المقهى الثقافى

أحمد فضل شبلول يكتب لـ"بوابة الأهرام": "الهوى المصري".. كتاب مغربي يجدر بالمصريين والمغاربة قراءته

25-1-2015 | 21:28

أحمد فضل شبلول

يرى الناقد المغربي الدكتور محمد مشبال، أنه لا يوجد بلد أو شعب أو ثقافة استطاعت أن تتغلغل في وجدان المغربي وتصوغ وعيه مثلما استطاعت مصر والمصريون والثقافة المصرية..


ويرى أن التأثير لم يقتصر على تحريك المشاعر وصناعة البهجة والارتقاء بالذوق، بل بلغ التأثير إلى أقصى مدى له عندما أصبحت الثقافة المصرية عاملا فاعلا في تشكيل الرغبة الأدبية والفنية والمفكرية عند الإنسان المغربي.

وفي كتابه "الهوى المصري في خيال المغاربة" الصادر عن سلسلة "كتاب الهلال" بالقاهرة، يعرض مشبال في 240 صفحة، لأربعة أعمال سردية تمثل أطوارا زمنية مختلفة في العلاقة التاريخية والوجدانية التي ربطت الإنسان المغربي بمصر والثقافة المصرية، حيث يمثل كتاب عبدالكريم غلاب "القاهرة تبوح بأسرارها" صورة لهذه العلاقة في فترة الأربعينيات، بينما تمثل محكيات محمد برادة "مثل صيف لن يتكرر" هذه العلاقة في فترة الخمسينيات، وتصور رواية "المصري" لمحمد أنقار فترة الستينيات وما بعدها، في حين تمثل يوميات رشيد يحياوي "القاهرة الأخرى" هذه العلاقة في أواسط الثمانينيات، وتعكس هذه المراحل الزمنية تاريخ العلاقة الثقافية والوجدانية التي ربطت الإنسان المغربي بمصر.

ولعل هذه العلاقة الثقافية والوجدانية بين مصر والمغرب تمتد لقرون ماضية، و"سوق المغاربة" في مدينة الإسكندرية على سبيل المثال خير شاهد على ذلك، كما أن معظم المتصوفة أو أصحاب الطرق الصوفية في الإسكندرية الذين جاءوا من الأندلس واستقروا بها، عبروا المغرب وصولا الى الإسكندرية من أمثال سيدي أبي العباس المرسي وسيدي محمد الشاطبي وغيرهما.

لقد مثلت مصر حلما شرقيا بالنسبة للمغاربة على مدى التاريخ، وخاصة طوال القرن العشرين الذي يتوقف عنده مليا صاحب "الهوى المصري" ويذكرني هذا العنوان بكتاب "مصر ولع فرنسي" لروبير سوليه، والذي قرأناه بترجمة لطيف فرج.
ولكن ها هو مشبال ينقلنا نقلة أخرى من الولع بمصر عبر كتابه الجديد، وقد توقفت طويلا عند رواية "المصري" لمحمد أنقار التي سبق أن قرأتها وتفاعلتُ معها وأحببتها لطرافة فكرتها وجودة سردها وعوالمها الجديدة. ومما كتبتُه عن رواية "المصري":
"المصري المقصود في الرواية ليس بطلها أو راويها أحمد الساحلي، ولكن المقصود الروائي نجيب محفوظ، المثل الأعلى للساحلي الذي أطلق عليه لقب "المارد المصري".

لقد قرأ الساحلي كل أعمال نجيب محفوظ، وافتتن بها وتمنى لو يكتب عملا يخلد به مدينته تطوان، مثلما خلَّد محفوظ بعض أحياء القاهرة وحواريها وأزقتها في إبداعاته المختلفة. وكان يتساءل (ما الذي انفرد به نجيب محفوظ حتى ألمَّ في رواياته بتفاصيل القاهرة وأزقتها وملايين بشرها وأصناف عاداتها وآلاف مشاكلها وأحلامها؟)
لقد تماهى الساحلي أو اندمج نفسيا وعاطفيا، مع شخصيات روايات نجيب محفوظ، لدرجة أنه حدَّث أمه ذات يوم عن رغبته في الزواج من عايدة إحدى بطلات الثلاثية.

يقول الراوي: (وصل بي الهيام إلى درجة أني فاتحت أمي في موضوع الزواج من عايدة. فابتهجت العجوز للخبر وسألت:
ـ ومن تكون عايدة ..؟
ـ فاتنة مصرية حلوة وثرية .. لكن المصيبة أنها متزوجة!
ويمتقع وجه الأم من جراء خيبة الأمل. ويجيب الابن:
ـ عشقي في عايدة بنت آل شداد المصونة في العباسية، وليس في سواها من النساء.
فتنتفض الأم واقفة:
ـ لن أُفاتح أحدًا بهذه الحماقات، وإلا أصبحنا أضحوكة.
وعندما يتزوج الساحلي من رقية، ابنة خالته، وينجب أولادا، يختار للأول اسم نجيب، والآخر كمال، إشارة إلى نجيب محفوظ، وكمال عبدالجواد أحد أهم شخصيات الثلاثية، وخاصة "قصر الشوق" .
ليس نجيب محفوظ فحسب، ولكن هناك أيضا أم كلثوم وأغانيها التي كثيرا ما يحب الراوي أو السارد سماعها.
يتأثر الراوي بموت صديقه عبدالكريم الصويري بعد سبعة أيام، أو أسبوع، من إحالته إلى التقاعد، وبلوغه سن الستين، وتملأ رحلات الفلاش باك والذكريات بينهما، أجواء العمل الروائي، خاصة أن عبدالكريم هو الذي وضع نجيب محفوظ وأعماله بين يديه.
لقد كان الراوي محبا، بل متعصبا للشعر، أما النثر فلا يمثل له أية قيمة، ويتساءل: "أي كتابة يمكن أن تعلو فوق الشعر في الجاذبية والسحر؟".
فيقول له عبدالكريم: لا تحكم قبل أن تقرأ.

ويعطيه رواية "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ، ليقرأها، فتسحره الرواية، ويقول: "اختليت في حجرتي بالطابق العلوي بدارنا وعكفت على مطالعة الرواية منذ ساعة الغروب إلى وقت قريب من الفجر. ولما أشرق ضوء الشمس كنت قد تحولت إلى كائن جديد، كأني أولد لأول مرة".
ويتساءل المرء بعد اعتراف السارد: ألهذا الحد يؤثر العمل الروائي في قارئه؟
إدن فالعلاقة بين الساحلي وعبدالكريم لم تكن مجرد زمالة أو صداقة سطحية، ولكنها أكبر من ذلك بكثير. ولعمق هذه العلاقة وخصوصيتها، يتوهم السارد أو الراوي أنه سيموت مثل صديقه، أي بعد تقاعده أو بلوغه سن الستين بأسبوع واحد، فيعد العدة لينتهي من كتابة عمله خلال هدا الأسبوع.

وتمر الأيام دون أن يتمكن السارد من كتابة العمل المنشود. ولكن في حقيقة الأمر، فإن كل لحظة كتابة تمر ما هي إلا حديث عن مدينته، وكل وصف أو سطر يخطه السارد مند استقباله خبر وفاة صديقه عبدالكريم (في بداية الرواية)، والتلاعب بالفلاش باك، وحتى آخر سطر فيها، ما هو إلا حديث ووصف وسرد وكتابة عن تطوان وناسها وعاداتها وتقاليدها وأجوائها، واقتحام فني لأسرارها، وفضح للعلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، مثل علاقة نجيب بكريمة التي ترفض الأم رقية زاوج ابنها منها، لوجود عداوة بين العائلتين، أو لتواضع نسب كريمة، وما حدث بين السارد نفسه وبائع السمك، الذي كان يراقبه السارد لمجرد الكتابة عنه داخل العمل الروائي المنشود. حتى عندما يتحدث الساحلي عن نجيب محفوظ وأعماله، فإنه إسقاط على مهمة الكاتب إزاء المدينة التي يعيش فيها، فذكر القاهرة، وحضورها الطاغي عند محفوظ، تمثل الرغبة الحقيقية في حضور تطوان لدى الساحلي، أو إن شئنا الدقة لدى الكاتب محمد أنقار نفسه.
تمر الأيام السبعة ولا يتوفى السارد، وفي الوقت نفسه يوهمنا أنه لم يستطع الكتابة عن تطوان، في حين أنه انتهى من الكتابة عنها بالفعل".

وكما تفاعلتُ مع رواية "المصري" تفاعل معها محمد مشبال الذي لم يكتف بتخصيص أطول فصول كتابه "الهوى المصري" عنها (وهو الفصل الثالث) ولكنه أجرى حوارا مطولا مع محمد أنقار نشره في الفصل الخامس من الكتاب فسَّر فيه انقار وأفصح عن أسرار هواه المصري وكيف كانت الثقافة المصرية والأغاني والأفلام، أو القوى الناعمة المصرية، تتسرب إلى كيانه من خلال مسام جلده، ويقول: "كان الغناء والألحان المصرية تتسرب إلى كياني من خلال مسام جلدي. بمعنى آخر لم تكن الموسيقى المصرية احاسيس عابرة بالنسبة إلي، وإنما كانت تتسلل مباشرة إلى أعمق أعماق الكيان".

ويقول في موضع آخر من الحوار: "حيث إن عوامل قومية عديدة جمعت المغاربة والمصريين فقد لزم أن يكون ثمة تعاطف ومشاركة وجدانية عميقة ظهرت بصماتها واضحة في الثقافة المغربية الحديثة والمعاصرة.

وتحت عنوان "الهوى المصري والمغامرة السياسية" جاء الفصل الأول عن "القاهرة تبوح بأسرارها" لعبدالكريم غلاب الذي يسرد جزءا من سيرة حياته قضاه في القاهرة في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي والذي استغرق مدة تزيد على إحدى عشرة سنة سافر إليه سنة 1937 لاستكمال دراسته الجامعية غير أنه ما لبث أن انغمس في الأجواء السياسية والثقافية التي كانت تضج بها المدينة، ليتحول من مجرد طالب منتظم إلى سياسي مثقف يناضل لأجل استقلال بلاده والبلدان العربية التي كانت تكافح لنيل الحرية. ويتوقف مشبال في هذا الفصل عند عناوين مثل الهوى المصري والسفر، ولا بد من القاهرة وإن طال السفر.

أما الفصل الثاني فحمل عنوان "الهوى المصري والمغامرة الجنسية" حيث توقف فيه مشبال عند عمل محمد برادة "مثل صيف لن يتكرر" وفيه تمتزج السيرة الذاتية بالتخييل الروائي، فقد لجأ برادة إلى مختلف حيل الصنعة الفنية التي جعلت التذكر يلتبس بالتخيل، والماضي ينصهر في الحاضر، والتصديق يتلاشى في التخييل، والواقع يذوب في الفن، والهوى المصري "يمشي على قدمين" في علاقات ملتبسة ومغامرات جريئة كشفت أسرار قاهرة كاتب حداثي يتأمل ذاته في مراحل مختلفة العمر امتدت من يوليو 1955 إلى فبراير 1998 سواء في أثناء إقامته الدراسية أو في زياراته الثقافية المتلاحقة بعد ذلك.

أما كتاب "القاهرة الأخرى" لرشيد يحياوي ففيه ننتقل إلى تجربة خطابية وإنسانية مختلفة، فالمؤلف اختار صياغة مغامرته المصرية في شكل "يوميات" أي في نوع خطابي يملي على صاحبه سرد وقائع جرت في حياته اليومية، وقد يسمح له صياغة بعض الأحاسيس والتأملات التي تفرضها تلك الوقائع.

إن كتاب محمد مشبال كتاب في المحبة وفي الهوى المصري، كما تجلى في أربعة أعمال لأربعة كتاب مغاربة ينتمون لأربعة أجيال.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة