بين الفوضى والاستيطان

25-8-2026 | 12:58

ليس أكثر دلالة على طبيعة المشهد الشرق أوسطي الراهن من تلك المفارقة الصارخة التي تتكرر كل يوم: حديث متواصل عن وقف إطلاق النار، وخطط لإعادة إعمار غزة، ومسارات تفاوضية يفترض أن تقود إلى تسوية سياسية، بينما يستمر الكيان المحتل في إدارة عجلة إنتاج الانتهاكات دون التقيد بأي محددات قانونية دولية، فارضًا وقائع جديدة على الأرض تجعل أي تسوية أكثر تعقيدًا، وتدفع المنطقة بأكملها إلى مزيد من التوتر والانفجار، وسط ما تشهده من توترات قائمة وحسابات مصالح أمريكية-إسرائيلية.

وفيما يبدو استغلالاً للوقت وانتباه الأنظار تجاه الحرب الأمريكية على إيران، والتي بدت فيها واشنطن قد سقطت في مستنقع لم تعد تعرف سبيلاً للخروج منه، وهو ما يمكن تبيّنه بسهولة من خطابات ترامب التي تتأرجح بين مواصلة الحرب وفرض عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، واستغلالًا كذلك لتصاعد وتيرة الصراع الروسي الأوكراني، فإن الحديث عن هدنة ووقف للانتهاك الإسرائيلي والعمليات في قطاع غزة، لم يتحرك باتجاه التفعيل الواضح، ربما بذريعة أو دون الحاجة لذرائع حول حدود الانسحاب ونزع سلاح المقاومة والترتيب للمرحلة المقبلة، وبينما ينشغل العالم بسؤال: كيف يمكن إعادة بناء القطاع؟ يعمل الكيان المحتل في الضفة الغربية والقدس الشرقية على إعادة بناء الجغرافيا السياسية للمكان بما يخدم مشروعه الاستيطاني. وهنا يبرز مخطط E1 باعتباره أحد أخطر حلقات هذا المشروع، إذ فضلاً عن أنه يعد استمرارًا لسلسلة إضافة آلاف الوحدات السكنية إلى مستوطنات قائمة، يمثل كذلك محاولة لخلق واقع جغرافي يفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني ويزيد من تجزئة الضفة الغربية. هذا المخطط الذي حذرت الأمم المتحدة من أنه يمثل تهديدًا واضحًا بتشريد تجمعات فلسطينية، بينها خان الأحمر، ويزيد من تفتيت الضفة الغربية، وتنفيذه يمكن أن يُعمّق عزل القدس الشرقية عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

نحن إذن أمام مشهد مرتبك جديد، حيث إن إعادة إعمار غزة تفترض وجود أفق سياسي فلسطيني، بينما يجري في الضفة الغربية تفكيك مقومات هذا الأفق قطعة بعد أخرى. فالدولة التي يفترض أن تكون نتيجة لأي تسوية سياسية يجري عمليًا تقطيع أراضيها، وتوسيع المستوطنات داخلها، ودفع سكانها إلى الرحيل. وهناك كذلك عنف المستوطنين، الذي لم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره سلوكًا فرديًا منفلتًا عن السياسة الرسمية، وقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من ألف وأربعمائة حادثة مرتبطة بالمستوطنين حتى أغسطس الجاري، أثرت في نحو مائتين وستين تجمعًا فلسطينيًا، هذا العنف من قبل المستوطنين مع عمليات الهدم والإخلاء أدى إلى تهجير نحو أربعة آلاف فلسطيني خلال عام. وتحدثت تقارير الأمم المتحدة عن الدور الرسمي للكيان في تمكين هذا العنف أو المشاركة فيه أو توفير الحماية له، بما يصعب معه الفصل بين "المستوطن" باعتباره فردًا وبين منظومة القوة التي توفر له الأرض والحماية والإفلات من العقاب، ليصبح الاستيطان والعنف والتهجير حلقات في سياسة واحدة عنوانها تغيير الواقع السكاني والجغرافي قبل أن يأتي أي حل سياسي.

وفي مشهد مجاور في الجنوب اللبناني، لا يتوقف تصعيد الكيان الذي يؤكد أن الحرب لم ولن ترتبط بحدود الأراضي الفلسطينية، وتحولت إلى سياسة ضغط إقليمية مفتوحة، تستخدم فيها إسرائيل التي لا تزال مدعومة أمريكيًا، القوة العسكرية لإعادة تعريف مناطق الأمن والنفوذ وفق رؤيتها، حتى خارج أراضيها. وتعد سوريا، المثال الأكثر فجاجة على انهيار الحدود التقليدية للسيادة في الشرق الأوسط. يتحرك الكيان عسكريًا داخل الأراضي السورية، وتوسع تركيا حضورها العسكري والتدريبي، بينما تحاول دمشق استعادة مؤسسات الدولة والسيطرة على أرض أنهكتها سنوات الحرب. واللافت أن التصعيد الأخير بين الكيان المحتل وتركيا داخل الساحة السورية كشف أن المسألة لم تعد مجرد تدخلات متوازية، وإنما صراع على شكل سوريا نفسها وعلى موقعها في التوازن الإقليمي، فالهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور السورية، وما تبعه من تصعيد في التصريحات بين أنقرة وتل أبيب، كشف بوضوح أن سوريا أصبحت ساحة لتقاطع مشاريع أمنية متعارضة. وهنا تحديدًا تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة تتراجع فيها فكرة الدولة لصالح فكرة "المجال الأمني". الحدود موجودة على الخرائط، لكنها تصبح قابلة للاختراق متى رأت قوة إقليمية أن مصالحها الأمنية تبرر ذلك.

وعلى السطح من كل ما يجري تقف الحرب الأمريكية على إيران باعتبارها أبرز عناصر زعزعة الاستقرار بالمنطقة في الوقت الراهن، لم يتحقق الهدف الأمريكي غير الواضح للأمريكيين أنفسهم من المواجهة مع طهران، فلم يُحسم الملف النووي، ولم يحدث تغيير للنظام الإيراني، بينما ظلت طهران قادرة على صياغة خطابها السياسي والعسكري، والتوتر حول مضيق هرمز لا يزال مستمرًا، وفي الوقت نفسه، تتجه واشنطن إلى مزيد من العقوبات، فيما تبدو المفاوضات متعثرة، وهنا يمكن فهم أزمة ترامب في إدارة هذا الملف. وقد دخل ولايته الحالية بوعد واضح بأن يكون "صانعًا للسلام"، غير أن هذه الحرب أصبحت عبئًا سياسيًا متزايدًا، في وقت تعاني فيه محاولات إنهاء حرب غزة أيضًا من التعثر. وتكشف التطورات الأخيرة أن الضغط العسكري والاقتصادي لم ينتج حتى الآن التسوية التي أرادتها واشنطن، لذلك بالنظر إلى الخطاب الأمريكي الآن، يمكن الانتباه إلى إدارة صورة متحركة للصراع، لا إدارة الصراع نفسه، في محاولة أخيرة بلا رجاء، للحفاظ على رواية الإنجاز والانتصار، رغم أن الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا.

ومن غزة إلى القدس، ومن الضفة إلى لبنان وسوريا، وصولًا إلى إيران والخليج، تبدو المنطقة عالقة في دائرة لا تسمح لها بالاستقرار ولا تمنحها حربًا مكتملة يمكن أن تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحة، وترتسم ملامح مشهد إقليمي تتداخل فيه الحروب والاستيطان والتدخلات الخارجية والصراعات على النفوذ والطاقة والممرات البحرية. إنها حالة من الحرب المؤجلة والسلام المؤجل في الوقت ذاته. وفي مثل هذه البيئة، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: متى تنتهي الحاجة السياسية إلى إبقاء المنطقة في حالة حرب؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: