كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة أن الولايات المتحدة تنتج من النفط أكثر مما تحتاج، وأنها لا تحتاج إلى نفط أحد، ولا سيما نفط الخليج.
هذه العبارة قد تكون صحيحة من زاوية، لكنها مضللة إذا أُخذت على إطلاقها.
فالولايات المتحدة أصبحت بالفعل أكبر منتج للنفط الخام في العالم. فطبقًا لوكالة الطاقة الأمريكية، بلغ إنتاجها في عام ٢٠٢٥ نحو ١٣,٦ مليون برميل يوميًا، بينما بلغ استهلاكها من المنتجات البترولية نحو ٢٠,٦ مليون برميل يوميًا.
ولكن لاختلاف نوعيات النفط الذي تحتاجه الولايات المتحدة، فهي مُصدِّر ومستورد للنفط في الوقت ذاته. ففي عام ٢٠٢٥ صدّرت نحو ٤ ملايين من النفط الخام الخفيف واستوردت ٦,٢ مليون برميل من النفط الخام الأثقل. السبب في هذا تقني بحت فلديها مصافٍ صُممت تاريخيًا لمعالجة كميات كبيرة من الخام الأثقل والأكثر احتواءً على الكبريت. ولذلك تستورد الولايات المتحدة كميات كبيرة من الخامات الثقيلة، وفي الوقت نفسه تجد سوقًا عالميًا لجزء من خامها المحلي الخفيف.
وتأتي كندا في مقدمة مصادر هذا الخام المستورد؛ فقد بلغ متوسط واردات الخام الكندي إلى الولايات المتحدة نحو ٣,٩ مليون برميل يوميًا في ٢٠٢٥. أما دول الخليج فبلغت صادراتها إلى الولايات المتحدة نحو ٤٩٠ ألف برميل يوميًا فقط، أي حوالي ٨% من إجمالي واردات الخام الأمريكية.
ومن هنا يبدو، للوهلة الأولى، أن الولايات المتحدة بعيدة نسبيًا عن أزمة الخليج.
فإذا توقف جزء كبير من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، فإن الولايات المتحدة لن تكون في الوضع نفسه الذي ستكون عليه دول مثل اليابان أو كوريا الجنوبية أو الهند، التي تعتمد بدرجة أكبر بكثير على النفط القادم من المنطقة.
لكن هنا تكمن المغالطة في القول إن أمريكا “لا تحتاج إلى نفط الخليج”.
فالنفط ليس مجموعة من الأسواق الوطنية المنفصلة؛ إنه سوق عالمي واحد تقريبًا.
إذا أدى إغلاق مضيق هرمز إلى إخراج ملايين البراميل من السوق العالمية، فلن يرتفع سعر النفط في آسيا وأوروبا وحدهما. بل سيرتفع السعر العالمي وسعر النفط المستورد في أمريكا، حتى لو لم تشترِ برميلًا واحدًا من الخليج.
وهنا تظهر المفارقة. هناك فرق كبير بين “الاعتماد على النفط الخليجي” و”التأثر بالنفط الخليجي”.
فالولايات المتحدة تستطيع أن تستبدل جزءًا كبيرًا من البراميل الخليجية ببراميل كندية أو من دول أخرى. لكنها لا تستطيع أن تمنع ارتفاع السعر العالمي الذي سرعان ما ينتقل من سعر الخام إلى أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات والشحن والنقل، ومن ثم إلى تكلفة إنتاج الغذاء والأسمدة والمواد الكيميائية وغيرها من السلع.
لذلك القول إن أمريكا تستطيع أن تستغني عن نفط الخليج صحيح، لكنها لا تستطيع أن تستغني عن السوق العالمية التي يشارك فيها ذلك البرميل.