البكاء بين المكاسب وإيذاء النفس

22-8-2026 | 12:52

من منا لم "يغلبه" البكاء أحيانًا؛ رغم "رفضه" النفسي الاستسلام له.. من منا لم يمنع نفسه من البكاء في بعض المواقف، من منا لم يشعر بالضعف عندئذ.

تتعدد أسباب البكاء؛ فقد نبكي بسبب فقدان من نحب أو لتعرضه لأذى ومرض شديد أو لمرورنا بأزمة صحية أو مادية وكثيرًا ما يحدث بسبب "تراكم" الضغوط..  

وكما قال الشاعر:
ومعظم النار من مستصغر الشرر

البكاء عندما "يسيطر" لا يفرق بين رجل وامرأة ولا صغير وكبير؛ وهذا لا يعني "السماح" له بالتحكم في إدارتنا للمواقف بالطبع؛ بل ننبه إلى ضرورة التعامل معه "بحكمة" للاستفادة من مكاسبه ومنعه من إيذائنا.

من أهم مكاسب البكاء "التنفيس" عن الوجع الداخلي، وبلغة الأطباء تخفيف "الاحتقان" حتى نستطيع رؤية الموقف الذي يؤلمنا "بهدوء" وبعيدًا عن المبالغات بسبب الشحن النفسي المتواصل.

يخلصنا البكاء من الضغط النفسي الداخلي الذي يجعلنا عرضة "للانفجار" في وجوه الآخرين على أتفه سبب؛ وكأننا مثل سلك الكهرباء غير المغطى الذي يؤذي من يلمسه.

كما يفيدنا البكاء؛ لأنه "ينبهنا" إلى ضرورة الاعتراف بما يؤلمنا والتوقف عن الإنكار أو المبالغة في تصويره وكأنه نهاية الحياة، والتي لا تنتهي واقعيًا إلا عندما نغادرها؛ وما دون ذلك نستطيع مواجهته بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع مهما كانت قسوته.

والبكاء رحمة من الخالق عز وجل؛ فلا مبرر لكبته؛ فالكبت ليس دليلًا على القوة، كما يتخيل البعض خاصة الرجال؛ بل هو مؤشر على القسوة على النفس وتحميلها ما يفوق طاقتها.

وبالطبع لا ندعو للبكاء ليلًا ونهارًا أو أمام الآخرين -مهما كانوا مقربين- فالأفضل احترام "خصوصية" البكاء وعدم إطلاع الآخرين عليه، وتجنب المبالغة فيه؛ فهو "كالمسكنات" تخفف الألم عند الاحتياج "فقط" وبشرط المسارعة بالعلاج، بينما "إدمانها" يتسبب في مشاكل خطيرة تعطل حياة من يختارها وتغيره للأسوأ دون وعي منه ولو بعد حين.

البعض من الجنسين "يندم" لأنه بكى أمام الآخرين، ويشعر أنه "تعرى" أمامهم بينما يستخدم البعض البكاء "للهروب" من دفع ثمن الأخطاء..

ولا نحب التعري النفسي أمام أحد، كما نرفض استخدام "سلاح" البكاء؛ فقد ينجح لبعض الوقت، ثم يتحول ضد من يستخدمه ولا يلتفت إليه أحد حتى لو كان صادقًا، كما أنه "يحرم" من يلجأ لاستخدامه من "مهارات" مواجهة مشاكله برأس "مرفوع" ترشحه للفوز بتقدير واحترام الآخرين وامتلاك "خبرات" تفيده والعكس صحيح جدًا.

من إيذاء النفس الربط بين البكاء "والتحسر" على النفس وزرع الشعور بقلة الحيلة، وربما بالهوان وقلة تقدير النفس، وذلك يقلل ويخصم من قدراتنا على مواجهة ما يؤلمنا بأفضل ما يمكننا..

والأذكى اعتباره وسيلة للتخلص من "السموم" النفسية بعد التعرض لما نكره والاغتسال من التعب النفسي والحزن؛ كما نغتسل بعد التعرض للأتربة لنعيد لأنفسنا صورتنا الجميلة.. فالدموع تغسل الوجع -عند استخدامها بحكمة- وتعيد للقلب والعقل الرونق الداخلي والسلامة والعافية؛ "بشرط" عدم المبالغة بالطبع في البكاء، وتجنب إخبار الآخرين بلجوئنا إليه؛ حتى لا نبدو كمن يستدر عطفهم وإشفاقهم؛ مما يقلل من مكانتنا عندهم وتقديرهم لنا وإن لم يصرحوا بذلك.

أيضًا من الأذى البحث عمن يمسح لنا دموعنا ويخفف عنا، وإن وجدناه أحيانًا فلن نجده دائمًا؛ ليس لأن البشر سيئون، والبعض كذلك بالطبع، ولكن لأن الجميع لديهم ما يؤلمهم ومن "العدل" التنبه لذلك، وألا نرمي مشاكلنا وهمومنا على الآخرين.

والأذكى الاستعانة بالرحمن ومواجهتها والتخفيف من حدتها -ما استطعنا- وتجزئتها وعدم التفكير فيها كلها مرة واحدة؛ حتى لا تنهك قوانا وتستنزف طاقاتنا أليس كذلك؟

نود ألا نجعل الآخرين يعتادون رؤيتنا ونحن نبكي؛ فقد نحصل على تعاطف يسعدنا في بادئ الأمر، ومع التكرار "سيضيقون" بنا وإن لم يصرحوا بذلك؛ فلا أحد يحب رؤية الباكي فالجميع لديه ما يحزنه ويلجأ "برغبته" للمساعدة من وقت لآخر وليس طوال الوقت لمن لا يفعل شيئًا لمساعدة نفسه.

البكاء "الذكي" وسيلة مؤقتة جدًا للتخفيف عن النفس بشرط أن يصاحبه "الطبطبة" على النفس وعدم انتظارها من الناس، حتى لو كانوا من المقربين، مع طمأنة النفس بأن الأمور ستسير على خير، وأن مع العسر يسرًا، وأن انتظار الفرج عبادة بالطبع مع الأخذ بالأسباب كلها، والتبرؤ من حولنا وقوتنا والتوكل بصدق على الرحمن الكافي وحده عز وجل، والتشاغل عما يحزننا بفعل أي شيء يسعدنا ومن نحب.

تؤذي بعض بنات حواء أنفسهن بالبكاء في العمل؛ وهو أمر يسيء إليهن كثيرًا ويضيع حقوقهن، والأفضل التماسك والتعامل "بصلابة" ولو قامت حواء "بتمثيلها" والتأكيد بأنها إنسانة كاملة الأهلية "وتستطيع" السيطرة على دموعها، ولا تخذل نفسها بالبكاء في العمل أبدًا؛ حتى لا تضع نفسها في مكانة "تخصم" منها؛ مهما كانت مجتهدة ومتميزة.

يؤكد الواقع أن البكاء لحل المشاكل الزوجية تأثيره مؤقت للغاية، وغالبًا ما يحدث الانفجار بعده؛ كما أن الزوج ينظر إليه كوسيلة "للخداع"..

ويجب على الوالدين أيضًا رفض لجوء الأطفال من الجنسين إلى البكاء "للتهرب" من العقاب وتعليمهم مبكرًا تحمل عواقب أخطائهم ليتمتعوا بشخصيات قوية تستطيع مواجهة مشاكل الحياة بأنواعها ودرجاتها والعكس صحيح.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: