«البرونز فتح لي أفق التخليد وثبات الوزن الذي يقاوم الزمن، والخزف منحني حميمية الطين».. بهذه الكلمات تحدثت الخزافة الدكتورة أماني فوزي عن معرضها الأخير «مازال» والذي جاء بمثابة مانيفستو فلسفي يخوض في أعماق الكتلة والفراغ، وينبش في جدلية البقاء والتحول.
موضوعات مقترحة
خلال حوارها مع «بوابة الأهرام» أكدت أستاذ الخزف بكلية التربية الفنية، بجامعة العاصمة أن جيل الشباب يمتلك الجرأة في التجريب، لكن الخزف المصري يصطدم بتحديات، ونستكشف معها فلسفة التقابل بين الخزف والبرونز.
الفنانة أماني فوزي
ولا يعد معرض «مازال» الذي افتتح بقاعة الباب، مجرد محطة تشكيلية عابرة في تجربة الدكتورة أماني فوزي التى أقتربت من أربعة عقود، فمن خلال هذا المعرض تجاوزت الفنانة التشكيل التقليدي للخامة، لتضع المتلقي أمام تجربة بصرية وروحية؛ جمعت فيها وعن قصدية واعية بين حوارية الخزف بهشاشته القابلة للتشقق والتحول، والبرونز بصلابته التي تخلد الشكل وتتحدى الزمن.
تجربة لم تكتفِ باستدعاء الثنائية الحضارية العريقة في الفن المصري القديم فحسب، بل أعادت صياغتها بلغة معاصرة تفكك وهم السيطرة على الخامة، وتجعل من "عنصر المفاجأة" شريكًا أصيلاً في التشكيل.
الفنانة أماني فوزي
كيف تنظرين إلى معرضكِ الأخير "ما زال"، وما هي الفكرة المحورية التي حرصتِ على نقلها للجمهور والمتلقي من خلال هذه الأعمال؟
كان لمعرض "ما زال" صدى مختلف، ليس من حيث الإقبال الجماهيري فحسب، بل من حيث عمق الأسئلة التي أثارها لدى المتلقي، وهذا في تقديري هو المقياس الحقيقي لنجاح أي مشروع فني. حيث أن هذا المعرض ليس معرضًا للخزف وحده، بل هو حوار متكامل بين خامتين مختلفتين تمامًا في طبيعتهما وروحهما، النحت الخزفي والنحت البرونزي، جمعت بينهما عن وعي وقصدية. فالطين هش قابل للتشقق والتحول، بينما البرونز صلب يخلد الشكل ويثبّته عبر الزمن، وقد أردت أن يكون هذا التقابل بين الخامتين تجسيدًا بصريًا لفكرة العنوان ذاته: "ما زال"، أي البقاء رغم اختلاف الطبيعة والمصير. فكما يخلد الإنسان أحيانًا في هشاشته، يخلد أيضا في صلابته، إن الاستمرار ليس صفة لخامة بعينها، بل هو إرادة تسري في الشكل مهما اختلفت المادة التي تم تشكيله منها.
اتجهتِ مؤخرًا لممارسة النحت بخامة البرونز، فما سر هذا التحول؟
لم يكن الأمر تحولاً مفاجئًا بقدر ما كان استكمالاً طبيعيًا لمسار طويل من الأسئلة حول الكتلة والفراغ. إن هذا الاتجاه نحو النحت لم يقتصر على الخزف فقط، بل امتدّ ليشمل النحت بخامة البرونز أيضًا، وهذا ما يجعل معرض "ما زال" محطة استثنائية في مسيرتي، يقدم للمرة الأولى أعمالاً نحتية خزفية وأخرى برونزية في فضاء واحد، تتحاوران وتتكاملان. فالخزف منحني حميمية التعامل المباشر مع الطين، بينما فتح لي البرونز أفقًا مغايرًا تمامًا، أفق التخليد والصلابة والوزن الذي يقاوم الزمن. وقد وجدت في الجمع بين الخامتين ضالتي الحقيقية، إذ صار بإمكاني أن أعبر عن الفكرة الواحدة بلغتين مختلفتين، فتكتمل الرؤية ولا تنحصر في وسيط بعينه.
الفنانة أماني فوزي
إلى أي مدى نجح هذا المعرض في خلق حوار بصري يربط بين جذورنا الحضارية ورؤى التشكيل المعاصرة؟
الخزف والبرونز معاً يشكلان ثنائية حضارية عريقة في تاريخ الفن المصري القديم، فقد عُرف المصري القديم الطين كإناء للحياة اليومية والقربان، وعرف البرونز خامة للتماثيل التي أراد لها أن تخاطب الأبدية. وقد سعيت في هذا المعرض إلى استحضار هذه الثنائية بروح معاصرة، فجاءت أعمال النحت الخزفية أكثر التصاقًا بالتجريب والهشاشة والتلقائية، بينما جاءت الأعمال البرونزية أكثر صرامة وثباتًا في التكوين. وحين يقف المتلقي بين هذين النوعين من الأعمال في فضاء العرض ذاته، فإنه يعيش تجربة بصرية مزدوجة، يتنقل فيها بين خامة تنبض بالحياة وأخرى تسكنها الصلابة، وهذا بالتحديد ما جعل المعرض حوارًا حقيقيًا لا استعراضًا شكليًا، حوارًابين جذورنا الحضارية العميقة ورؤى التشكيل المعاصر التي تعيد صياغة هذا الإرث بلغة اليوم.
الخزف فن شاق يحمل قدرًا كبيرًا من المفاجآت أثناء الحرق والتشكيل.. كيف تتعاملين مع هذا "العنصر غير المضمون" كشريك في العملية الإبداعية؟
تعلمت، بعد سنوات طويلة من ممارسة الخزف، أن أتخلى عن وهم السيطرة المطلقة، وأن أنظر إلى النار لا بوصفها خطرًا يهدد العمل، بل شريكًا له إرادته المستقلة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين تجربتي مع الخزف وتجربتي مع البرونز؛ فالبرونز، رغم صعوبة تقنياته وتعقيد مراحل صبه، يمنحني قدرًا أكبر من اليقين والثبات في النتيجة النهائية، بينما يظل الخزف مساحة مفتوحة للمفاجأة والاحتمال المبهر. وقد وجدت في هذا التقابل بين يقين البرونز ومغامرة الخزف انعكاسًا لفلسفتي الفنية ذاتها، فأنا لا أبحث عن السيطرة الكاملة على العمل، بل عن حوار متكافئ معه، أمنحه إرادتي، ويمنحني هو مفاجآته.
الفنانة أماني فوزي
تتميز أعمالكِ دائمًا بثراء في الملامس السطحية والتأثيرات اللونية (الطلاءات الزجاجية).. ما هي أحدث التجارب التقنية في هذا المعرض واعتبرتيها إضافة لمسيرتك؟
خضت تجربة مكثفة في معالجة الأسطح الفخارية ذات الطبقات المتعددة على الأعمال الفنية، حيث تتفاعل المواد الكيميائية المختلفة أثناء الحرق فتنتج نسيجًا بصريًا عميقًا للون الواحد أو التدرج اللوني، لا مجرد لون مسطح. وفي المقابل، تم معالجة أسطح الأعمال البرونزية بتقنيات مختلفة في المعالجة السطحية، من الأكسدة المتحكم فيها إلى التلوين الكيميائي (التبتين) الذي يمنح البرونز درجات لونية متفاوتة بين النحاسي الدافئ والأخضر الباهت القريب من الأثر القديم والاسود ودرجات البني الداكن.
وقد كان هذا التوازي التقني بين معالجة الخزف ومعالجة البرونز إضافة حقيقية لمسيرتي، إذ اكتشفت أن ثراء السطح ليس حكراً على خامة بعينها، بل هو لغة يمكن أن تتحدث بها كل خامة بطريقتها الخاصة.
كيف توازنين بين التكوين النحتي المجسم وبين الوظيفة التشكيلية البحتة للخزف، خاصة وأن أعمالك غالباً ما تحمل طابعًا تعبيريًا قويًا؟
لا أرى تناقضًا حقيقيًا بين الوظيفة والتشكيل، فالإناء نفسه، منذ صنعه الإنسان الأول، كان تعبيراً قبل أن يكون وظيفة. وقد ساعدني الجمع بين الخزف والبرونز في هذا المعرض على تعميق هذا التوازن، إذ منحني البرونز حرية التحرر الكامل من أي بعد وظيفي، فجاءت أعماله تعبيرية خالصة تنطلق من فكرة الجسد والحركة والتوتر العضلي، بينما ظل الخزف محتفظاً بخيط رفيع يربطه بذاكرته الأولى كإناء أو وعاء، والتي تحررت بشكل كبير في فلسفة الخزف المعاصر، والخروج من عباءة الوظيفة إلى التعبير الفني، وهو يتمرد على وظيفته.
هذا التوازي بين خامة تتحرر تمامًا وأخرى تحافظ على جذورها هو ما أعطى المعرض توتره الجمالي وعمقه الفلسفي.
الفنانة أماني فوزي
من واقع خبرتك، كيف ترين مستوى فن الخزف في مصر حاليًا، خاصة بين جيل الشباب، وما هي التحديات التي تواجه الفنان الخزفي اليوم؟
أرى جيلاً واعدًا، يمتلك جرأة في التجريب وانفتاحًا على تقنيات عالمية لم تكن متاحة من قبل من حيث الاطلاع على التطور الفني والثقافة البصرية من خلال المواقع الإلكترونية، لكنني ألمس تحديات حقيقية أبرزها ضعف البنية التحتية من أفران ومعامل متخصصة وخامات الخزف المختلفة يمكن الوصول إليها بتكلفة معقولة، سواء للعمل بالخزف أو بالبرونز الذي يتطلب ورشًا متخصصة في الصبّ يندر توفرها. وألمس أيضًا غياب سوق فنية ناضجة تقدر الخزف بخاماته المختلفة تقديرًا عادلاً، إضافة إلى اندفاع بعض الشباب نحو النتيجة السريعة دون التأني الكافي في فهم الخامة وفلسفتها العميقة.
إذا نظرتِ إلى رحلتكِ الفنية الطويلة منذ البدايات وحتى معرضكِ السابق، ما هي أبرز محطة فارقة صنعت التحول في أسلوبك الفني؟
إذا أردت أن ألخص رحلتي في محطة واحدة، فهي اللحظة التي توقفت فيها عن محاولة "إتقان" الخامة بمعناها الأحادي، وبدأت أبحث عن إمكاناتها المتعددة. في بداياتي كنت أفرض تصوري الذهني على المادة بصرامة أكاديمية، وكنت أعمل بخامة واحدة أريد لها أن تحمل كل ما أريد قوله. لكن مع الوقت أدركت أن الفكرة الواحدة قد تحتاج أكثر من لغة لتكتمل، وهذا بالتحديد ما قادني إلى الجمع بين النحت الخزفي والنحت البرونزي في معرض "ما زال"، فصار هذا المعرض ذاته هو المحطة الفارقة التي أعيد فيها تعريف علاقتي بالخامة، لا بوصفها اختياراً نهائياً، بل بوصفها مكانًا مفتوحًا يتسع لأكثر من صوت.
الفنانة أماني فوزي
وبالنهاية أود أن أؤكد أن معرض "ما زال" لم يكن محطة نهائية في مسيرتي، بل كان بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة أنا بصددها الآن. فما بدأته من حوار بين الخزف والبرونز، وما خضتُه من تجريب في الملامس والطلاءات الزجاجية والتكوين النحتي المجسم، ليس سوى البذرة الأولى لمشروع فني أكبر أعمل على تطويره بأناة وتؤدة. المعرض القادم، بإذن الله، سيكون نقلة نوعية في مسيرتي، لكنها نقلة لا تنفصل عما سبقها، بل تتأصل فيه وتنمو منه؛ فأنا لا أؤمن بالانقطاع عن التجربة السابقة، بل أؤمن بالاستمرارية التي تتجدد في كل مرحلة بوعي أعمق وأدوات أنضج.
سأواصل الإصغاء إلى الخامة، وسأظل أبحث عن تلك اللحظة التي يلتقي فيها الأصالة بالمعاصرة، والهشاشة بالخلود. وهذا، في تقديري، هو جوهر أي مشروع فني حقيقي، وهو أن يظل دائماً في حالة "ما زال"، أي في حالة استمرار وتحول لا تنتهي عند حدود معرض واحد، بل تفتح الباب دائماً لما هو آت.
الفنانة أماني فوزي
الفنانة أماني فوزي