لم يعد مشروع «الفجيرة العلمين للنفط والغاز» مجرد اتفاق جديد بين مصر والإمارات في قطاع الطاقة، وإنما يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة مصر على تحويل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية البترولية إلى مصدر جديد للقيمة الاقتصادية، عبر الدخول بقوة في سوق تخزين وتداول النفط والمنتجات البترولية.
موضوعات مقترحة
ومع إتمام إجراءات تأسيس الشركة المصرية الإماراتية وعقد جمعيتها التأسيسية بميناء الحمراء البترولي في العلمين الجديدة، تتجه مصر إلى مرحلة جديدة في التعامل مع تجارة الطاقة، تقوم على استغلال موقع ميناء الحمراء على البحر المتوسط، وربطه بشبكة البنية التحتية البترولية، والاستفادة من الخبرة الإماراتية، وخاصة تجربة إمارة الفجيرة في التخزين والتداول والخدمات اللوجستية للطاقة.
المشروع يفتح لمصر بابًا جديدًا في تجارة النفط
أهم تأثير محتمل للمشروع على مصر أنه ينقل دورها من مجرد دولة مستوردة أو مستهلكة للجزء الأكبر من احتياجاتها من المنتجات البترولية إلى لاعب يمكنه تحقيق عائد من عمليات التخزين والتداول وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية المرتبطة بالنفط.
وتستهدف خطط تطوير ميناء الحمراء تحويله إلى مركز محوري لتخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية على ساحل البحر المتوسط، مع مستهدفات تصل بحلول عام 2030 إلى تخزين وتداول نحو 20 مليون برميل من الخام و400 ألف طن من المنتجات البترولية.
وهذا يعني أن العائد المنتظر من المشروع لا يرتبط فقط بقيمة الاستثمارات التي سيتم ضخها في الإنشاءات والخزانات، وإنما يمتد إلى النشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يتولد حول الميناء من خدمات النقل البحري والتأمين والتموين والصيانة والخدمات البترولية والتجارة.
تعظيم عائد البنية التحتية المصرية
من أهم المكاسب التي يمكن أن تحققها مصر أن المشروع يستند إلى بنية تحتية موجودة بالفعل، وعلى رأسها ميناء الحمراء البترولي، ما يسمح بتعظيم العائد الاقتصادي من أصول الدولة بدلًا من إنشاء منظومة جديدة بالكامل من نقطة الصفر.
وتشير الاتفاقيات الموقعة بين مصر وإمارة الفجيرة إلى الاستفادة من التسهيلات التخزينية الخاصة بميناء الحمراء لتخزين الخام، بهدف تعظيم الاستفادة الاقتصادية من البنية التحتية المصرية واستثمار الموقع الاستراتيجي للميناء.
وبالتالي، فإن نجاح المشروع يمكن أن يحول ميناء الحمراء من منشأة تخدم احتياجات القطاع البترولي المصري إلى مركز إقليمي يستقبل الخام والمنتجات البترولية ويخزنها ويعيد تداولها وفقًا لاحتياجات الأسواق.
مصدر محتمل لإيرادات دولارية جديدة
في ظل أهمية العملة الأجنبية بالنسبة للاقتصاد المصري، فإن دخول مصر في أنشطة تجارة وتداول النفط يمثل فرصة للحصول على إيرادات بالعملة الصعبة من خدمات مرتبطة بالطاقة.
فالمشروع، في حال نجاحه في جذب حركة تداول إقليمية ودولية، يمكن أن يدر إيرادات من رسوم التخزين والمناولة والخدمات اللوجستية والتداول والخدمات البحرية، فضلًا عن العوائد الناتجة عن حركة الشركات والاستثمارات المرتبطة بالمركز.
وهنا تكمن أهمية أن يكون المشروع قائمًا على نشاط تجاري حقيقي وليس مجرد إنشاء خزانات تخزين؛ إذ إن القيمة الاقتصادية الأكبر تأتي من تحويل الميناء إلى نقطة نشطة في حركة تجارة النفط بالبحر المتوسط.
كما أن قرب المشروع من الأسواق الأوروبية وشبكات النقل البحري يمنح مصر فرصة للاستفادة من موقعها في خدمة أسواق تحتاج إلى إمدادات مرنة من الخام والمنتجات البترولية.
تقليل تكلفة حركة المنتجات البترولية
ومن المكاسب المحتملة كذلك تحسين كفاءة عمليات استيراد وتخزين وتداول المنتجات البترولية التي تحتاجها السوق المصرية.
فالقدرة على توفير مخزونات استراتيجية بالقرب من موانئ الاستقبال والتوزيع يمكن أن تساعد على تقليل بعض حلقات النقل والمناولة، وتحسين مرونة الإمدادات، خاصة في فترات اضطراب الأسواق العالمية أو ارتفاع تكاليف الشحن.
كما أن وجود منطقة متخصصة للتخزين والتداول يتيح لمصر إدارة حركة المنتجات بصورة أكثر مرونة، بدلًا من التعامل مع كل شحنة باعتبارها عملية منفصلة مرتبطة بتوقيت الاستيراد والاستهلاك المحلي.
وتأتي هذه النقطة في إطار توجه أوسع لتطوير منظومة تخزين النفط في مصر، باعتبارها عنصرًا مهمًا في أمن الطاقة وتعزيز مكانة البلاد كمحور إقليمي لتجارة وتداول النفط والغاز.
الفجيرة تنقل الخبرة.. ومصر تستفيد من نموذج قائم
الميزة الأخرى للمشروع تتمثل في الشريك الإماراتي نفسه، فالفجيرة تحولت خلال السنوات الماضية إلى مركز عالمي مهم لتجارة وتخزين النفط، ولذلك فإن الاستفادة من خبراتها في الإدارة والتشغيل والتخزين وشهادات الاعتماد الدولية وأنظمة السلامة يمكن أن تختصر على مصر سنوات من بناء الخبرات التشغيلية المطلوبة لإدارة مركز إقليمي بهذا الحجم.
وكانت وزارة البترول قد أكدت أهمية الاستفادة من تجربة ميناء الفجيرة في الإدارة والتشغيل وشهادات الاعتماد الدولية وتطبيق أحدث أنظمة السلامة خلال تطوير ميناء الحمراء.
وبالتالي فإن التأثير لا يقتصر على ضخ استثمارات، بل يمتد إلى نقل المعرفة والخبرات ونظم التشغيل الحديثة إلى قطاع البترول المصري.