ظلت سواحل مصر ومصايفها تمثل حالة من الرقي، نقلتها السينما في أجمل حالاتها، ومنها مصايف المنتزه، والمعمورة، والعجمي، وحتى الساحل القديم الممتد من الكيلو 21 حتى الكيلو 103، مثل مارينا وسيدي كرير، والذي يتميز بقربه من الإسكندرية وسهولة الوصول إليه. وكانت تنتشر فيه الشاليهات والفيلات التي امتلكها أو استأجرها مشاهير المجتمع، إلى جانب قرى الساحل ومصايف مطروح وبلطيم، وغيرها من المصايف في مدن الإسماعيلية وبورسعيد.
ورغم اختلاف الأزمنة والأجيال، لم نكن نسمع عن حوادث أو مشاهد خروج على العادات والتقاليد التي عُرفت بها الأسرة المصرية. فصور أم كلثوم في المصيف، أو عبدالحليم حافظ، أو حتى الملك فاروق وأسرته، وغيرها من صور مشاهير مصر، لم تكن تحمل ما يخدش الحياء، وإنما كانت تعكس صورة الأسرة المتماسكة والعائلة التي تستمتع بوقتها، وهي محافظة على قيمها وتقاليدها.
ومع ظهور ما عُرف إعلاميًا بـ«الساحل الشرير»، الممتد من الكيلو 103 وصولًا إلى مرسى مطروح، والذي يضم أحدث وأفخم المشروعات السياحية، وإقامة حفلات كبار الفنانين، وظهور تجمعات مغلقة وأخرى مفتوحة، بدأت موجة جديدة من كشف عورات المجتمع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وانفتاح غير محسوب على نشر التفاصيل الخاصة، بصورة أثارت دهشة كثيرين مما يحدث.
مشاهد لفتيات يستغثن من التحرش وسط الزحام في حفلات المطربين، وخلافات عائلية تتطور إلى اعتداءات، وتشابك بالأيدي في أفخم الفنادق والقرى السياحية، كلها جعلت الساحل الشمالي، في بعض التغطيات، مصدرًا لتشويه صورة الأسر والمصايف، التي كانت في الماضي عنوانًا للترفيه الراقي والمحترم.
في العجمي كانت تُعرض مسرحيات كبار النجوم، وعلى شواطئها أقام نجوم كبار، مثل فريد شوقي وسمير غانم، وفي المنتزه صُورت أفلام من زمن السينما الجميل.
كانت تلك الأماكن جزءًا من ذاكرة المصريين، تحمل صورًا للبهجة والاحتشام والأسرة. لكن هذه الصورة تبدلت مع ظهور ما عُرف بـ«الساحل الشرير».
وأصبح السؤال المثير للاهتمام: لماذا تهتز صورة الأسرة في «الساحل الشرير»، وتصبح حكايات المشاهير والخلافات العائلية هي الوجه الأكثر حضورًا كل عام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟
ما حدث منذ أيام من اشتباكات عائلية كان أحد أطرافها مدرب كرة قدم، يأتي امتدادًا لخلافات سابقة، وهو أمر يجب أن يتنبه إليه الجميع، لأن تكرار مثل هذه الوقائع لا يسيء إلى أصحابها وحدهم، وإنما قد يطغى على إنجازاتهم ومسيرتهم، ويحوّل خلافًا خاصًا إلى «علكة» في فم الناس، وليس في الساحل الشمالي وحده.
حفلات الساحل أمر مطلوب، وهي جزء من صناعة السياحة والترفيه، لكن أن تتحول بعض الحفلات إلى مصدر لإزعاج الناس، أو إلى مشاهد تشوه صورتنا أمام العالم، فهذا ما يستوجب التوقف عنده.
فالمصايف لم تنشأ لنشر الخلافات والتفكك الأسري، وينبغي أن نتعامل مع هذه الوقائع باعتبارها مجرد خصوصيات لأصحابها، لأن نشرها على نطاق واسع يجعلها صورة عامة عن مجتمع بأكمله، وهي صورة لا تتفق مع قيمنا وعاداتنا.
كذلك فإن تصوير مقاطع فيديو للتفاخر بما يسمى «الساحل الشرير»، والتباهي بأن زجاجة المياه المعدنية تجاوز سعرها الألف جنيه، وأن فنجان القهوة بلغ 500 جنيه، كلها مشاهد تصب في الجانب السلبي، وتبدو وكأنها مباراة في رفع ضغط دم المصريين، يتنافس فيها بعض سكان ورواد الساحل على إظهار مظاهر الثراء بصورة مبالغ فيها.
الساحل ليس المشكلة، والاحتفال ليس المشكلة، والثراء ليس جريمة، لكن المشكلة في أن تتحول الحياة الخاصة إلى استعراض علني، وأن تصبح الخلافات مادة للتداول، وأن تتحول بعض مظاهر الرفاهية إلى استفزاز لمجتمع يعاني أعباء اقتصادية كبيرة.
لقد كانت مصايف مصر، في صورتها القديمة، مساحة للفرح والراحة ولمّة الأسرة، وذاكرة جميلة ارتبطت بنجوم السينما والموسيقى والفن. وربما نحتاج اليوم إلى استعادة شيء من هذه الروح؛ أن يظل الساحل مكانًا للبهجة، لا ساحة للخلافات، وأن تبقى الأسرة المصرية حاضرة في المشهد، لا باعتبارها نموذجًا للمثالية، وإنما باعتبارها قيمة تستحق أن نحافظ عليها.
فالساحل يمكن أن يكون عنوانًا للرفاهية، لكن الأجمل أن يكون أيضًا ساحلًا للأخلاق الحميدة.