«القصص» لأبو بكر شوقي.. السينما المصرية تعبر الحدود إلى فيينا| صور

21-8-2026 | 20:20
;القصص; لأبو بكر شوقي السينما المصرية تعبر الحدود إلى فيينا| صور القصص تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا
فيينا - دعاء أبوسعدة

تحت سماء فيينا المفتوحة، وفي أجواء امتزج فيها سحر السينما بذاكرة المكان، عُرض الفيلم المصري «القصص» للمخرج والكاتب أبو بكر شوقي، في فعالية ثقافية حملت السينما من قاعات العرض المغلقة إلى فضاء مفتوح للحوار بين الثقافات، وذلك بالتعاون بين جمعية العلاقات النمساوية العربية وسينما فولكسكينو فيينا، وبحضور المستشار الثقافي الدكتور خالد أبو شنب، مدير مكتب مصر للعلاقات الثقافية والتعليمية، والسيد فريتز فروليش، رئيس جمعية العلاقات النمساوية العربية، إلى جانب جمهور نمساوي ومصري ودولي.

موضوعات مقترحة

وجاء عرض الفيلم في حديقة برونو كرايسكي بفيينا بوصفه أكثر من أمسية سينمائية، إذ حمل في جوهره فكرة تأسيس أسبوع سينمائي صيفي عربي سنوي في فيينا، تُعرض خلاله أعمال مختارة من السينما العربية، لتكون الشاشة مساحة للتعارف الإنساني، وتبادل الرؤى، وتفكيك الصور النمطية، وتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل.

وتأتي المبادرة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مساحات ثقافية قادرة على مواجهة العنصرية والتحيز والإسلاموفوبيا بالحوار والمعرفة، لا بالشعارات، مع تقديم صورة أكثر اتساعًا وتنوعًا عن الثقافة العربية وإبداعاتها المعاصرة.

«القصص».. حكاية حب في مواجهة الزمن

الفيلم، الذي يحمل عنوانه العربي «القصص» (The Stories)، هو أحدث أعمال أبو بكر شوقي، وقد اكتمل عام 2025، وصُوّر بين مصر والنمسا، وتدور أحداثه بين الستينيات ومنتصف الثمانينيات.

وتدور حكايته حول أحمد، الشاب المصري الذي يحلم بأن يصبح عازف بيانو، قبل أن تبدأ حياته في التحول إثر مراسلاته مع شابة نمساوية تدعى ليز.

وتتحول الرسائل تدريجيًا من صداقة بعيدة إلى علاقة إنسانية وعاطفية تصمد أمام الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية.

ويشارك في بطولة الفيلم أمير المصري، نيللي كريم، فاليري باشنر، أحمد كمال، كريم قاسم، خالد مختار، وعدد من الفنانين، فيما تولى أبو بكر شوقي الكتابة والإخراج.

ويحمل الفيلم بُعدًا شخصيًا لافتًا، إذ استلهم شوقي جانبًا أساسيًا من فكرته من قصة تعارف والديه، فوالده مصري ووالدته نمساوية، وبدأت علاقتهما عبر رسائل متبادلة في سبعينيات القرن الماضي.

ومن هذه الحكاية الخاصة، بنى المخرج عالمًا أوسع يتقاطع فيه الخاص مع العام، والحب مع التاريخ، والأسرة مع تحولات الوطن.

وبذلك تصبح الرسائل في الفيلم أكثر من وسيلة للتواصل،

إنها استعارة عن زمن كان فيه الوصول إلى الآخر يحتاج إلى صبر وانتظار، وعن قدرة الإنسان على بناء جسر مع شخص بعيد، رغم اختلاف اللغة والمكان والثقافة.

المستشار الثقافي: السينما تفتح أبوابًا لا تستطيع السياسة وحدها فتحها

وفي كلمته خلال الأمسية، أكد المستشار الثقافي الدكتور خالد أبو شنب أن عرض «القصص» في فيينا يمثل نموذجًا حيًا لما تستطيع الثقافة أن تفعله حين تتحول إلى مساحة لقاء حقيقية بين الشعوب.

وأشار إلى أن أهمية الفيلم لا تنبع فقط من كونه عملًا مصريًا معاصرًا يُعرض أمام الجمهور النمساوي، وإنما من قدرته على الاقتراب من الإنسان بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور الجاهزة، موضحًا أن السينما تتيح للجمهور أن يرى الآخر من الداخل، وأن يكتشف تفاصيل حياته وأحلامه ومخاوفه، بدلًا من أن يراه من خلال صورة نمطية مسبقة.

وأكد أبو شنب أن التعاون الثقافي بين مصر والنمسا لا ينبغي أن يظل محصورًا في المناسبات الرسمية، بل يحتاج إلى مشروعات مستمرة تتيح للجمهور النمساوي التعرف إلى الثقافة المصرية والعربية من خلال الأدب والموسيقى والفنون والسينما.

وقال إن إقامة أسبوع سينمائي عربي صيفي بصورة دورية في فيينا يمكن أن تمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لأنها تجعل الثقافة وسيلة للحوار اليومي، وتمنح الجمهور فرصة للقاء مباشر مع قصص وتجارب إنسانية تنتمي إلى عالم عربي شديد التنوع.

ورأى أن «القصص» يحمل خصوصية إضافية لأنه ينتمي في جزء كبير من حكايته إلى المساحة المشتركة بين مصر والنمسا، بما يجعل عرضه في فيينا ذا دلالة رمزية، فالفيلم نفسه نشأ من علاقة عبرت الحدود، كما أن عرضه اليوم يعيد السينما لتؤدي الدور ذاته، العبور من ثقافة إلى أخرى.

فريتز فروليش: لا يمكن بناء المستقبل من دون معرفة الآخر

ومن جانبه، وضع السيد فريتز فروليش، رئيس جمعية العلاقات النمساوية العربية، المبادرة في إطار أوسع من مجرد تنظيم عرض سينمائي، مؤكدًا أن السينما يمكن أن تكون إحدى الأدوات الأكثر فاعلية لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة العربية وأوروبا خلال العقود الماضية.

وأشار فروليش إلى أن «القصص» يستعيد فترة تاريخية شديدة الاضطراب، بدأت في أواخر الستينيات، وهي مرحلة شهدت تحولات عميقة في الشرق الأوسط، بالتوازي مع انفتاح سياسي وثقافي في النمسا، لافتًا إلى الدور الذي لعبه المستشار النمساوي الراحل برونو كرايسكي في قضايا المنطقة ومحاولاته الدفع باتجاه الحوار والسلام.

وأوضح أن الفيلم لا يقدم التاريخ بوصفه مجموعة من الأحداث السياسية المجردة، وإنما يضع تلك التحولات داخل حياة أسرة عادية، حيث تصبح الحروب والأزمات والقرارات السياسية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للناس، ومن أحلامهم وعلاقاتهم ومستقبلهم.

وأكد فروليش أن الهدف من إطلاق أسبوع سينمائي عربي صيفي في فيينا هو فتح مساحة مستمرة للتواصل بين الثقافات، بحيث لا تكون العلاقة بين النمسا والعالم العربي محصورة في السياسة أو الاقتصاد، وإنما تمتد إلى الثقافة والسينما والإنسان.

وأضاف أن أوروبا والعالم العربي يرتبطان تاريخيًا بروابط عميقة، وأن استعادة هذه الروابط لا تعني العودة إلى الماضي بقدر ما تعني بناء فهم جديد للمستقبل، يقوم على معرفة الآخر واحترامه، وعلى مقاومة الصور النمطية التي تختزل مجتمعات بأكملها في تصورات جاهزة.

من تاريخ المنطقة إلى تفاصيل البيت المصري

ويأخذ «القصص» المشاهد إلى مصر عام 1967، حيث يعيش أحمد داخل أسرة مصرية تتقاطع حياتها الخاصة مع التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها البلاد.

وبين حلمه بالموسيقى ومراسلاته مع ليز، تتكشف أمام المشاهد حكاية عائلة تحاول أن تحافظ على تماسكها في زمن تتبدل فيه الظروف من حولها.

ويستخدم شوقي تفاصيل الحياة اليومية، من الموسيقى وكرة القدم والأغاني ونشرات الأخبار إلى العلاقات العائلية، بوصفها علامات زمنية تكشف تغير المجتمع من الداخل، بينما تتطور قصة أحمد وليز عبر سنوات طويلة، لتصبح المراسلات بينهما خيطًا رفيعًا يصل القاهرة بفيينا.

وهنا تكمن إحدى أكثر طبقات الفيلم إنسانية، فبينما كانت السياسة ترسم الحدود بين الدول، كانت رسالة صغيرة قادرة على عبور تلك الحدود والوصول إلى قلب إنسان آخر.

ويمنح هذا التناقض الفيلم قوته، فالتاريخ الكبير يمر في الخلفية، بينما يظل الإنسان في المقدمة، يحاول أن يحب، وأن يحلم، وأن ينجو، وأن يصنع لنفسه مكانًا في عالم لا يتوقف عن التغير.

السينما في الهواء الطلق.. والمدينة تتحول إلى شاشة

ولم يكن اختيار العرض في الهواء الطلق تفصيلًا عابرًا؛ فقد منح الجمهور تجربة مختلفة، جعلت الفيلم جزءًا من المشهد الحضري لفيينا، وجمعت بين الجمهور المصري والنمساوي في فضاء واحد، بعيدًا عن الرسميات، وفي أجواء صيفية مفتوحة.

وبدا المشهد نفسه وكأنه امتداد لفكرة الفيلم: وجوه مختلفة تجتمع حول قصة واحدة، وثقافتان تلتقيان أمام شاشة واحدة، وتاريخان يتقاطعان من خلال حكاية شخصية.

ويأتي العرض النمساوي بعد مشاركات الفيلم في عدد من المهرجانات الدولية، وقبل أن يبدأ عرضه في النمسا، حيث حدد المعهد النمساوي للسينما طرحه في دور العرض النمساوية اعتبارًا من 10 يوليو 2026، بينما بدأ عرضه في مصر في 17 يونيو 2026.

وفي نهاية الأمسية، لم يكن «القصص» مجرد فيلم غادر الشاشة بانتهاء تترات النهاية،

فقد ترك وراءه سؤالًا أكبر من الحكاية نفسها:

كيف يمكن للثقافة أن تعيد بناء ما هدمته الصور النمطية، وأن تجعل من الاختلاف بداية للتعارف لا سببًا للخوف؟

ومن هذه الزاوية، تبدو فكرة أسبوع السينما العربية في فيينا أكثر من مشروع ثقافي،

إنها محاولة هادئة لإعادة اكتشاف المساحات المشتركة بين ضفتي المتوسط، وجعل السينما لغة للحوار حين تعجز اللغات السياسية عن الوصول إلى الإنسان.


 القصص  تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا القصص تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا

 القصص  تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا القصص تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا

 القصص  تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا القصص تحت سماء فيينا.. حين تتحول السينما إلى جسر بين مصر والنمسا
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة