استفاق، بعد كثير من الوقت والقتل والدمار في غزة، ضمير دول عدة في أوروبا وغيرها، وللأسف، من دون تأثير يذكر؛ لأن الراعي الأمريكي لإسرائيل – وليس لعملية السلام العادل – يظل يمد ويدعم بالمال والسلاح والموقف السياسي والإعلامي المؤيد لحرب الإبادة في غزة. ويتبنى بالسطر والحرف الأكاذيب الإسرائيلية التي لم تعف أي منصف من تشويهه ورفضه بصلف وغرور، ولم يتوقف يوماً نموذج تشويه الأمم المتحدة وأمينها العام، ومنظمة "الأونروا" لإغاثة وتشغيل اللاجئين.
أما الخلافات التي تبغي تخفيف بعض الألم – وهي أكاذيب أيضاً وتوزيع أدوار، مثل تعنيف ترامب لنتنياهو في لقائهما بالبيت الأبيض – فإنها لم تمنع تدفق السلاح، والتخطيط المشترك، والرعاية الكاملة، كما أنها لا تغطي ما يذهب إليه بعض الساسة الأمريكيين إلى أبعد مما تصل إليه أفكار قادة إسرائيل أنفسهم؛ فقد طالب السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، الأمم المتحدة "بأن تعلن نفسها فاسدة وغير كفؤة"؛ لأن – على سبيل المثال – مسؤوليها صرحوا في شهر أغسطس من العام الماضي بتفشي المجاعة في قطاع غزة. قال هاكابي: إن حقيقة المجاعة في غزة تكمن في أن "92% من طعامهم يُسرق ليباع لحماس"، وسخر من الإعلام الدولي "الذي يغفل القصة الحقيقية للمجاعة في غزة".
وفي الأعراف الدبلوماسية، لم تمر أمامي تصريحات مثل هذه لسفير دولة كبرى أو صغرى، كما أنها تصريحات لا تخدم عمله الدبلوماسي تحت أي وضع.
إن كرامة أهل غزة لم تقبل يوماً بأحاديث التهجير التي لم تتوقف، وتحولت واشنطن إلى تأييدها بالمخالفة للسياسة الأمريكية التي كنا نعرفها. وربما تكون الأيام طوت مشروع "ريفيرا غزة" الأمريكي الذي يعتمد على تهجير السكان لتعمل الشركات دون ضمان عودتهم، والخطة أن هذا التهجير سيكون إلى سيناء والأردن، لدرجة أن الرئيس الأمريكي ادعى أن البلدين وافقتا على المشروع.
لقد اتسم الموقف المصري بالجدية الشديدة، والبعد عن الاستعراض اللفظي، وأعلنت القاهرة بوضوح أنها ضد التهجير إلى سيناء أو إلى أي مكان آخر. وباتت الفاعلية المصرية في رفض التهجير تؤثر بشدة على الرأي العام في الإقليم وفي عواصم العالم، التي اتخذت الموقف نفسه قناعة بالرأي المصري الواضح، والمستند إلى القانون الدولي والإنساني.
وتتبلور السياسة المصرية في هذا الملف الشائك بالرهان على صمود أهل غزة، وأن هذا الصمود يتطلب الدعم والمساعدة. وبالمتابعة، فإن مصر بدأت إرسال المساعدات بعد أيام من اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية، ودخلت عبر معبر رفح البري أول قافلة مساعدات في يوم 21 أكتوبر 2023. ولم تتوقف إلا لفترات بسبب الصلف الإسرائيلي في حرب الإبادة، وأحياناً أخرى بسبب سرقة المساعدات من جانب جنود الاحتلال.
الدبلوماسية المصرية أوصلت الحال إلى الآتي: التهجير أصبح من الماضي، ومعبر رفح البري ذو اتجاهين (داخل وخارج)، وإعمار غزة ضرورة دولية ومتضمنة في اتفاق السلام الموقع في أكتوبر الماضي في شرم الشيخ، وإدخال المساعدات والتركيز على المزيد منها في كافة مقومات الحياة في غزة، واستمرار التفاهمات مع قوى الفصائل الفلسطينية لقطع الطريق على كل الحجج المعطلة لتنفيذ الاتفاق؛ بما في ذلك ما شهدناه أخيراً من إقناع الفصائل – وخصوصاً حماس – وبمساعدة الوسطاء من قطر وتركيا، لنزع السلاح، وإتاحة القاهرة كمسرح للتحرك الدولي من لجنة وطنية لإدارة القطاع، ومجلس السلام، ولجنة فنية من حماس تقيم في القاهرة تتواصل مع غرفة عمليات الوسطاء.
وتكشف الاتصالات المصرية مع دول العالم عن مبدأ مهم قد لا يلاحظه البعض إلا ما بين السطور، كما تكشفه قوافل العزة المتجهة إلى غزة، وهو أن المساعدات الغذائية والدوائية إلى غزة ليست محل تفاوض، وأن تدفقها ضروري، حتى ولو لم تتقدم مراحل تنفيذ اتفاق السلام، أو تقدمت بوتيرة أبطأ مما هي عليه.
وهذا الإصرار المصري يعطي فكرة عن قناعة المصريين شعباً وحكومة، بأن أهل غزة يستحقون الحياة، وليس أي حياة، إنما العيش بكرامة فوق أرضهم، التي سيعاد لها البناء والازدهار أقرب مما يتصور كثيرون.
إن إرضاء إسرائيل يظل هدفا صعب المنال، فكل التعهدات – وفي المقابل لا تعهدات قاطعة للفلسطينيين في غزة أو الضفة الغربية – تسعى إسرائيل لتجريبها عن طريق خرقها الدائم، وهي مرتاحة إلا من سباق انتخابي محموم في هذه الأيام، ويدها نظيفة من تطبيق أي بند من البنود العشرين لخطة الرئيس دونالد ترامب. وهي غير مأخوذة، والأكثر من ذلك مرحبة، بتراكم المعاناة للشعب الفلسطيني في غزة والقطاع حتى يرحل. فالشعب الفلسطيني ما بين فكي رحى: استمرار الحرب على غزة، وتصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية.
إن من تابعوا توقيع الرئيس ترامب وقادة العالم لاتفاق السلام في شرم الشيخ، لم يدر بخلدهم أبداً مرور أحد عشر شهراً من دون تنفيذ كامل للمرحلة الأولى منه، أما المرحلة الثانية فإنها تحت رحمة شروط إسرائيلية. ورغم تحذير الدبلوماسي الأمريكي نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في مجلس السلام، قبل ستة أشهر من أن "أي تأخير قد يفاقم تعقيدات المشهد ويطيل أمد المأساة الإنسانية"، ومن أن المجلس "يسابق الزمن"، فإن البدء الفعلي لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق لم يحدث أبداً.