مصيدة شركات التمويل!!

24-8-2026 | 16:12

تحت لافتاتٍ براقة تَعِدُ بالإنقاذ وتدفق السيولة، تتخفى أحيانًا ممارساتٌ تلتهم الأمان الاجتماعي للأسر وتجرف في طريقها أحلام البسطاء. لم تعد قضايا التمويل الاستهلاكي مجرد أدوات مالية تُحرّك عجلة السوق، بل تحول بعضها إلى "مصيدةٍ" تُنصب في تفاصيل الحياة اليومية، فتهدد الأسر وتُكبل الأبرياء بالديون. وما شهدته إحدى المدارس الخاصة بالتجمع الأول مؤخراً لم يكن مجرد مخالفة استثمارية، بل كان ناقوس خطر يقرع ليُحذرنا جميعاً من اتساع الفجوة بين تيسير الإقراض وغياب الرقابة الصارمة، وضعف التحقق الائتماني الذي حوّل مئات المواطنين – دون علمهم – إلى ضحايا وملاحقين قانونياً. 

أثارت أزمة تضرر عدد من أولياء الأمور بإحدى مدارس التجمع الأول، إثر استغلال إدارة المدرسة بياناتهم الشخصية للحصول على قروض تعليمية من إحدى شركات التمويل الاستهلاكي، ملف هذه الشركات وما تمثله من خطورة على المواطن والاقتصاد تحت شعار دعم المشروعات.

الوضع مقلق والظاهرة منتشرة في كافة ربوع الجمهورية؛ قروض بمئات الآلاف للمواطنين البسطاء دون ضمانات كافية أو مشروعات تدر دخلاً، والنتيجة أحكام بالسجن على المقترضين وضامنيهم وتشريد الأسر. والتوسع المفرط في الإقراض دون دراسة كافية يعد من أكبر مخاطر التمويل الاستهلاكي وغير المصرفي، إذ يوقع المواطنين في فخ الديون والمتأخرات الائتمانية.

المفترض أن شركات التمويل مؤسسات غير مصرفية تقدم حلولاً وسيطة وتخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، ورغم إيجابياتها في إتاحة السيولة والتقسيط، إلا أن سلبياتها تتفاقم بسبب ارتفاع الفوائد والمصاريف الإدارية وتأثيرها السلبي على السجل الائتماني (I-Score)، مما تسبب في إحداث كوارث للأفراد عبر وقف تعاملاتهم المصرفية.

قروض بأسماء أولياء أمور دون علمهم! من هنا نسأل: كيف يتم صرف مئات الملايين باسم أشخاص دون علمهم؟ التمويل ليس مجرد صورة بطاقة؛ هناك طلبات، وموظف ائتمان، واستعلام، واستيفاء مستندات. وهذه الوقائع تضعنا أمام ضرورة التحقيق الشامل لحماية المواطنين، وكلنا ثقة في تحقيقات النيابة العامة ووزارة الداخلية والأجهزة الرقابية.

وفي تحرك جاد، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية قرارات بتشديد إجراءات التحقق من هوية العملاء قبل منح التمويل، ومنحت الشركات مهلة شهرين لتوفيق أوضاعها. وأكد رئيس الهيئة إسلام عزام بدء فحص ملابسات الواقعة وإرسال لجنة تفتيش للشركة المعنية، مع معالجة الآثار التي لحقت بأولياء الأمور عبر إلغاء المديونيات المسجلة عليهم وإزالة آثارها السلبية من تقييماتهم الائتمانية.

إن هذه الواقعة تحتم الوقوف أمام مخاطر التمويل والاستهلاك الرقمي، بعد أن صنفت جهات رقابية ممارسات بعض الشركات كمصيدة ديون بسبب الفوائد المركبة الفاحشة، وإجبار العملاء على توقيع إيصالات أمانة "على بياض"، واستخدام تطبيقات غير مرخصة للتهديد والابتزاز. وهو ما دفع الهيئة لإلغاء تراخيص مئات الجمعيات والشركات المخالفة لمنع ممارسات التحصيل التي تمس أمن المواطنين.

وتشير بيانات وزارة الداخلية إلى أن صاحب المدرسة الخاص بالتجمع – وله معلومات جنائية – حصل على تمويلات وصلت إلى نحو 319 مليون جنيه باسم 619 ولي أمر، باستخدام بيانات بطاقات الرقم القومي دون علمهم أو توقيعهم، مما يتطلب وقفة حازمة مع الشركات المخالفة.

وحقيقة هذه التمويلات تجعلنا ندقق معًا لتحليل الأرقام؛ فبحسب تقرير الاتحاد المصري لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، شهدت مصر توسعًا كبيرًا بلغت فيه رخص شركات التمويل الاستهلاكي نحو 48 رخصة معتمدة بنهاية 2025، لتغطية احتياجات ملايين العملاء، حيث تجاوز عدد المستفيدين 10.8 مليون عميل بتسهيلات تخطت 96.3 مليار جنيه.

وطبقاً لبيانات الاتحاد لعام 2025، بلغت التمويلات أكثر من 100 مليار جنيه لصالح 4.1 مليون عميل، تتوزع كالتالي: الجمعيات الأهلية بنحو 1.5 مليون عميل (36.5%) بتمويلات 23.6 مليار جنيه (22%)، والبنوك بنحو 591 ألف عميل (14.4%) بتمويلات 34.1 مليار جنيه (31.8%)، بينما تصدرت شركات التمويل المشهد بـ 2 مليون عميل (48.7%) بتمويلات بلغت 49.4 مليار جنيه (46.1%).

تؤكد هذه الأرقام أن شركات التمويل هي صاحبة الحصة الأكبر والأسرع نموًا بزيادة سنوية بلغت نحو 19%، في حين انخفضت البنوك بنسبة 7% وزادت الجمعيات بنسبة 8%. كما أن شركات التمويل هي الوحيدة التي ارتفع عدد عملائها بنسبة 5% تقريبًا، بينما تراجع عدد عملاء البنوك والجمعيات.

لكن إعطاء قروض تبدأ من 3 آلاف وتصل لـ 15 مليون جنيه بفائدة عالية جداً خلال 2-3 أيام فقط، ودون تقديم أي دعم فني للمقترضين أو التأكد من جدوى المشروعات، أدى لنتائج عكسية بفشل المشروعات وإجهاد المواطنين؛ لكون هذه التمويلات في حقيقتها استهلاكًا متخفيًا في صورة مشروعات وهمية. فضلاً عن لجوء بعض الشركات إلى كيانات تحصيل تستخدم أساليب غير مشروعة، بالمخالفة للقانون الذي يلزم بالشفافية والإفصاح الكامل عن أسعار الفائدة وتكاليف التمويل وجدول الأقساط قبل التعاقد.

وإحقاقاً للحق، فإن قطاع التمويل الاستهلاكي قطاع حيوي يعمل فيه آلاف الموظفين ويسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، ولا يصح تعميم الممارسات الخاطئة على القطاع بكامله.

إن التوازن الدقيق بين حماية حقوق المواطن وتحفيز الاستثمار هو طوق النجاة الوحيد؛ فلا المطالبة بإلغاء التمويل الاستهلاكي خيارٌ عقلاني، ولا ترك الساحة لعبث الممارسات غير المسئولة قرارٌ محتمل. إن المطلوب اليوم هو صياغة ميثاق شرف مالي وتطوير بيئة تشريعية صارمة تضمن تطبيق مفهوم «التمويل المسئول» بكل حزم. يجب أن تظل أداة التمويل جسرًا لبناء المستقبل لا مصيدةً تُغرق البسطاء في ظلمات الديون والملاحقات القضائية. إن استعادة ثقة الشارع في المنظومة المالية تبدأ من التصدّي الحاسم لأي تحايل، وتبنّي سياسات رقابية تجعل من كرامة المواطن واستقراره الأسري الخط الأحمر الذي لا يُسمح لأحدٍ بتجاوزه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: