تمعنتُ في فلسفة صاحب فكرة "دوري المحطتين" المعروف بدوري "أورا" المصري، وشاهدت انطلاق المحطة الأولى: حيث تلعب الفرق الـ20 ضد بعضها بنظام الدور الواحد 19 مباراة، في غياب تام لتكافؤ الفرص وجعل أصحاب الحظ هم الفرق التي تلعب على أرضها دون ذهاب، مع حرمان الجمهور من متعة مباريات "الدربي" الحماسية ذهاباً وإياباً!
وتبدأ المحطة الثانية من يوم 8 مارس 2027، بعد تقسيم الفرق بحسب عدد النقاط إلى مجموعتين:
مجموعة سعيدة الحظ "إيجيبت".. وهم 6 فرق من الأول إلى السادس، فتوات "الساحل" الذين ضمنوا شقة ع البحر، يتنافسون بأناقة على لقب الدوري والمراكز المؤهلة للبطولات الأفريقية. ويتمتعون بالفلوس والرعاية وأضواء لمدة ٥ مباريات فقط ولا خطر من النزول عن الأدوار العلوية.
أما مجموعة "الحرافيش" فتضم 14 فريقاً من السابع إلى العشرين. يتصارعون خلال 13 مباراة ليفوز عشرة فتوات منهم بالبقاء ويسقط أربعة في بئر "المظاليم".
ومن بين هذه الفرق من دفع إلى مستنقع ذيل الدوري بفارق نقطة أو هدف عن مربع الذهب، فوجد نفسه في صراع على الحياة والموت مع 13 حرفوشاً.
اظن أن فيلسوف هذا النظام هو "عبد الحميد الآخر" مخترع ثنائيات: الساحل الطيب والساحل الشرير، وسكان العشوائيات والكمبوندات، والجامعات الأهلية ومعاهد التأهيل المهني.
وكل ذلك من أجل معالجة خطأ إلغاء الهبوط في موسم 24/25 لإنقاذ الإسماعيلي واختصار جدول المسابقة، والتحايل على نقص الملاعب. مما يؤثر على قوة المنافسة وتصنيف الدوري وجاهزية المنتخب، والاهم هو تكريث حالة الغياب الجماهيري، وكان الأجدى به لتقليص عدد الأندية والقضاء على صداع المسابقة إخضاع الأندية الصاعدة لـ"كشف الهيئة". فيسأل كل صاعد: هل لديك ملعب بالمواصفات الدولية في المقاس والنجيل والمدرجات؟ فإذا كانت الإجابة لا، يؤجل انضمامه حتى يكيف أوضاعه. فأحد اساب الأزمة وجود أندية دوري بلا ملاعب شرعية، بينها أندية 6 شركات تملك كنوز البترول والغاز والاتصالات والعقارات وحقوق الرعاية وليس لديها ملعب معتبر!
تصفحت وثيقة تاريخية صدرت عن مجلة "الأهرام الرياضي" بمناسبة انطلاق مسابقة الدوري رقم 68. أعادني هذا الكنز في إخراجه الفني وكم المعلومات إلى زمن لم تكن قراءة الصحف الرياضية مطاردة بفضائح الساحل واخبار الميديا الإلكترونية الراقصة والناطقة والمثيرة والمفبركة. لكن محمود صبري رئيس التحرير وفريق العمل قدموا عدداً خاصاً يليق بالمجلة التي أسسها إبراهيم حجازي وبـ150 سنة أهرام وبالدوري الأقوى في الشرق الأوسط منذ نشأته عام 1948، بالمنافسات العالمية وما افرزه من نجوم وتضمن؛ وثائق الأندية وأسماء اللاعبين وطرق اللعب والمدربين وأسرار الرحيل والهروب، وكيف تتحدى "الملاليم" صفقات بالملايين، ومدارس التدريب المصرية والأجنبية، وتنبؤات بمن سيربح الخمسين مليون هذا العام!
وملفات العدد لا تكتفي بالإحصاءات لكن بين السطور وتساؤلات ومشاغبات جر الشكل. وحفلت تقارير الخبراء محمد سيف الدين وياسر أيوب ورأفت الشيخ عن مشوار المسابقة بين الانضباط والتهاون والمجاملات ومرارة الانكسار ومفارقات النتائج. والمدربون الاجانب وعائلات الكرة وكنوز الأقاليم في قراءة صادقة للحياة في المجتمع وانعكاسها على المستطيل الاخضر!
وأتوقف أمام تقرير "المدير العام" عاطف عبد الواحد عن أزمة الملاعب بعد خروج استاد بتروسبورت من الخدمة بسبب كثرة المباريات، ففضلت إدارة نادي إنبي بعد الدمج مع نادي البنك اختيار استاد السلام لأنه أقرب لجماهير الزقازيق، وبعد دمج بتروجت مع "منتخب السويس" اختار فريقهما "المختلط" اللعب في استاد السويس الجديد وسط جماهير بلد الغريب.
وكالعادة كان "حمال الأسيّة" استاد القاهرة ـ ستاد ناصر سابقاً ـ الذي يئن بمباريات خمسة أندية هي الأهلي والزمالك والبنك الأهلي ومودرن سبورت وزد بجانب كل مباريات المنتخب. وما يثير علامات الاستفهام أن أندية الشركات التي تملك الكثير من المال مثل وادي دجلة وسيراميكا كليوباترا وزد لم تفكر في إقامة ملعب "دولي" خاص بها. ولو بشكل جماعي، ورغم اكتمال ملعبه الجديد لا يزال المصري البورسعيدي يلعب مبارياته مع الأهلي والزمالك وسموحة في برج العرب والسويس الجديد.. ويلعب بتروجت وأسوان في استاد أسمنت أسيوط.
والأندية الوحيدة التي لها ملاعبها.. هي: فلاحو غزل المحلة ومقاولون الجبل الأخضر، ومقاتلوا الجيش في استاد "الرياضة العسكري".. وبيراميدز في 30 يونيو والدفاع الجوي والاتحاد في الإسكندرية.
ولو كنت صاحب كلمة في دوري "الفتوات والحرافيش" لتجاهلت العمل بنصيحة الرئيس السادات فوراً حين تعرض النادي الأوليمبي لخطر الهبوط موسم 78/79 وأراد أن يجامل "نسيبه" عثمان أحمد عثمان ـ لأن الإسماعيلي كان طرفا في تلك الأزمة ايضا ـ فاستدعى الرئيس وزير الشباب في فندق فلسطين بالإسكندرية وقال له: "إحنا عندنا كم نادي في الدوري يا عبد الحميد؟" أجاب الوزير عبد الحميد حسن: "12 يا فندم"، فأخذ الرئيس نفساً من البايب واتكأ في مقعده ناظرا للسقف وأشار بيده بين تلافيف الدخان: "خليهم عشرين ولا تلاتين يعني الدنيا هتخرب اتصرف يا عبد الحميد!"، لكن "عبد الحميد الأصلي" لم يلغي الهبوط كما فعلنا الان لكنه تصرف بدورة رباعية فاز بها الأوليمبي وخرج منها الكروم ولم يعد!