على مدار 17 عامًا، نجحت خلالها في تحويلها إلى مؤسسة ثقافية جامعة؛ نشر فيها أديب نوبل نجيب محفوظ كتاباته، وعلى رأسها «أحلام فترة النقاهة»، واستكتبت قامات الفكر والأدب أمثال أحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس، وخيري شلبي، وجمال الغيطاني، وعبد الرحمن الأبنودي، ود.ثروت عكاشة. كما قدمت عبر ملحق «النصف الآخر» مطبوعات نادرة خلدت أعلام الفن والأدب والفن التشكيلي.
وإلى جانب الصحافة، أثرت المكتبة العربية بمؤلفات رائعة منها: «عالم اليقين»، و«الحرف الشريف»، و«سيرة الحبايب»، و«الكلام الساكت»، و«أموت وأفهم»، و«مصر يا ولاد».
ولم يكن غريبًا أن تُتوج هذه المسيرة بأرفع الجوائز؛ فنالت جائزة مصطفى أمين، وجائزة الفارس الذهبي (1997-1999)، وجائزة منظمة الصحة العالمية عام 2004، وصولاً إلى اختيارها شخصية العام من مؤسسة مصطفى وعلي أمين عام 2019، ونيلها شهادة تقدير من الأمم المتحدة لخدمة المرأة المصرية، وجائزة الاستحقاق الثقافي من مؤسسة فاروق حسني عام 2024.
وتبقى "جائزة النيل للمبدعين" أمنيةً أتمنى أن أشهد ترشحها لها قريبًا من الجهات المعنية، تقديرًا لعطائها الصحفي والثقافي.
لم تكن هذه المبدعة مجرد اسم في تاريخ الصحافة، بل هي ظاهرة أدبية ومؤسسة قائمة بذاتها؛ فهي ابنة الحرف وابنة اللون والتشكيل في آن واحد؛ عاشت ترسم وتكتب، واليوم، ومع التحولات التي تشهدها الصحافة، ندرك جميعًا كم كانت سناء البيسي هي «الروح» والبوصلة التي صنعت مدرسة استثنائية عصية على التكرار.
أستاذتي ستبقى تجربتك العصر الذهبي الذي شيدته بأخلاقكِ، وريشتكِ، وقلمكِ، وألوانكِ؛ عصرٌ لم ينقضِ بمرور الأيام، بل امتد نوره في كل كلمة نكتبها، وكل حرف نغازل به وجه الصفحة.
وستظل سيرتكِ العطرة هي «سيرة الأحباب» الحية في أرواحنا، نبعًا صافيًا نستلهم منه الكبرياء والوفاء، وسيبقى تلاميذكِ أينما حلوا يرفعون راية هذه المدرسة، يحملون الأثر، والرمز، والكود الواحد، والجينات العريقة، ولكن لكل منهم بصمته المميزة التي تركتِها في وجداننا..
وستبقين الأيقونة العظيمة بمدرستكِ وبصمتكِ دائمًا وأبدًا: «نصف دنياي».