على عهدهم دائمًا يسبقون الحكومة بخطوات، ويضعونها في موقف المدافع. يغتالون الابتسامة قبل أن ترتسم على الوجوه. منذ أيام قليلة، تداولت تسريبات تشكك في سلامة منشآت محطة الضبعة النووية، لتخرج بعدها تصريحات وبيانات تنفي ما يروّج له أهل الشر. أيام سوف تمر ليبثوا سمومًا جديدة، ثم يتم نفيها. هكذا يتقنون ما يقومون به، وينفذونه وفق منهج شيطاني يرصد كل إنجاز أو بناء.
يعتمدون على أن الحكومة لا تحسن إصدار شهادة ميلاد لأي مشروع عملاق. البيانات غالبًا لا تكتمل، فبعض مربعاتها فارغة. ما يحدث مع مشروع الضبعة لا يختلف كثيرًا عن مشروعات الطرق، والنقل، والعاصمة الجديدة، وجهاز مستقبل مصر. أعداء الوطن يجيدون استهداف الإنجاز بالاغتيال المعنوي للمسئول عنه، أو بتشويه المشروع نفسه.
مساحة الفضاء التي تتركها الحكومة شاغرة يرتع فيها المتربصون بالوطن، يقتلون الأمل بالشائعات الخبيثة، مدركين أن النفي من منطلق رد الفعل لن يوقف النزيف الذي أحدثته رصاصات الكذب والضلال. معادلة الاغتيال تدور حول عناصر أربعة يتاجر بها الشياطين، وهي أن أي إنجاز، أو مشروع جديد، هو إنفاق غير ضروري، أو أولوية خاطئة، أو به مجاملة وفساد.
الحكومة تحتاج إلى تغيير طريقة عرض المشروعات من خلال شهادة ميلاد، أو بطاقة تعريف اقتصادية بها بيانات التكلفة – التمويل – الجدول الزمني – الهدف – العائد المتوقع – فرص العمل – نسبة المكون المحلي – الإيرادات، والآثار المتوقعة مباشرة وغير مباشرة. عندما تتوافر هذه المعلومات، يصبح من الصعب تشويه المشروع ببيانات مبتورة.
رد الفعل النمطي من المسئولين بالبيانات الصحفية لن يسمن ولن يغني من جوع. شهادة ميلاد أي مشروع، أو عمل، تحتاج نموذجًا مختلفًا. نموذجًا تفاعليًا يتضمن زيارات ميدانية للصحفيين والإعلاميين، وتواصلًا مباشرًا وحوارات ترسخ أركان الحقائق. تواصل يعكس منهج المبادرة، ويملأ المربعات غير المأهولة على رقعة الحقيقة، فلا تسكنها خفافيش الكذب والتضليل.
نحتاج إلى مركز للرصد والتحليل يتوقع مبكرًا الأعمال التي سيتم استهدافها، ويوفر المعلومات الصحيحة عنها حتى تتضح الصورة كاملة أمام المواطنين. لا أعلم سر إحجام الوزراء والمسئولين عن التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة، والركون إلى دائرة الصمت، رغم أنها لن تضمن الحماية من لهيب ونيران التشكيك. أخطر ما يواجه العمل الناجح ليس النقد الصريح، وإنما النقد الذي يتخفى في ثوب الموضوعية، فينتقي عيبًا، ويهوّله، ويزرع شكًا، ثم يترك الآخرين أسرى بقيود اليأس. اغتيال النجاح لا يحتاج دائمًا إلى كذبة صريحة، وإنما أحيانًا تكفي معلومة منتقاة، وسؤال ملغوم، وشك يتكرر حتى يتحول في الوعي العام إلى يأس قاتل.. فهل تتحرك الحكومة لإحباط محاولات اغتيال الأمل القادمة؟