في قاعة مكتظة بالأصوات في نيويورك، سبتمبر 2023.. جلس وزير الخارجية السابق سامح شكري يستمع، كان الاجتماع رفيع المستوى لمجموعة أصدقاء "مبادرة التنمية العالمية".. المبادرة التي دعت الصين لها.. والعالم جاء واجتمع.. مبادرة لها خطط براقة لتقليل الفقر، وأفكار للأمن الغذائي، ومشاريع للتحول الأخضر والاقتصاد الرقمي.
وقال الوزير كلماته بهدوء: المبادرة آلية جديدة.. تعزز التعاون بين الصين ودول العالم.. تدعم الأهداف العالمية لـ 2030.. وتمنح البلدان النامية أدوات حقيقية للقضاء على الفقر.. ثم أكد دعم مصر الكامل منذ اليوم الأول.. لمبادرة التنمية العالمية.
هل كان الكلام مجرد مجاملة دبلوماسية؟.. أم أن شيئا أعمق كان يحدث؟ مصر لم تكتفِ بالاجتماعات.. وقعت مذكرات تفاهم.. وضعت إستراتيجية تعاون إنمائي مع الصين تمتد حتى 2029.. شملت الصحة والاتصال والمناخ والاقتصاد الرقمي.
وفتحت باب مبادلة الديون من أجل التنمية.. أول دولة تفعل ذلك.
وزارة الخارجية المصرية لم ترَ في المبادرة مجرد شعار صيني.. يل رأت فيها مرآة تعكس ما تفعله مصر نفسها منذ سنوات.
تذكر معي مبادرة «100 مليون صحة».. قضت على فيروس سي داخل الحدود.. ثم خرجت إلى إفريقيا وآسيا. قدمت العلاج والمسح والتكنولوجيا.
ولم تنتظر مصر المساعدات الخارجية.. بل انتزعت حق تصنيع الدواء محلياً، وهبطت بالتكلفة إلى أقل من 50 دولاراً فقط بدلًا من 80 ألف دولار! ثم منحتها منظمة الصحة العالمية الشهادة الذهبية.. وهي شهادة لو تعلمون عظيمة، بل عظيمة جدًا.. وقالت المنظمة العالمية: هذا نموذج يمنح الأمل للعالم.
لماذا، لأن مصر لم تحتفظ بالسر لنفسها، بل حملت أدويتها وطواقمها إلى دول إفريقية وآسيوية لتنقذ أرواحاً لا تملك ثمن حبة الدواء!
هل المبادرة الصينية مختلفة؟.. بالطبع.. لأنها انطلقت للخارج مباشرة.. لكنها تمنح الأمل أيضًا للملايين مثل مبادرة مصر.. هي أيضاً تبحث عن المشاريع الصغيرة الذكية.. تدريب.. منح.. آبار مياه.. مراكز مهنية.. فهي ليست لتمويل قطارات عملاقة أو موانئ ضخمة.
هي أقرب إلى اليد التي تمد المساعدة.. لذلك مصر رأت فيها فرصة.. لا لتستورد نموذجاً.. بل لتصدّر تجربتها هي أيضًا.. وتجاربها في الزراعة والصحة والتعليم.
تجاربها في «حياة كريمة» التي بدأت في القرى المصرية ثم مدت جذورها نحو إفريقيا. لماذا تهتم وزارة الخارجية بهذا الأمر كل هذا الاهتمام؟
لأن الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات.. بل بعدد الاتفاقيات والتبادل التجاري بين الدول والتنمية بين الأعضاء وبعدد المتدربين الذين يعودون إلى بلادهم بمهارة جديدة.. المفارقة هنا لطيفة.. الصين تقدم إطارًا عالمياً.. ومصر تملأه بخبرتها المحلية.
إن المبادرات السياسية العالمية مثل "مبادرة التنمية العالمية" تشبه الخرائط.. نرسمها لنعرف الاتجاه.. لتتحول إلى مبادرات إنسانية فتكون مثل المطر الذي يسقي الأرض لتنبت الحياة.
هل هذا التعاون يحل كل مشاكل العالم؟.. بالطبع لا.
هل يمنع الفقر بين ليلة وضحاها؟.. بالطبع لا.
لكنه يذكرنا بشيء بسيط.. التنمية ليست ملكًا لأحد.. هي طريق يسير عليه الجميع.. حين يقف وزير خارجية مصر في نيويورك ويمدح مبادرة صينية.. فهو لا يمدح الصين وحدها.. هو يمدح فكرة أن الإنسان يستطيع أن يساعد الإنسان دون أن يطلب منه أن يغير جلده.
والمعنى أن فكرة مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان دون شروط.. ربما فكرة رومانسية لكنها مطلوبة عبر التاريخ ويسعى لها الإنسان دومًا في حضارة الصين القديمة وحضارة مصر الأقدم.. فهذا هو المعنى الذي يرغبه وتمناه الإنسان طوال التاريخ.