صناعة الصلب المصرية في مواجهة الإغراق.. الحقيقة الكاملة حول رسوم "البيليت" وتفنيد إدعاءات "الدرفلة"| صور

26-8-2026 | 09:24
صناعة الصلب المصرية في مواجهة الإغراق الحقيقة الكاملة حول رسوم  البيليت  وتفنيد إدعاءات  الدرفلة | صورصناعة الصلب المصرية

تعد صناعة الحديد والصلب إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد القومي والقاعدة الاستراتيجية التي تُبنى عليها خطط التنمية العمرانية والصناعية لأي دولة، باعتبارها صناعة ذات كثافة رأسمالية وعمالة عالية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي الاقتصادي، وهو ما يجعل «البيليت» شبه المكتمل الصنع العصب الرئيسي لعمليات إنتاج حديد التسليح.

موضوعات مقترحة

وفي هذا السياق، شهد سوق الصلب المصري حراكًا تنظيميًا وقانونيًا هامًا إثر الشكاوى الرسمية المتتالية التي تقدمت بها المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة، متضررة من تدفق واردات البيليت منخفضة الأسعار «المغرقة» التي تستهدف تصريف الفوائض العالمية بأسعار تقل عن تكلفتها الحقيقية.

واستجابة لذلك، أجرى قطاع المعالجات التجارية بوزارة التجارة والصناعة تحقيقًا مبدئيًا خلص إلى التوصية بفرض رسم وقائي مؤقت بنسبة 16%، وتُوّجت تلك الجهود بالقرار النهائي الصادر عن الوزارة في 31 مارس 2026، بتحديد رسم الحماية الوقائي عند 13%.

صناعة الصلب المصرية

واستهدف هذا القرار إرساء قواعد منافسة عادلة، وحماية الاستثمارات الضخمة التي أُنفقت على حلقات الإنتاج المحلي المتكامل، والحد من استنزاف النقد الأجنبي.

وبعد صدور القرار، تصاعدت النقاشات وشنّت مصانع الدرفلة حملات مضادة، مسوّقة لعدة مبررات واعتراضات، تمحورت حول تأثير الرسوم على الصادرات، والادعاء بأن البيليت مادة خام لا تُفرض عليها رسوم عالميًا، فضلًا عن المزاعم المتعلقة بتكلفة الإنتاج واحتمالات الاحتكار.

وترصد «بوابة الأهرام» في هذا التقرير التحليلي تفنيد ادعاءات مصانع الدرفلة بالأرقام القاطعة، وإبراز الأبعاد الاستراتيجية العميقة للقرار، والتي تتجاوز مجرد تنظيم سوق الاستيراد إلى حماية الأمن القومي الصناعي، والحفاظ على الميزان التجاري، وضمان سلامة المنشآت والإنشاءات الهندسية في مصر من مخاطر المنتجات غير المطابقة للمواصفات والقابلة للتتبع.

صناعة الصلب المصرية

رسوم الحماية على واردات البيليت

تقدمت المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة بشكوى من الأضرار التي لحقت بها نتيجة تدفق واردات البيليت منخفضة الأسعار، وطالبت تلك المصانع بفرض رسم وقائي بنسبة 25%.

وعلى إثر ذلك، أجرى قطاع المعالجات التجارية بوزارة التجارة والصناعة تحقيقًا مبدئيًا، انتهى إلى التوصية بفرض رسم وقائي مؤقت بنسبة 16%، لحين استكمال التحقيقات النهائية، وصدر القرار النهائي عن الوزارة بتاريخ 31 مارس 2026، حيث تم تحديد الرسم عند 13%.

صناعة الصلب المصرية

واستند القرار إلى ضرورة تحقيق توازن عادل في السوق، والحفاظ على استقرار تكاليف الإنتاج، والحد من تدفق الواردات الأجنبية المدعومة أو منخفضة الأسعار التي قد تلحق ضررًا جسيمًا بالصناعة المحلية، بما يهدد استمرارية المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة وقدرتها على المنافسة.

وفي أعقاب ذلك، قامت مصانع الدرفلة بشن حملة إعلامية ضد هذا القرار، وأشارت إلى عدة ادعاءات، في مقدمتها أن رسوم الحماية على البيليت ستمنع المدرفلين من التصدير، وأنه لا توجد دولة في العالم تفرض رسومًا على البيليت؛ لأنه مادة خام كالخردة أو خام الحديد.

وتضمنت الادعاءات أن الرسوم تسببت في ارتفاع تكلفة أهم مدخلات الإنتاج، وهو الأمر الذي أدى إلى توقف المصانع وتأثر العمالة سلبًا، وأن مصانع الدرفلة هي التي تقوم بعمل توازن في سوق الحديد، وبدونها سيحدث احتكار.

وحول تلك الادعاءات، يقول أحد المصانع المتكاملة إنها ادعاءات غير صحيحة بالمرة لعدة أسباب، أهمها أن البيليت منتج شبه نهائي وليس مادة خام، ولا يُعد مادة خام بالمعنى الدقيق، وإنما يُصنَّف كمنتج حديدي شبه نهائي يُستخدم بصورة مباشرة في إنتاج حديد التسليح.

صناعة الصلب المصرية

مقارنة الأسعار العالمية

وتؤكد مقارنة الأسعار العالمية أن تكلفة البيليت تمثل نسبة مرتفعة من سعر المنتج النهائي، بما يتراوح بين 89% و94% من سعر حديد التسليح، وفقًا لأسعار المصادر العالمية بتاريخ 23 أغسطس 2026.

ووفقا لأبرز النشرات العالمية لأسعار الصلب في العالم، فإن أسعار البليت تمثل ما بين 89% إلى 94% من أسعار حديد التسليح، أي أن القيمة المضافة لعملية الدرفلة في هذه الحالة لا تتعدى 10% في المتوسط.

وتوضح هذه المقارنة أن الفارق السعري بين البيليت وحديد التسليح محدود نسبيًا، وهو ما يعكس أن البيليت يمثل مرحلة متقدمة من عملية تصنيع الصلب، وأن تحويله إلى حديد تسليح يتطلب عملية تصنيع نهائية محدودة مقارنة بالانتقال من المواد الخام إلى المنتج النهائي.

صناعة الصلب المصرية

وبالتالي، فإن التعامل مع البيليت باعتباره مادة خام غير دقيق؛ فصناعة الصلب تمر بعدة مراحل، من الاختزال، ثم الصهر لإنتاج صلب سائل، ثم الصب لإنتاج منتجات شبه نهائية «البيليت والبلاطات»، وفي المرحلة الأخيرة تأتي الدرفلة لتشكيل حديد التسليح.

لا حاجة لاستيراد البيليت

وبناءً على ذلك، فلا توجد حاجة لاستيراد البيليت، حيث إن إنتاج مصر من حديد التسليح في 2025 بلغ 8.4 مليون طن «شامل التصدير»، تحتاج إلى 8.8 مليون طن من البيليت، بينما الطاقات الإنتاجية المتاحة للبيليت 13.7 مليون طن. فهناك فائض طاقة يُقدّر بـ5 ملايين طن، أي 42% من الطاقات الإنتاجية.

استيراد البيليت ضغط اقتصادي

ومن تلك المقارنات تبرز نتيجة عامة، وهي أن استيراد البيليت يعني الضغط المباشر على الميزان التجاري، حيث يتم إهدار مليار دولار سنويًا على استيراد البيليت، وهو مادة توجد منها كميات كافية في السوق المحلي. «حسب بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، فقد تم استيراد 1.6 مليون طن بيليت العام الماضي بقيمة مليار دولار».

وتأتي الزيادة في الواردات من البيليت في الوقت الذي يأتي فيه التصدي للعجز في الميزان التجاري على قمة اهتمامات وأولويات الرئيس والحكومة.

صناعة الصلب المصرية

ليس ذلك فحسب، بل إن إغراق الدولة بواردات بيليت منخفضة السعر، تصريفًا لفائض دولي ضخم، ستكون محصلته القضاء على صناعة البيليت الوطنية، وحرمان صناعة الصلب من تعميق وتكامل الصناعة محليًا، مقابل فتح الأسواق لمنتجات مستوردة بأسعار غير تنافسية لا يمكن ضمان توافرها واستمرارها مستقبلًا.

رسوم البيليت عالميًا

وحول ادعاء أن مصر ليست فريدة في فرض رسوم جمركية على البيليت، فإن الولايات المتحدة تفرض 50% رسومًا حمائية على جميع واردات الصلب، بما فيها البيليت، وباكستان تفرض 35% رسومًا إجمالية، وكندا 25%، وتونس 30%، وتركيا - وهي من أكبر منتجي ومستوردي الصلب في العالم وشريك تجاري رئيسي لمصر - تفرض 17%، وأنجولا 20%، إلخ، وذلك مقارنة بـ13% فقط في مصر.

ولا يفرض الاتحاد الأوروبي رسومًا على البيليت؛ لأنه لا يستورده من الأساس. ورغم أن الاتحاد لا يفرض رسومًا على البيليت، إلا أنه يفرض 50% على أي كمية تفوق الحصص المقررة من الصلب المسطح، مثلًا، وبعض المنتجات الأخرى.

والسبب في ذلك أن الواردات الأوروبية من البيليت محدودة للغاية، بل إن الاتحاد الأوروبي يعد من أقل المناطق في العالم استيرادًا للبيليت؛ لأن معظم المصانع به إما متكاملة أو نصف متكاملة، أي منتجة للبيليت ولا تحتاج إلى الاستيراد إلا في أدنى الحدود، ونادرًا ما توجد مصانع درفلة بالاتحاد الأوروبي.

استحالة تصدير المنتجات النهائية المنتجة من البيليت المستورد

حديد التسليح المنتج من البيليت المستورد لا يتمتع بصفة المنشأ المصري، وفقًا لقاعدة «الصهر والصب» المطبقة في دول الاتحاد الأوروبي، حيث يكتسب الصلب صفة منشأ الدولة التي تم فيها صهره وصبه، وليس درفلته، وبالتالي فإن هذا الحديد لا يمكن تصديره، ليس بسبب رسوم الحماية، وإنما بسبب كونه صلبًا تم تصنيعه خارج مصر.

صناعة الصلب المصرية

إضافة إلى ذلك، فإن البيليت المستورد يعني ازدياد مخاطر السلامة على المنشآت. بالإضافة إلى ذلك، فإن حديد التسليح المنتج من بيليت مستورد ينذر بمخاطر هائلة على سلامة المنشآت في مصر والسلامة العامة لعدم إمكانية التتبع «Traceability» في حال وجود حيود عن المواصفات.

حيث يتم تجميع البيليت المستورد غالبًا في الموانئ، دون أي إمكانية لربطه بصبة واحدة، وبناءً عليه، فإن نتيجة أي عينة عشوائية منه لا تمثل سوى البيليت المأخوذ منه العينة، ولا يمكن اعتبارها معبرة عن سلامة كافة الإنتاج من حديد التسليح في هذه المصانع؛ لأنها لا تكون نتاج صبة واحدة.

وبناءً على ذلك، فلا ينبغي السماح بجعل مصر سوقًا مفتوحة لبيليت مورّد بأسعار مغرقة؛ فعدم فرض رسوم جمركية على واردات البيليت يجعل سوقها مفتوحة أمام الدول التي تسعى لتصدير فائض الصلب لديها بأسعار مغرقة، ونظرًا لفرض مصر رسوم إغراق على واردات حديد التسليح، لجأت تلك الدول إلى الالتفاف عبر تصدير البيليت بأسعار منخفضة، مما جعل فرض رسوم الحماية ضروريًا، بل يجب رفعها إلى 20% على الأقل ليتناسب مع معدلات الرسوم العالمية.

دوافع المطالبة بإلغاء رسوم البيليت

ويكمن السر وراء تلك الادعاءات في الأرباح الهائلة لمصانع الدرفلة؛ لأنها الدافع وراء المطالبة بإلغاء الرسوم. السبب الرئيسي في رغبة مصانع الدرفلة في استيراد البيليت وعدم استخدام البيليت المحلي هو الأرباح الهائلة التي تحققها تلك المصانع على أسعار البيليت المستوردة المغرقة، وهو ما أثبتته التحقيقات التي أجرتها وزارة التجارة الخارجية، وبناءً عليه تم فرض تلك الرسوم، وذلك لسد الفجوة بين التكلفة الحقيقية للبيليت وسعر استيراده.

صناعة الصلب المصرية

رسوم الوقاية وحماية المنافسة

وتؤدي رسوم الوقاية إلى حماية المنافسة ولا تخلق احتكارًا، فالرسوم يُقصد بها إرجاع الأسعار إلى مستواها الطبيعي الذي يعكس التكلفة الطبيعية للمنتج، وبالتالي تحقيق المنافسة العادلة بين المنتج المستورد والمنتج المحلي على أساس التكلفة الحقيقية، وليس المدعومة من قبل حكومات الدول التي تصدر تلك المنتجات بغرض التخلص من الفوائض الإنتاجية لديها.

حماية صناعة الصلب مسألة أمن قومي

وفي النهاية، فإن الإدارة الحكيمة للسياسة الصناعية تقتضي حماية صناعة الصلب من طوفان البيليت المستورد، باعتبارها ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومي، فلا قاعدة صناعية قوية بدون عدد من الصناعات الأساسية، ومنها صناعة الحديد والصلب.

فإذا تم فتح الأبواب أمام البيليت المستورد المفرط، فسوف يلحق الضرر المباشر بصناعة الصلب الكبرى المتكاملة ونصف المتكاملة ذات الاستثمارات الضخمة، والموظفة لأعداد كبيرة من العمالة، ومن أكثر الصناعات تصديرًا.

ويأتي ذلك في ظل وجود فائض طاقة كبير في صناعة الصلب المحلية يقرب من 50%، وفي ظل إغلاق معظم الأسواق الكبرى وجزء كبير من الأسواق الصغرى أبوابها أمام فائض منتجات الصلب الهائمة، باحثة عن أسواق في العالم.

صناعة الصلب المصرية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: