22-8-2026 | 12:52

العالم يتوق لسلام شامل ودائم بعد أن أنهكته الحروب؛ حرب أوكرانيا ثم غزة ثم إيران. فمتى وكيف يحدث ذلك السلام المنشود الذي يبدو بعيد المنال؟ وهل تخرج علينا حمامة السلام القادمة وقد صبغها دخان الحروب بلون أسود قاتم؟!

هل يكون السلام القادم المنتظر سلاماً مهيضاً مهدداً بالهلاك بسبب قادة حروب متعطشين لدماء الأبرياء؛ بدعاوى كاذبة مضللة تتشدق بحماية العدالة وحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي؟!

ثمة معادلة عسكرية جديدة فرضت واقعاً مختلفاً بمنطقة الخليج؛ مفتاحها "مضيق هرمز".. معضلة استعصت على أمريكا ذاتها؛ وصار الاختيار الصعب أمام أقوى دولة في العالم؛ إما حرب خاسرة بلا طائل، وإما استدعاء حمامة سلام هزيلة ضامرة تكاد تموت هلعاً وإعياء!

بين الهيمنة والردع

لم تعد القوة العسكرية، مهما بلغت من التفوق، ضمانة أكيدة لتحقيق النصر السياسي؛ فالتاريخ الحديث، من فيتنام إلى أفغانستان، ومن العراق إلى أوكرانيا، يقدم الدرس نفسه بصور مختلفة قد تستطيع الجيوش تحطيم الجسور والمطارات والقواعد العسكرية، لكنها ستعجز أحياناً عن كسر إرادة الخصم أو فرض النتائج التي خُطط لها في غرف العمليات.. 

هذا درس تعلمناه من الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران؛ ففي أعقاب تصعيد مرعب تضمن موجة من الضربات المؤلمة المتبادلة توقفت أمريكا فجأة بلا سابق إنذار! هذا التوقف لم يكن قراراً تكتيكياً عابراً، ولا مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس، ولا إعلاناً لنصر، ولا كشفاً لمسار تكتيكي جديد.. فقط توقفت واشنطن تاركة خلفها علامات استفهام وتعجب بلا حصر!!

ولكي يتسنى لنا استيعاب القرار الأمريكي بوقف التصعيد، ينبغي أن نتجاوز الشعارات المعتادة حول القدرة والهيمنة السائدة في خطاب سياسة الخارجية الأمريكية، لنقفز مباشرة نحو القصة الحقيقية الأكثر مصداقية والأشد إزعاجاً لمن يبنون سردياتهم على أساس التفوق الأمريكي اللامحدود.

القصة التي تؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً بأن الإقليم على شفا تحولات هائلة لم نتصور يوماً أننا سنراها رأي العين. وأن توازنات القوى يعاد ترتيبها وتشكيلها من جديد طوعاً أو قسراً.. القصة التي تبدأ من عنوان رئيسي يتصدر كل صحف العالم "معضلة مضيق هرمز"!!

الكلمة الأخيرة للجغرافيا!

انقشع غبار الضربة الأولى الموجعة للغارات الأمريكية في أواخر فبراير الماضي لنكتشف ظهور أزمة لم تكن في الحسبان؛ أزمة مضيق هرمز!! فهذا الشريان البحري الضيق، الذي لا يزيد عرضه في أضيق نقاطه على نحو واحد وعشرين ميلاً بحرياً، ليس مجرد ممر للملاحة الدولية، بل هو أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية؛ ولهذا ظل المضيق لعقود جزءاً ثابتاً من العقيدة العسكرية الأمريكية منذ إعلان "مبدأ كارتر"، الذي اعتبر أمن الخليج جزءاً من الأمن القومي الأمريكي..

غير أن المواجهة الأخيرة كشفت أن التكتيك الإيراني تجاوز فكرة "إغلاق المضيق" بالمعنى التقليدي، إلى مفهوم أكثر تطوراً وتعقيداً؛ فبدلاً من محاولة منع السفن من العبور بالكامل، أصبحت الإستراتيجية الإيرانية تقوم على تحويل المضيق إلى منطقة عالية الخطورة، بحيث يصبح المرور ممكناً، لكنه مكلف ومحفوف بالمخاطر بصورة دائمة؛ إنها فلسفة "التحكم بالنيران"، لا الإغلاق التام.. هكذا صارت بطاريات الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، لا تعمل كأدوات منفصلة وإنما كمنظومة متكاملة هدفها رفع تكلفة السيطرة الأمريكية إلى الحد الذي يجعل استمرارها عبئاً إستراتيجياً لا مكسباً مضموناً.

في الأدبيات العسكرية الحديثة يعرف هذا النموذج باسم (منطقة منع الوصول والحرمان العملياتي)؛ أي بناء بيئة قتالية تجعل دخول الخصم إليها أو البقاء فيها مكلفاً إلى درجة قد تفوق الفوائد المنتظرة منها.. 

وبعد أن قام السيناريو الذي افترضته الإدارات الأمريكية المتعاقبة على أن التفوق البحري والجوي الأمريكي كفيل بتحييد أي محاولة إيرانية خلال فترة قصيرة، أثبت الواقع العسكري أن السيطرة على مضيق بحري ضيق في مواجهة خصم يمتلك عشرات الوسائل غير التقليدية ليست عملية خاطفة، وإنما حرب استنزاف مفتوحة، تتطلب وجوداً عسكرياً دائماً، وإنفاقاً متصاعداً، واستعداداً دائماً لاحتمال وقوع خطأ واحد قد يشعل المنطقة بأسرها.. بهذا الشكل تحولت الجغرافيا من مجرد مسرح للعمليات إلى عنصر ردع مستقل، يفرض شروطه على الطرفين معاً..

لعبة الاستنزاف

وإذا كانت الجغرافيا قد فرضت حدودها على حركة الأساطيل، فإن الاقتصاد الصناعي فرض حدوداً أكثر قسوة على معادلات الحرب وخططها؛ فالانطباع السائد لدى الرأي العام أن القوى العظمى تمتلك مخازن لا ينضب من الأسلحة والذخائر، لكن الحقيقة مختلفة تماماً..

لم تعد الحروب الحديثة تقاس فقط بعدد الطائرات أو السفن، وإنما بقدرة المصانع على تعويض ما يستهلك في ميدان القتال..

وخلال الجولة القتالية الأخيرة من المواجهة، ظهرت معادلة لافتة؛ إيران اعتمدت بصورة واسعة على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بينما اضطرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن لاعتراض كل موجة هجومية للدرجة التي جعلت البنتاجون يدق ناقوس الخطر!!

المعادلة الحربية اختلت تماماً؛ فالصاروخ الاعتراضي الواحد تبلغ كلفته ملايين الدولارات، ويستغرق شهورًا طويلة لتصنيعه.. أما وسائل الهجوم المقابلة، فتكلفتها أقل كثيراً، ويمكن إنتاجها بوتيرة أسرع، ومع مرور الوقت، لا تصبح المشكلة في إسقاط الصاروخ القادم، وإنما في القدرة على توفير الصاروخ الاعتراضي التالي! إنها معادلة الاستنزاف العسكري!!

حين أدرك المخططون الأمريكيون أن استمرار المواجهة بالوتيرة ذاتها مهلك لمخزونات الدفاع الصاروخي بصورة تؤثر على جاهزية القوات الأمريكية أمام الصين مستقبلاً، جاء القرار السريع والمفاجئ بوقف التصعيد، فيما يمكن وصفه بـ"الاستراحة الصناعية"؛ أي منح المجمع الصناعي العسكري الوقت اللازم لإعادة إنتاج ما استهلك، وإعادة بناء المخزونات قبل التفكير في أي جولة جديدة، وهذا تطور بالغ الخطورة؛ فالولايات المتحدة بنَت عقيدتها العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة على فرضية الحسم السريع، لا الحروب الطويلة.. لكن ما كشفته إيران هو أن الخصم ليس مضطراً إلى امتلاك قوة مساوية للقوة الأمريكية حتى يفرض معادلة استنزاف مؤلمة، بل يكفي أن يمتلك القدرة على الصمود، وعلى دفع خصمه إلى إنفاق موارد أكثر مما يستطيع تعويضه بالسرعة المطلوبة.

وفي عالم تتزايد فيه بؤر التوتر، وتتشابك فيه الالتزامات العسكرية.  الأمريكية من أوروبا إلى بحر الصين الجنوبي، تصبح إدارة المخزون الإستراتيجي للذخائر قضية لا تقل أهمية عن إدارة المعارك نفسها.. 

معادلة التوازن الجديدة

إذا كانت الجغرافيا قد فرضت حدودها على حركة الأساطيل، وإذا كانت اللوجستيات قد كشفت أن للحرب سقفًا صناعياً لا يمكن تجاوزه، فإن ثمة مفارقة ثالثة لا يمكن إغفالها في رسم مسار المعركة تتمثل في شخصية الخصم.. هناك فجوة بين تصورات أمريكا المبدئية وقت دخولها الحرب حول إيران، وأنها لا تختلف عن فنزويلا، وبين حقيقة الشخصية الإيرانية، وهذا ما أثبتته التجربة على الأرض..

إن العقوبات، والضربات العسكرية، والعزلة الدولية لم تؤتِ ثمارها مع إيران التي رزحت تحت حصار دام لسنوات طويل، بل إنها تحولت لأدوات تعبئة سياسية، وإلى مبرر يمنح الأنظمة مزيدًا من الشرعية في الداخل، وهكذا تسببت القوة في مزيد من التصلب، وصار الضغط وقوداً لمزيد من التشدد.. وهذه بالمناسبة ليست ظاهرة إيرانية خالصة؛ فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة لدول وحركات سياسية ازدادت تماسكًا كلما تعرضت لضغوط خارجية أكبر، لأن المجتمعات في لحظات التهديد الوجودي تميل إلى الالتفاف حول السلطة، لا إلى الثورة عليها. 

ومن هنا يمكن فهم قرار واشنطن بوقف التصعيد باعتباره اعترافاً غير معلن بأن أدوات الإكراه العسكري لم تحقق الغاية السياسية المرجوة.

وبهذا يمكننا أن نستقرئ معادلة توازن جديدة ترتسم ملامحها على خارطة المعركة: فالجغرافيا فرضت قيودها، واللوجستيات فرضت حدودها، وطبيعة الخصم فرضت حساباتها، ولم يعد السؤال حول الطرف الأقوى، بل الأكثر قدرة على تحمل كلفة الصراع لمدة أطول.. فيما يمكن تسميته: "توازن الردع غير المتكافئ"؛ حيث الطرف الأضعف يملي شروطه ويفرض سياساته!

نعم ما زالت أمريكا تتمتع بأعظم قوة عسكرية، ولا توجد مقارنة كمية أو تقنية بينها وبين إيران، لكن امتلاك القوة شيء، والقدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية شيء آخر تماماً..

لقد أثبتت المواجهة الأخيرة أن الدولة الأضعف ليست مضطرة لهزيمة خصمها حتى تحقق أهدافها، يكفيها أن تمنعه من تحقيق أهدافه، ويكفيها أن تجعل تكلفة النصر أعلى من المكاسب المتوقعة منه، وهذا هو جوهر الردع في القرن الحادي والعشرين..

سلام بارد قادم

في ظل هذه المعادلة الجديدة، تبدو العودة للدبلوماسية والمفاوضات كأنها تسير على سلك مشدود؛ كل طرف يريد اتفاقاً دون أن يظهر بمظهر المتراجع.. وكل طرف يسعى إلى تسوية من غير أن يمنح خصمه حق ادعاء النصر! 

وليس صحيحاً تماماً أن الولايات المتحدة خرجت منهزمة، كما أنه من الخطأ القول بأن إيران خرجت منتصرة رابحة.. فالذي تغير، في الحقيقة، أعمق مما يبدو..

لقد شهدنا واحدة من اللحظات التاريخية المصيرية؛ التي تتحول فيها قواعد اللعبة الإقليمية تحولاً كاشفاً.. تحولاً أكد أن قدرة القوة العظمى على فرض الإرادة لم تعد مطلقة كما كانت، وأنها ستضطر في النهاية للرضوخ لمنطق العقل الذي سيفرض الحل الدبلوماسي عاجلاً أو آجلاً.. وسوف يأتي السلام حتماً، لكنه ليس السلام الذي عهدناه قديماً! 

إن السلام الذي يلوح في الأفق ليس سلام المنتصرين، بل سلام الضرورة؛ سلام بارد هش قابل للسقوط في أي لحظة! لكنه يبقى، حتى إشعار آخر، أقل الخيارات كلفة وأكثرها واقعية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة