مساعد وزير الداخلية الأسبق يحذر من «الاستغفال الرقمي»: خوارزميات تصنع التفاهة وتحوّل الوعي إلى سلعة

22-8-2026 | 20:58
مساعد وزير الداخلية الأسبق يحذر من ;الاستغفال الرقمي; خوارزميات تصنع التفاهة وتحوّل الوعي إلى سلعةاللواء الدكتور أشرف صابر
محمود رضا

حذر اللواء الدكتور أشرف صابر، مساعد وزير الداخلية الأسبق وأستاذ إدارة الأعمال والموارد البشرية بالجامعات الأجنبية، من خطورة الاستخدام المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي في توجيه الرأي العام وصياغة أنماط التفكير، مؤكدًا أن العالم يشهد تحولًا متسارعًا من أشكال السيطرة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستغفال الرقمي» الذي يستهدف جرف الإنسان عن قضاياه الأساسية وإغراقه في محتوى سطحي يستهلك انتباهه ووقته.

موضوعات مقترحة

الحسابات الوهمية

وقال اللواء أشرف صابر إن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رئيسية للتأثير في الوعي الجمعي من خلال الخوارزميات الموجهة، والحسابات الوهمية، والمحتوى المثير، وإشعال النزاعات الافتراضية، مشيرًا إلى أن خطورة الأمر لا تكمن فقط في انتشار المعلومات المضللة وإنما في قدرة المنصات على تحديد ما يراه المستخدم وتكرار المحتوى الذي يتوافق مع اهتماماته بما قد يؤدي إلى تكوين «غرف صدى» تعزل الإنسان عن الآراء المختلفة وتجعله أسيرًا لنسخة واحدة من الحقيقة.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الاستعمار الرقمي» لا يعتمد بالضرورة على الجيوش أو أدوات السيطرة التقليدية، وإنما يمكن أن يتم عبر السيطرة على البنية التكنولوجية والبيانات، وتوجيه الانتباه وصناعة أنماط استهلاك ومحتوى تخدم مصالح اقتصادية وسياسية، موضحًا أن الفجوة المعرفية والتكنولوجية بين الدول المتقدمة والنامية توفر بيئة مناسبة لاستغلال البيانات وتوجيه السلوك الرقمي للمستخدمين.

وأوضح أن «الاستغفال» في صورته القديمة كان يعتمد على الجهل والخرافة وتغييب العقل، بينما يأخذ في العصر الحديث أشكالًا أكثر نعومة من خلال إغراق الإنسان بالمعلومات والمحتوى المتنوع بما في ذلك المعلومات التي لا تضيف إلى وعيه شيئًا حتى يفقد القدرة على التركيز والتمييز بين ما هو مهم وما هو هامشي.

وأشار إلى أن الانتقال إلى الفضاء الرقمي جعل وسائل التواصل الاجتماعي أشبه بـ«الحظيرة الرقمية» التي يدخل إليها المستخدم طواعية، بينما تعمل الخوارزميات على تحديد ما يراه ويستمر في متابعته، لافتًا إلى أن الإغراق المعلوماتي لا يعني بالضرورة زيادة الوعي، بل قد يؤدي في بعض الأحيان إلى العكس تمامًا، عندما يتحول تدفق المعلومات إلى وسيلة لإرباك العقل وتشتيت الانتباه.

وأكد صابر أن اقتصاد المنصات الرقمية يقوم بدرجة كبيرة على جذب انتباه المستخدم وإبقائه لأطول فترة ممكنة، وهو ما يجعل المحتوى السريع والمثير والسطحي أكثر قدرة على الانتشار، موضحًا أن «التفاهة» أصبحت في بعض الحالات أكثر جاذبية من المحتوى الجاد؛ لأنها لا تحتاج إلى مجهود ذهني كبير، ويمكن استهلاكها ومشاركتها بسرعة.

ولفت إلى أن هذا الواقع ساهم في صعود ما وصفهم بـ«التافهين» في الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الجدارة أو المعرفة وحدهما معيارًا للانتشار، وإنما أصبحت القدرة على صناعة الضجيج وإثارة الجدل وجذب المشاهدات عاملًا حاسمًا في الوصول إلى الجمهور، محذرًا من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى تراجع قيمة الإبداع الحقيقي والمحتوى المعرفي لصالح التكرار والإثارة.

وتابع أن أخطر ما في «الاستغفال الرقمي» هو أن المستخدم قد يشعر بأنه يمارس حريته الكاملة أمام الشاشة، بينما يتحرك في الواقع داخل بيئة رقمية تحددها خوارزميات مصممة وفق أهداف اقتصادية وسلوكية، فتقدم له المزيد مما يحب ويشاهده، بدلًا من دفعه إلى اكتشاف أفكار مختلفة أو البحث عما يفيده.

وأوضح أن الإنسان يتحول في هذه المنظومة من مستخدم للخدمة إلى جزء من السلعة نفسها، إذ تصبح بياناته وسلوكه واهتماماته ومدة بقائه على المنصة عناصر ذات قيمة اقتصادية، بينما يتحول «الانتباه» إلى مورد تتنافس عليه المنصات والمعلنون.

وأشار مساعد وزير الداخلية الأسبق إلى أن هذه المنظومة يمكن تلخيصها في ثلاثية خطرة، تبدأ بـ«استغفال» يزيّف الأولويات، ثم «استعباد» يسلب الإرادة تدريجيًا من خلال الاعتماد المفرط على المنصات، وصولًا إلى «استعمار رقمي» يقوم على استغلال البيانات والانتباه والسلوك الإنساني.

وأضاف أن الإدمان الرقمي يرتبط أيضًا بما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الدوبامين»، حيث يسعى المستخدم بصورة مستمرة إلى الحصول على الإعجابات والمشاهدات والتفاعل، ما يدفعه إلى العودة المتكررة إلى الشاشة بحثًا عن جرعة جديدة من التفاعل، وقد يتحول الأمر إلى معيار زائف لقيمة الإنسان ونجاحه.

وأكد صابر أن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالابتعاد الكامل عن التكنولوجيا، وإنما ببناء «وعي رقمي» قادر على التعامل معها بصورة أكثر رشادة، مشددًا على ضرورة الاهتمام بالتعليم والمحتوى المعرفي والتدريب منذ الصغر على التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وفهم طبيعة الخوارزميات التي تتحكم في المحتوى الرقمي.

وشدد على أن استعادة الإنسان لقدرته على التفكير والاختيار تبدأ بإدراكه أن التكنولوجيا وسيلة وليست غاية، وأن الحرية الحقيقية لا تعني متابعة كل ما تعرضه الشاشات، وإنما امتلاك القدرة على اختيار ما يستحق الوقت والانتباه، محذرًا من أن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأرض أو على الموارد، وإنما ستكون أيضًا على الوعي والانتباه والبيانات.

واختتم اللواء الدكتور أشرف صابر بالتأكيد على أن مواجهة «نظام التفاهة» تتطلب إعادة الاعتبار للعلم والمعرفة والإبداع والمحتوى الهادف، حتى لا تتحول الشاشات من أدوات للتواصل والتعلم إلى وسائل للاستغفال الجمعي، مؤكدًا أن بناء وعي رقمي حقيقي هو خط الدفاع الأول أمام أي محاولة لتزييف الوعي أو اختطاف اهتمام الإنسان بعيدًا عن قضاياه وقيمه وأهدافه الحقيقية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: