مهما امتلك الإنسان من بصيرة؛ فهي محدودة بحدود حدها الله له؛ ومهما بلغت به منزلة الحكمة؛ هو أيضًا محدود القدرة على رؤية أشياء وأمور لا يعلمها إلا الله.
أقول ذلك لأن أمام كل إنسان حكيم هناك عدد غير محدود من البشر لا يملكون الرؤية أو الحكمة لترى حكمة الله؛ وجلال قدرته وتصريف أموره في خلقه.
لذلك حينما يصاب الإنسان بشيء ما؛ مرض أو فاقة.. إلخ يبدأ في التذمر والغضب ويناجي ربه لماذا يا الله؟ وأحيانًا يتسلل الشيطان إلى نفسه ليوسوس له فيقول ويفعل ما لا يفيد معه الندم.
وهنا تحضرني الآية الكريمة "وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ" سورة فصلت الآية 46. ونحن هنا أمام كلام واضح ثابت لا جدال ولا خلاف عليه.
لذلك حينما قال سيدنا موسى "وهو نبي الله" لسيدنا الخضر "أخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا". لم يكن يعلم أن خرقها كان في صالح أصحابها المساكين؛ لأنه "كان وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا"؛ وكان ذلك السبب في خرق سفينة المساكين.
في الوهلة الأولى لأصحاب السفينة؛ الشعور بالحسرة لخرق سفينتهم؛ ولو علموا بفائدة هذا العيب؛ لعمهم الفرح والسعادة؛ لأن السفينة ستظل معهم؛ والخرق عيب يمكن إصلاحه. لكن لو أخذها الملك؛ سيكون من الصعب استعادة سفينتهم.
سأروي قصة لها وجهان. القصة انتهت بحادث أليم أصاب شابًا في مقتبل العمر؛ ونتيجته استئصال إحدى كليتيه؛ وبعد الاستئصال؛ قرر الفريق الطبي إجراء بعض التحاليل عليها؛ لتخرج النتيجة مذهلة.. الكلية مصابة بمرض السرطان بدرجة متأخرة!!
الوجه الأول؛ حادث أليم ينتج عنه شابًا يفقد إحدى كليتيه. وضع محزن بكل تأكيد.. الوجه الثاني؛ شاب شاء الله له أن يتم استئصال كلية مصابة بمرض السرطان قبل أن ينتشر في جسده. ليمن الله عليه بالشفاء. أفي الحادث شفاء؟!
نعم في الحادث شفاء من داء عضال!
وهناك عشرات بل مئات من القصص المشابهة لمعارف وأصدقاء؛ منع الله عنهم شيئًا أو أخٌر لهم شيئًا؛ ظنوا وقتها أن ذلك ظلم أصابهم؛ ومكروه لحق بهم. ولم يفطنوا أنه خير رزقهم به الله سبحانه وتعالى.
وهنا نأتي لإجابة سؤال المقال. "وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدً"، ولم يظلم أصحاب السفينة؛ بل ادخرها لهم.
هكذا المقادير. يقول الله سبحانه وتعالى: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض".
إن كل شيء عند الله بمقدار؛ ولم يخلق بشرًا ليظلمه؛ إنه السميع العليم يعلم ما لا نعلم؛ لذلك يمكن دائمًا النظر للوجه الآخر من الابتلاء. النجاح فيه والصبر عليه.. الجنة بغير حساب.
ونكمل في المقال المقبل بإذن الله
[email protected]