تدخل الشراكة المصرية الإماراتية في قطاع البترول مرحلة جديدة مع استكمال إجراءات تأسيس شركة «الفجيرة العلمين للنفط والغاز»، التي تستهدف إنشاء وتشغيل وإدارة منطقة لوجستية لتخزين وتداول الزيت الخام والمنتجات البترولية بميناء الحمراء البترولي بمدينة العلمين الجديدة، بما يعزز من فرص تحويل الموقع إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة.
موضوعات مقترحة
وكان المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، قد ثمّن اليوم الجمعة إتمام إجراءات تأسيس الشركة وعقد اجتماع جمعيتها التأسيسية بميناء الحمراء، مؤكدًا أن الخطوة تمثل انتقالًا من مرحلة التخطيط والاتفاقات إلى التنفيذ الفعلي، وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمارات المشتركة في استقبال وتخزين وتداول وتجارة البترول الخام والمنتجات البترولية.
وأوضح الوزير أن المشروع يأتي ضمن استراتيجية وزارة البترول لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من البنية الأساسية القائمة، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول البترول والطاقة، مشيرًا إلى ما يتمتع به ميناء الحمراء من موقع استراتيجي على البحر المتوسط وبنية أساسية وطاقات تخزينية وإمكانات لوجستية تؤهله للقيام بدور محوري في حركة تجارة وتداول البترول إقليميًا ودوليًا.
منطقة الحمراء
وفي قراءة فنية لأهمية المشروع، قال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول السابق والخبير البترولي، في تصريحات لـ«بوابة الأهرام»، إن منطقة الحمراء تمثل في الأساس منطقة مهمة لتجميع إنتاج الزيت الخام من مناطق الصحراء الغربية.
وأوضح أن الإنتاج البترولي من الصحراء الغربية مرتبط بخطوط نقل مع مستودعات شركة بترول الصحراء الغربية «ويبكو» ومنظومة شركة أنابيب البترول، بما يسمح بتوجيه الخام إلى معامل التكرير في الإسكندرية، وهو ما يمنح ميناء الحمراء أهمية تتجاوز كونه مجرد ميناء لاستقبال أو تخزين الخام.
وأشار يوسف إلى وجود خط ربط آخر بين المنطقة وميناء الحمراء، يمكن من خلاله استقبال وتصدير النفط، إلا أن هذا الخط لا يعمل بكامل طاقته، وهو ما يفتح المجال أمام الاستثمارات الجديدة لتعظيم الاستفادة من البنية الأساسية القائمة ورفع معدلات تشغيلها.
الاستهلاك المحلي
ولفت نائب رئيس هيئة البترول السابق إلى أن منطقة العلمين والساحل الشمالي لا تتمتع بمعدلات استهلاك مرتفعة للمنتجات البترولية على مدار العام، نظرًا لضعف النشاط الصناعي مقارنة بمناطق أخرى، إلى جانب الطبيعة الموسمية للمنطقة وارتفاع معدلات الاستهلاك خلال أشهر الصيف.
وأكد أن محافظة مطروح مؤمَّنة من احتياجاتها من المنتجات البترولية، سواء البوتاجاز أو البنزين بأنواعه أو السولار أو المازوت، من خلال منظومة معامل التكرير في الإسكندرية.
وأضاف أن هناك إمكانية، عند الحاجة، لنقل كميات من السولار والمازوت عبر الناقلات البحرية من ميناء الدخيلة إلى ميناء الحمراء، بما يدعم مرونة منظومة إمدادات المنتجات البترولية في المنطقة.
مشروعات جديدة
وأشار يوسف إلى أن تطوير وتوسعة ميناء الحمراء خلال الفترة الماضية عززا من قدرته على القيام بأدوار أكبر في تخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية.
ويتفق ذلك مع توجه وزارة البترول التي أعلنت في وقت سابق أن أعمال التطوير والتوسعات بالميناء تستهدف تحويله إلى مركز محوري ومنطقة لوجستية لتخزين وتداول البترول الخام والمنتجات البترولية على ساحل البحر المتوسط.
كما اعتمدت وزارة البترول في فبراير 2026 استحداث نشاط تخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية لحساب الغير بمنطقة ميناء الحمراء، في خطوة تستهدف زيادة الاستفادة الاقتصادية من إمكانات الميناء وتعظيم إيرادات الشركة المشغلة له.
وأوضح يوسف أن البنية الأساسية للميناء يمكن أن تخدم مستقبلًا إنشاء مشروعات تكرير جديدة، مشيرًا إلى أن إقامة معمل لتكرير النفط تحتاج بطبيعتها إلى فترة زمنية طويلة قد تصل إلى عدة سنوات، وبالتالي فإن الاستفادة الحالية من الميناء في التخزين والتداول والتجارة تمثل مسارًا أكثر سرعة وواقعية لتحقيق عوائد اقتصادية من الإمكانات المتاحة.
لماذا الشراكة مع الفجيرة؟
ويرى الخبير البترولي أن القيمة الأساسية للشراكة المصرية الإماراتية لا ترتبط فقط بإقامة منشآت تخزينية جديدة، وإنما بالاستفادة من الخبرات التي تمتلكها إمارة الفجيرة في مجال تخزين وتداول وتسويق النفط والمنتجات البترولية.
وقال إن مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز تتمتع بخبرات وقدرات تسويقية كبيرة في منطقة الخليج العربي، فضلًا عن مكانة الفجيرة كأحد المراكز المهمة لتخزين وتداول المنتجات البترولية ووقود السفن عالميًا.
وبالتالي، فإن دخول الخبرة الإماراتية إلى ميناء الحمراء يمكن أن يضيف بعدًا تجاريًا وتسويقيًا إلى البنية الأساسية المصرية، بحيث لا يقتصر دور الميناء على استقبال الخام وتخزينه، وإنما يمتد إلى تداول وتسويق الخام والمنتجات البترولية والاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر على البحر المتوسط.
وكانت مصر والإمارات قد اتفقتا على تطوير ميناء الحمراء في إطار التعاون والتكامل مع مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز، مع نقل الخبرات وتطبيق أحدث النظم والتقنيات المستخدمة في هذا المجال.
تعظيم القيمة الاقتصادية للبنية الأساسية المصرية
وأكد مدحت يوسف أن تأسيس شركة «الفجيرة العلمين للنفط والغاز» يمثل، من الناحية الاقتصادية والفنية، محاولة لتعظيم استغلال البنية الأساسية الموجودة بالفعل في ميناء الحمراء، بدلًا من إنشاء منظومة جديدة بالكامل من الصفر.
وتأتي هذه الرؤية متوافقة مع ما أعلنته وزارة البترول اليوم، حيث أكدت أن الشركة الجديدة ستعمل على تنفيذ وتشغيل وإدارة منطقة لوجستية لتخزين وتداول الزيت الخام والمنتجات البترولية، بما يعظم الاستفادة من الإمكانات والبنية الأساسية والخبرات المتاحة لدى الجانبين المصري والإماراتي.
وأكد الوزير كريم بدوي أن الشراكة تستهدف تطبيق أحدث نظم التشغيل والإدارة العالمية في مراكز تخزين وتداول وتجارة البترول، مع الاستفادة من الخبرات العالمية المتخصصة والالتزام بأعلى معايير السلامة والصحة المهنية وحماية البيئة وكفاءة التشغيل.
من ميناء محلي إلى مركز إقليمي
وتكشف تصريحات الخبير البترولي وبيانات وزارة البترول عن أن الرهان الحقيقي على المشروع يتمثل في تغيير طبيعة الدور الذي يقوم به ميناء الحمراء، من مجرد أحد الموانئ المرتبطة بحركة إنتاج وتداول الخام محليًا، إلى مركز قادر على خدمة تجارة النفط والمنتجات البترولية على المستوى الإقليمي والدولي.
وتتمتع مصر في هذا الإطار بموقع جغرافي استراتيجي على البحر المتوسط، بينما تمتلك الفجيرة خبرة متقدمة في أنشطة التخزين والتداول والتسويق، وهو ما يجعل التكامل بين الطرفين قائمًا على الجمع بين الموقع والبنية الأساسية المصرية من جانب، والخبرة التشغيلية والتجارية الإماراتية من جانب آخر.
وسبق أن أكدت وزارة البترول أن التعاون مع إمارة الفجيرة يستهدف استثمار الموقع الجغرافي المتميز لمصر والبنية التحتية المتطورة لدى قطاع البترول بميناء الحمراء، وتحويل المنطقة إلى منطقة لوجستية لتداول المنتجات البترولية، بما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار بين البلدين.
ماذا عن الغاز الطبيعي؟
وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، يرى مدحت يوسف أن الاستفادة المحتملة من موقع الحمراء في هذا النشاط ترتبط أساسًا بإمكانية استقبال الغاز الطبيعي المسال المستورد، سواء من خلال سفن التغييز وإعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية، أو من خلال إنشاء محطات أرضية لإعادة التغويز وربطها بشبكة الغاز الطبيعي الموجودة في المنطقة.
وتأتي هذه الرؤية في ظل اعتماد مصر بالفعل على بنية أساسية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادته إلى حالته الغازية وضخه في الشبكة القومية، ضمن جهود تأمين احتياجات السوق المحلية.
استراتيجية مركز الطاقة الإقليمي
ويعكس تأسيس الشركة الجديدة تطورًا في مسار التعاون المصري الإماراتي الذي بدأ بخطوات لدراسة الاستفادة من تجربة الفجيرة في البنية الأساسية لتخزين وتداول البترول، وصولًا إلى تأسيس كيان مشترك يعمل بصورة فعلية في ميناء الحمراء.
وكانت وزارة البترول قد وقعت في أغسطس 2024 مذكرة تفاهم مع حكومة دولة الإمارات للاستفادة من المنظومة المتكاملة لمنطقة الفجيرة البترولية وتطبيقها في ميناء الحمراء، بهدف تعظيم دور مصر كمركز إقليمي لتداول البترول الخام والمنتجات البترولية واستغلال الموانئ والسعات التخزينية والأرصفة البحرية.
كما شهد أكتوبر 2025 توقيع اتفاقية تعاون لتأسيس شركة مساهمة مصرية لإنشاء منطقة لوجستية لتخزين وتداول الزيت الخام والمنتجات البترولية بحوض البحر المتوسط في منطقة العلمين، إلى جانب عقد لتخزين الخام باستخدام تسهيلات ميناء الحمراء.
وبذلك، تبدو شركة «الفجيرة العلمين للنفط والغاز» بمثابة حلقة تنفيذية جديدة في هذا المسار، إذ تنقل التعاون من مستوى الاتفاقات ومذكرات التفاهم إلى كيان استثماري يستهدف تشغيل وإدارة منطقة لوجستية متخصصة.
وتراهن وزارة البترول على أن هذه الخطوة ستعزز تنافسية القطاع وترفع كفاءة استغلال البنية الأساسية، بينما يرى الخبراء أن القيمة الأكبر لمصر تتمثل في الجمع بين الموقع الاستراتيجي لميناء الحمراء والخبرات الإماراتية في التخزين والتداول والتسويق، بما قد يمنح مصر مساحة أكبر في سوق تجارة النفط والمنتجات البترولية بالمنطقة.