من الألعاب الإلكترونية إلى الدارك ويب.. كيف تتحول الشاشة من وسيلة للترفيه إلى بوابة للمخاطر؟

23-8-2026 | 18:48
من الألعاب الإلكترونية إلى الدارك ويب كيف تتحول الشاشة من وسيلة للترفيه إلى بوابة للمخاطر؟الدارك ويب - صورة تعبيرية
عادل عبد اللطيف

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة يقضي من خلالها الأطفال والمراهقون أوقات فراغهم، بعدما تحولت الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر إلى جزء أساسي من حياتهم اليومية.

موضوعات مقترحة

وبينما تحمل هذه الألعاب جوانب ترفيهية وتعليمية، فإن الاستخدام المفرط وغير المنظم قد يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من المخاطر، تبدأ من التأثيرات الصحية والنفسية والسلوكية، ولا تتوقف عند حدود الشاشة، بل قد تمتد إلى مخاطر أكثر تعقيدًا تتعلق بالتواصل مع الغرباء، وسرقة البيانات، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز.

كيف تتحول الشاشة من وسيلة للترفيه إلى بوابة للمخاطر؟

ومع التطور السريع للعالم الرقمي، أصبح السؤال لا يتعلق فقط بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام اللعبة، وإنما أيضًا بمن يتحدث؟ وما المعلومات التي يشاركها؟ وما المنصات التي ينتقل إليها؟ وهل يمتلك الطفل الوعي الكافي لتمييز الخطر عندما يأتيه في صورة صديق أو لاعب يشاركه اهتماماته؟

وفي هذا السياق، تتقاطع الرؤية التربوية والنفسية مع الجانب الأمني، خاصة مع ما يفرضه الفضاء الإلكتروني من تحديات جديدة، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حماية الأطفال من المخاطر التي قد تبدأ من لعبة إلكترونية وتنتهي في عالم أكثر خطورة.

متعة تتحول إلى خطر يهدد صحة الطفل ومستقبله

تقول الدكتورة دلال صلاح، مدير الإدارة العامة للتوجيه الفني بقطاع المعاهد الأزهرية، إن التعامل مع الألعاب الإلكترونية يحتاج إلى وعي حقيقي من الأسرة، خاصة أن الطفل في المراحل العمرية الأولى يكون أكثر قابلية للتأثر والتقليد، وقد لا يستطيع في كثير من الأحيان التفرقة بين ما يراه داخل العالم الافتراضي وبين السلوك المقبول في الحياة الواقعية.

وتؤكد أن الألعاب الإلكترونية ليست جميعها ضارة، وأن المشكلة لا تكمن في وجود اللعبة نفسها، وإنما تبدأ عندما يتحول استخدامها من وسيلة للترفيه إلى حالة من التعلق الشديد والإفراط في اللعب، ففي هذه المرحلة، قد يبدأ الطفل في تفضيل العالم الافتراضي على التواصل مع أسرته وأصدقائه، أو يتراجع اهتمامه بالأنشطة الطبيعية التي تشكل جزءًا أساسيًا من نموه النفسي والاجتماعي.

ساعات طويلة أمام الشاشة.. مخاطر صحية لا يجب تجاهلها

لا تقتصر آثار الإفراط في الألعاب الإلكترونية على الجانب النفسي فقط، إذ تشير دلال صلاح إلى أن الجلوس لفترات طويلة أمام الأجهزة يمثل أحد أبرز مصادر القلق، خاصة مع انخفاض معدلات الحركة والنشاط البدني.

وقد يؤدي هذا النمط إلى زيادة الوزن والسمنة، فضلًا عن اضطرابات النوم والأرق، خصوصًا عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل، كما أن التركيز المستمر أمام شاشات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر قد يؤدي إلى إجهاد العين وظهور مشكلات مرتبطة بالنظر.

ولا تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ يمكن أن تسبب وضعيات الجلوس الخاطئة لفترات طويلة آلامًا في الرقبة والظهر، وقد تؤثر في القوام مع استمرار هذه العادات، خاصة مع الانحناء المستمر للأمام أو الجلوس بطريقة غير سليمة لساعات طويلة.

التأثير النفسي والسلوكي..عندما ينتقل العالم الافتراضي إلى الواقع

تزداد المخاوف عندما يتعرض الطفل بشكل مستمر لمحتوى يتضمن مشاهد عنيفة أو ألفاظًا وسلوكيات لا تناسب مرحلته العمرية، فالطفل بطبيعته يميل إلى التعلم والتقليد، وقد يحاول أحيانًا نقل بعض السلوكيات التي يشاهدها داخل اللعبة إلى حياته اليومية.

وتوضح دلال صلاح أن الإفراط في الألعاب قد يرتبط بزيادة العصبية والميل إلى العدوانية لدى بعض الأطفال، فضلًا عن اكتساب ألفاظ أو أساليب سلوكية نتيجة الاحتكاك المباشر بلاعبين آخرين، خاصة في الألعاب التي تتيح التواصل الصوتي أو الكتابي بين المشاركين.

وهنا تظهر أهمية معرفة الأسرة بنوعية المحتوى الذي يتعرض له الطفل، وعدم الاكتفاء باعتبار كل ما يحدث داخل اللعبة مجرد "لعب"، لأن العالم الافتراضي أصبح في كثير من الحالات مساحة حقيقية للتواصل والتأثير وتبادل الأفكار.

العزلة وتراجع المستوى الدراسي

من العلامات التي يجب أن تنتبه إليها الأسرة، بحسب دلال صلاح، ميل الطفل إلى الانطواء والعزلة الاجتماعية، خاصة عندما يصبح معظم وقته مرتبطًا بالشاشة..فالطفل الذي يقضي ساعات طويلة داخل العالم الافتراضي قد يبدأ تدريجيًا في فقدان الاهتمام بالتواصل الواقعي مع أسرته وأصدقائه، كما قد تتراجع بعض مهاراته الاجتماعية التي لا يمكن أن يكتسبها بالطريقة نفسها إلا من خلال الاحتكاك المباشر بالآخرين.

كما يمكن أن ينعكس الإفراط في اللعب على المستوى الدراسي، نتيجة استهلاك وقت الطفل وتشتت انتباهه وضعف قدرته على التركيز، خصوصًا عندما تصبح اللعبة أولوية تسبق المذاكرة والنوم والواجبات والأنشطة اليومية.

من التسلية إلى التعلق الشديد

تحذر دلال صلاح أيضًا من بعض الألعاب التي تعتمد على نظام المستويات والمكافآت والإنجازات المتتالية، إذ قد يشعر الطفل دائمًا بأنه على وشك الوصول إلى مرحلة جديدة أو الحصول على مكافأة أكبر، ما يدفعه إلى الاستمرار في اللعب لفترات أطول.. ومع الوقت، قد يصبح التوقف عن اللعب أكثر صعوبة، ويتحول الاستخدام العادي إلى تعلق شديد يحتاج إلى تدخل الأسرة وإعادة تنظيم الوقت، خاصة إذا بدأ الطفل في إهمال دراسته أو نومه أو علاقاته الاجتماعية.

الخطر الإلكتروني..عندما لا يكون اللاعب مجرد لاعب

لكن المخاطر لا تتوقف عند الصحة والسلوك والدراسة، فمع تحول كثير من الألعاب الحديثة إلى منصات تتيح المحادثات والتواصل المباشر، أصبح الطفل قادرًا على التفاعل مع أشخاص قد لا يعرفهم في الواقع..وهنا يطرح الجانب الأمني نفسه بقوة: متى تتحول اللعبة من مجرد وسيلة ترفيه إلى باب يمكن أن يدخل منه الخطر أو الجريمة؟.

ففي حديثه لـ"بوابة الأهرام" عن مخاطر الفضاء الإلكتروني، يؤكد اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية لأمن المعلومات سابقًا، أهمية الوعي بطبيعة العالم الرقمي والمخاطر المرتبطة به، خاصة مع قدرة المجرمين على استغلال المنصات المختلفة للوصول إلى الضحايا.

فالخطورة لا تبدأ من اللعبة نفسها بالضرورة، وإنما من طريقة الاستخدام وغياب الوعي، إذ قد يبدأ التواصل برسالة عادية أو مساعدة داخل اللعبة أو محاولة تكوين صداقة، قبل أن يتطور تدريجيًا إلى طلب معلومات شخصية أو محاولة نقل التواصل إلى منصة أخرى.

كيف يبني المجرم الإلكتروني الثقة مع الطفل؟

لم تعد الجرائم الإلكترونية تعتمد فقط على الاختراقات التقنية المعقدة، بل أصبح الخداع الاجتماعي واحدًا من أخطر الأدوات التي يمكن استخدامها لاستدراج الضحايا.. فالمجرم قد لا يظهر في صورة شخص غريب أو مخيف، بل قد يتقمص شخصية لاعب في العمر نفسه، أو شخص يقدم المساعدة، أو صديق يشارك الطفل اهتماماته، ومع مرور الوقت، تبدأ عملية بناء الثقة تدريجيًا، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة.

وقد يبدأ الأمر بأسئلة تبدو عادية: ما اسمك؟ في أي مدرسة تدرس؟ أين تعيش؟ ثم تتطور الأسئلة تدريجيًا إلى طلب صور أو أرقام هواتف أو معلومات أكثر خصوصية.. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الطفل قد لا يدرك أنه أمام عملية استدراج، خاصة إذا شعر أن الشخص الآخر أصبح صديقًا له بعد فترة طويلة من التواصل.

معلومة بسيطة قد تكشف أسرارًا أكبر

قد يعتقد الطفل أن مشاركة معلومة بسيطة عن نفسه لا تشكل أي خطر، مثل اسم المدرسة أو المنطقة التي يعيش فيها أو صورة التقطها داخل منزله، ولكن هذه المعلومات الصغيرة، عند جمعها وربطها ببعضها، قد تساعد شخصًا سيئ النية على تكوين صورة أكثر تفصيلًا عن الطفل وأسرته..فالصورة قد تكشف موقعًا، والمنشور قد يكشف مدرسة، واسم الحساب قد يؤدي إلى حسابات أخرى، ومعلومة عابرة قد تساعد في معرفة تفاصيل أكثر حساسية.

ولهذا لا يجب أن يقتصر مفهوم البيانات الشخصية على رقم الهاتف أو كلمة المرور فقط، بل يشمل أيضًا كل ما يمكن أن يساعد شخصًا مجهولًا على تحديد هوية الطفل أو مكانه أو عاداته أو الأشخاص المحيطين به.

الشراء داخل الألعاب..باب آخر للاحتيال

من المخاطر الأخرى التي يجب الانتباه إليها عمليات الشراء داخل الألعاب، خاصة عندما تكون وسائل الدفع مرتبطة بالهاتف أو الجهاز الذي يستخدمه الطفل.. فقد يقوم الطفل بعمليات شراء دون إدراك حقيقي لقيمتها المالية، أو يتعرض لروابط وعروض وهمية تعده بالحصول على مزايا أو عملات افتراضية أو أدوات داخل اللعبة، بينما يكون الهدف الحقيقي هو سرقة بيانات الحساب أو المعلومات المالية.

وهنا تبرز أهمية توعية الأطفال بعدم الضغط على الروابط مجهولة المصدر، وعدم إدخال أي بيانات شخصية أو مالية في مواقع غير موثوقة.

من الإنترنت العادي إلى العالم المظلم..ما هو الدارك ويب؟

ومع الحديث عن الجرائم الإلكترونية، يبرز مصطلح "الدارك ويب" باعتباره واحدًا من أكثر المصطلحات غموضًا بالنسبة للمستخدم العادي.. ويوضح اللواء محمود الرشيدي أن الإنترنت يمكن النظر إليه من خلال مستويات مختلفة، تبدأ بالإنترنت السطحي أو (Surface Web)، وهو الجزء الذي يستخدمه أغلب الناس يوميًا من خلال المواقع العامة ومحركات البحث والمنصات المفتوحة.

أما الـ Deep Web أو الإنترنت العميق، فيشمل المحتوى الذي لا يكون متاحًا أو مفهرسًا بشكل عام عبر محركات البحث، مثل الحسابات الشخصية وقواعد البيانات والأنظمة التي تتطلب تسجيل دخول، وهو أمر لا يعني بالضرورة وجود نشاط غير قانوني.

أما الـ Dark Web أو الإنترنت المظلم، فهو جزء يحتاج إلى أدوات وشبكات متخصصة للوصول إليه، ويرتبط استخدامه بدرجة أعلى من إخفاء الهوية، وهو ما جعله بيئة يمكن أن يستغلها البعض في أنشطة مشروعة، لكنه في الوقت نفسه أصبح معروفًا بوجود أنشطة وعمليات غير قانونية.

هل تصبح البيانات المسروقة سلعة في العالم الخفي؟

من أخطر الجرائم المرتبطة بالعالم الرقمي سرقة قواعد البيانات وكلمات المرور والحسابات والصور والمعلومات الشخصية.. ولا تنتهي المشكلة بمجرد حدوث الاختراق، إذ يمكن أن تتحول البيانات المسروقة إلى مادة قابلة للتداول بين المجرمين، واستخدامها لاحقًا في عمليات احتيال أو ابتزاز أو انتحال شخصية.

ويحذر اللواء محمود الرشيدي من خطورة هذا النوع من الجرائم، خاصة أن البيانات الشخصية قد تستخدم في أكثر من جريمة، وأن كلمة المرور التي يستخدمها الشخص في عدد كبير من الحسابات قد تتحول إلى نقطة ضعف خطيرة إذا تم تسريبها.

ولهذا يصبح استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب، وعدم مشاركة المعلومات الشخصية دون ضرورة، من أهم وسائل الحماية في مواجهة هذه المخاطر.

أسواق للجريمة خلف إخفاء الهوية

ارتبط الدارك ويب، بحسب اللواء محمود الرشيدي، بوجود محتوى وأنشطة غير قانونية يمكن أن تشمل تداول بيانات مسروقة، والاحتيال الإلكتروني، وغسل الأموال، وتجارة سلع وخدمات محظورة، إلى جانب محتويات شديدة الخطورة.

كما يمكن أن تستغل بعض المجموعات هذا النوع من البيئات الرقمية المغلقة لتبادل المعلومات أو نشر أفكار متطرفة أو ممارسة أنشطة إجرامية بعيدًا عن المنصات التقليدية.. وهنا تصبح خطورة الدارك ويب مرتبطة ليس فقط بالشخص الذي يحاول الدخول إليه، وإنما أيضًا بالمستخدم العادي الذي قد تتعرض بياناته للسرقة دون أن يعرف أين يمكن أن ينتهي بها الأمر بعد ذلك.

الأسرة في خط الدفاع الأول

تؤكد دلال صلاح أن مواجهة هذه المخاطر لا تعني منع الأطفال تمامًا من التكنولوجيا أو الألعاب الإلكترونية، فالعالم الرقمي أصبح جزءًا لا يمكن تجاهله من حياتهم، لكن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الاستفادة والترفيه من جانب، والحماية والوعي من جانب آخر. 

ويبدأ ذلك من تنظيم وقت اللعب، وضمان حصول الطفل على قدر كافي من النوم، وتشجيعه على ممارسة الرياضة والأنشطة الاجتماعية والهوايات المختلفة..كما يجب على الأسرة أن تعرف نوعية الألعاب التي يمارسها الطفل، ومحتواها، والأشخاص الذين يتواصل معهم، مع ضرورة أن تقوم العلاقة بين الطفل ووالديه على الحوار والثقة، حتى لا يخاف من إخبارهم إذا تعرض لموقف مريب أو محاولة تواصل من شخص مجهول.


اللواء محمود الرشيدي مساعد وزير الداخلية لأمن المعلومات سابقًااللواء محمود الرشيدي مساعد وزير الداخلية لأمن المعلومات سابقًا

الدكتورة دلال صلاح، مدير الإدارة العامة للتوجيه الفني بقطاع المعاهد الأزهريةالدكتورة دلال صلاح، مدير الإدارة العامة للتوجيه الفني بقطاع المعاهد الأزهرية
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة