في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالٌ جمعوا بين قوة الإيمان، وشجاعة الميدان، وحلاوة العبادة، حتى أصبحوا قدوة في كل جانب من جوانب الحياة. ومن هؤلاء عباد بن بشر الأنصاري رضي الله عنه، الصحابي الذي عُرف بحبه الشديد للقرآن، حتى إنه واصل صلاته وهو ينزف من جراحه، خشية أن يقطع ما كان يتلوه من كتاب الله.
موضوعات مقترحة
ولم يكن عباد رضي الله عنه عابدًا فحسب، بل كان من فرسان الأنصار، شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أكثر الصحابة إخلاصًا وانضباطًا، حتى ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على المهام الصعبة، وأثنى عليه أصحابه بعد وفاته لما عرفوه من صدق إيمانه.
من هو عباد بن بشر؟
هو عباد بن بشر بن وقش الأشهلي الأنصاري رضي الله عنه، من بني عبد الأشهل، القبيلة التي خرج منها سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما.
أسلم مبكرًا بعد وصول الإسلام إلى المدينة، وكان من السابقين من الأنصار إلى نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد.
وقد ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن حجر في الإصابة، وعدوه من كبار عباد الصحابة وفرسانهم.
من أكثر الصحابة تعلقًا بالقرآن
كان عباد رضي الله عنه معروفًا بكثرة تلاوة القرآن، حتى وصفه أهل السير بأنه من أكثر الأنصار ملازمةً لكتاب الله.
وكان يقوم الليل طويلًا، ويتدبر ما يقرأ، ولم يكن القرآن عنده مجرد تلاوة، بل كان يعيش مع آياته بقلبه وجوارحه.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يقع له أحد أشهر المواقف في تاريخ الصحابة مع القرآن.
ثلاث سهام... ولم يقطع صلاته
روى أبو داود وأحمد بإسناد حسنه عدد من أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وكان عباد بن بشر وعمار بن ياسر رضي الله عنهما يحرسان المسلمين ليلًا.
فاتفقا على أن ينام أحدهما بينما يقف الآخر للحراسة، فبدأ عباد رضي الله عنه نوبته، وأقبل يصلي.
وفي أثناء صلاته، رآه رجل من المشركين، فأطلق عليه سهمًا، فأصابه.
فنزع عباد السهم من جسده، وأكمل صلاته.
ثم رماه بسهم ثانٍ، ثم ثالث، وهو لا يزال يقرأ القرآن.
ولما اشتد عليه النزف، ركع وسجد، ثم أيقظ عمار بن ياسر رضي الله عنه.
فلما رأى عمار الدم، قال له متعجبًا:
"سبحان الله! هلا أيقظتني أول ما رماك؟"
فقال عباد رضي الله عنه:«"إني كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها، ولولا أني خشيت أن أضيع الثغر الذي أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لآثرت أن أُقتل قبل أن أقطعها."»
وقد عد العلماء هذا الموقف من أعظم الشواهد على خشوع الصحابة، وشدة تعلقهم بكتاب الله، مع حرصهم في الوقت نفسه على أداء الأمانة التي كلفهم بها النبي صلى الله عليه وسلم.
سلسلة صحابة رسول الله:
فارسٌ شهد بدرًا وأحدًا
لم يكن عباد رضي الله عنه من أهل العبادة فقط، بل كان من الشجعان الذين شهدوا بدرًا، ثم ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد، وشاركوا في الدفاع عن الإسلام في أصعب مراحله.
وقد ذكر أهل المغازي أنه كان من المقاتلين المعروفين بالإقدام، وكان حاضرًا في أغلب المشاهد التي خاضها المسلمون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا جمع بين العبادة والجهاد، فلم يشغله أحدهما عن الآخر.
مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان عباد رضي الله عنه محل ثقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان يكلفه مع غيره من خيار الصحابة بالمهام التي تحتاج إلى يقظة وأمانة.
كما كان من حفظة القرآن، ومن الذين يرجع إليهم الناس في تلاوته.
وكانت هذه المكانة ثمرة إخلاصه، وحرصه على طاعة الله، وصدقه في خدمة الإسلام.
استشهاده في اليمامة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، خرج عباد رضي الله عنه مع جيش المسلمين لقتال مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة، في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وكانت من أعنف المعارك التي خاضها المسلمون.
وقد قاتل عباد رضي الله عنه قتالًا شديدًا، حتى استشهد في سبيل الله سنة 12 للهجرة.
وذكر ابن سعد وابن كثير أن استشهاده كان من المصائب التي أحزنت المسلمين، لما عرفوه عنه من الصلاح والعبادة والشجاعة.
عبادةٌ لم تمنعه من أداء الواجب
قد يظن بعض الناس أن كثرة العبادة تعني الانقطاع عن مسؤوليات الحياة، لكن سيرة عباد بن بشر رضي الله عنه تقدم صورة مختلفة تمامًا.
فهو الرجل الذي كان يبكي بين يدي الله في صلاته، ثم يحمل سلاحه إذا نادى المنادي للجهاد، ويقف حارسًا لإخوانه، ويؤدي الأمانة حتى وهو ينزف.
ولعل أجمل ما في قصته أنه لم يواصل صلاته لأنه لم يشعر بالألم، بل لأنه كان يعيش مع القرآن بقلب حاضر، ومع ذلك أنهى صلاته عندما خشي أن يؤدي استمرارها إلى الإخلال بالمهمة التي كلفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا بقي عباد بن بشر رضي الله عنه مثالًا للمؤمن الذي جمع بين العبادة والعمل، وبين خشوع القلب وقوة الموقف، فاستحق أن يُذكر بين خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين جسدوا معاني الإيمان في أقوالهم وأفعالهم.
المصادر: القرآن الكريم، سنن أبي داود، مسند الإمام أحمد، الطبقات الكبرى لابن سعد، السيرة النبوية لابن هشام، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، البداية والنهاية لابن كثير، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.
سلسلة صحابة رسول الله