ماذا وراء التصعيد الإثيوبي في ملف سد النهضة ؟!

23-8-2026 | 11:19

لم أتفاجأ بالتصريح الاستفزازي غير المسئول المنسوب لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، وزعم فيه: "أن تدفق مياه النيل باتجاه مصر والسودان سيكون تحت سيطرة بلاده، وأن أديس أبابا تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل"، والمؤكد سوف نسمع المزيد من مثل هذه التصريحات الجوفاء خلال الفترة المقبلة من المسئولين الإثيوبيين لاستفزاز مصر، والتي تعكس فشلاً ذريعًا وإحباطًا واضحًا نتيجة الموقف المصري الذي أفسد كل مخططات إثيوبيا في القرن الإفريقي والتي لم تعد خافية على أحد منذ أن وقعت مذكرة تفاهم قبل عامين مع ما يسمى بأرض الصومال في محاولة بائسة يائسة للنفاذ إلى البحر الأحمر؛ بحثًا عن نفوذ في القرن الإفريقي، منتهكة سيادة الصومال الشقيق؛ حيث إن ميليشيا أرض الصومال جماعة منشقة عن الدولة، وغير معترف بها دوليًا، وبالتالي لا يحق لها توقيع أي اتفاقيات دولية.

لذلك فإن القراءة الواقعية والموضوعية للموقف الإثيوبي التصعيدي الجديد في قضية سد النهضة يرتبط بفشل تحركات إثيوبيا نحو البحر الأحمر، الذي تعتبره مصر امتدادًا لأمنها القومي، ورفضها الصارم لأي محاولات تهدد الأمن فيه الذي هو حق أصيل للدول المتشاطئة لا غير.

وبالتالي تصدي مصر ورفضها نفاذ إثيوبيا عبر كيان انفصالي في الصومال غير معترف به، هو موقف طبيعي وقانوني، ويتفق مع المواثيق الدولية، ولذلك تعتبر إثيوبيا أن سد النهضة يمكن أن يكون ورقة ضغط في يدها لمساومة مصر في قضية البحر الأحمر على قاعدة "سيب وأنا أسيب"، لكن هيهات لها أن تستطيع؛ فمصر ليست الدولة التي تخضع للابتزاز أو تقبل المساومة؛ لأن كل قضاياها عادلة وحقوقها مشروعة، ولن تسمح بأي إجراء أو تحرك يهدد الأمن القومي تحت أي مسمى.

لذا لم تخف إثيوبيا عداءها لمصر وشنها حربًا إعلامية ضارية ضدها، بلغت ذروتها خلال الأسابيع الماضية، حين استشعرت فشل خططها في القرن الإفريقي وتوسيع نفوذها؛ حيث اتهمت مصر بعرقلة خططها للوصول إلى البحر، واستغلت تصريحات لوزير الخارجية بدر عبدالعاطي، خلال زيارة له إلى إريتريا قبل أسابيع، شدد خلالها على أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسئولية حصرية للدول المشاطئة، وهو ما اعتبرته أديس أبابا رفضًا من مصر لمشروعها في النفاذ للبحر الأحمر، علاوة على التحركات الدبلوماسية الواسعة التي تقودها مصر مع الدول المشاطئة؛ لدعم التعاون المشترك بما يضمن أمن البحر الأحمر، وقطع الطريق أمام أي محاولات خارجية لاختراقه، خصوصًا بعد تنامي مساعي إثيوبيا وتحالفها مع إسرائيل، التي هي أيضًا تسعى إلى النفاذ إلى البحر الأحمر عبر ما يسمى بأرض الصومال، ووقعت مع الانفصاليين هناك مذكرة تفاهم مماثلة ما يثير علامات استفهام كبيرة، ويضع أديس أبابا موضع اتهام حقيقي بالتآمر والتخطيط للإضرار بأمن الدول المتشاطئة في البحر الأحمر.

وتخطئ إثيوبيا التقدير إذا راهنت على أن صبر مصر يمكن أن يستمر 10 سنوات أخرى، وتتمادى في الخطأ إذا أقدمت على خطوة السيطرة أو التحكم في مياه النيل، كما زعم وزيرها؛ لأن قضية سد النهضة بشهادة العالم هي قضية عادلة لمصر، وحق وجودي لها، وأي تلاعب في حصة مصر من مياه النيل يعني في عرف القانون الدولي العدوان على شعب مصر، وهو ما يضع مصر في موقف "حق الدفاع الشرعي"، كما قال وزير الخارجية بدر عبدالعاطي قبل أيام، بل وأكد هذا التعبير الواضح الحاسم عدد من المسئولين المصريين في أكثر من مناسبة مؤخرًا، ما يشير إلى تغير واضح في موقف مصر عبر رفعها سقف ما يمكن تسميته "لغة الردع" التي كانت سائدة في الخطاب الدبلوماسي طوال السنوات الماضية، ولعل هذا الخطاب شديد اللهجة جاء ليواكب التحول الإثيوبي في الخطاب أيضًا، الذي رفع منسوب التهديد من أن سد النهضة مشروع تنموي للجميع لن يتسبب في ضرر دول المصب، إلى خطاب يحمل إشارات واضحة بأنه سيكون مشروع خنق وتهديد ومساومة وابتزاز، كما يفهم من تصريح الوزير الإثيوبي.

مصر تعاملت مع إثيوبيا منذ بدايات أزمة سد النهضة بحسن نية مطلقة، ومن موقع قوة، وانطلاقا من دورها الإفريقي عبر التاريخ، ولعل ذلك تجسد في التوقيع مع إثيوبيا والسودان على اتفاق سمي بالإطاري عام ٢٠١٥ متضمنًا ١٠ مبادئ حاكمة للتعاون بين الدول الثلاث في مسألة تشغيل السد، في مقدمتها عدم الضرر والتنسيق الكامل بين الدول الثلاث، فيما يتعلق بالملء والتشغيل للسد عبر اتفاق ملزم لجميع الأطراف) وهو ما تنصلت منه إثيوبيا فيما بعد، ورفضت حتى التنسيق في حالة حدوث ضرر، بل وتطور موقفها إلى الزعم بالتحكم في المياه، وبناء المزيد من السدود، وهو ما يخالف كليًا ما جاء في الاتفاق الإطاري؛ بل ويعد انسحابًا لإثيوبيا منه، وهو ما يخلي مسئولية الطرفين الآخرين منه، وبالتالي مصر ما زالت حتى اليوم متمسكة بالحلول السلمية التفاوضية بصبر وطول بال على قاعدة عدم التسامح مع أي ضرر، وهو ما لم يحدث حتى اليوم؛ حيث تتدفق المياه في نهر النيل، وأعتقد أن إثيوبيا تدرك النتيجة جيدًا.

وفي الختام ليس هناك أدنى شك في أن مصر لديها من القدرات الشاملة التي تستطيع من خلالها الدفاع عن حقوقها، وقطع الطريق أمام أي محاولات صبيانية، لا تعدو كونها استفزازًا أو مساومة رخيصة، أو ابتزازًا مفضوحًا، أو أي تصرف من هذا القبيل، لكن ما يمنعها العديد من الاعتبارات والمبادئ القيمية التاريخية التي تعتز بها وتؤمن بها، وفي مقدمتها الدور الإفريقي الذي تؤديه عبر القرون في الدفاع عن قضايا القارة الإفريقية بحب وتقدير، ومساندة كل الأشقاء في القارة، ودعم خطط التنمية للنهوض بها؛ وذلك من منطلق أن مصر تعتبر هذه القارة العزيزة عمقًا إستراتيجيا لها، وبالتالي لا تدخر جهدًا في دعم مسارات التنمية المستدامة، وتعزيز السلم والأمن الإقليمي بها، وتعميق التكامل الاقتصادي بين دولها والدفاع عن مصالحها في المحافل الدولية، وقبل كل ذلك إقامة شراكات، تنموية وبنية أساسية كبرى مع مختلف الدول الشقيقة؛ من أجل ترسيخ مجالات التعاون التنموي والاقتصادي، وقد شاهدنا قبل أيام زيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى تنزانيا؛ حيث شهد افتتاح سد جوليوس نيريري الذي نفذته مصر، ما يؤكد أن القاهرة تدعم مثل هذه المشروعات التنموية، على عكس ما تدعي إثيوبيا؛ بل إن مصر ساهمت في مشروعات سدود أخرى بدول الكونغو وأوغندا وكينيا، وهي كلها تعزز التنمية في دول القارة.

.. هكذا هو الفارق بين مصر التي تبني وتعمر وتنمي مع الأشقاء في إفريقيا.. وإثيوبيا التي تزعزع الاستقرار وتتآمر للإضرار بدول القارة من النهر إلى البحر.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: