مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ...

20-8-2026 | 10:11

أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري، 

 بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ انتِسابا..

مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدرًا،

فَحينَ مَدَحتُكَ اقتَدتُ السَحابا..

"أحمد شوقي"

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.. 

إبداع يتجاوز الخيال: 

إِنَّ: توكيد وترسيخ. 

اللَّهَ: اسمه الأجل الأعظم.

وَمَلَائِكَتَهُ: أي جميعاً، دونَ استثناء، مَنْ عرَفنا منهم، ومَنْ لم نعرف، والجمع بالعطف، يحمل أعلى معاني الإجلال والتعظيم، إذ جُمِعَ في مُقام واحد، بين الله، جلت قدرتُه، وملائكته، واشتركوا جميعاً في أمر واحد، هو الصلاة على النبيِّ، صلى الله عليه وسلم..

يُصَلُّونَ: استمرارية وديمومة، دون توقف، آناء الليل، وأطراف النهار.. 

النَّبِيِّ: ولم يقلِ (الرسول) فالنبوةُ له، صلى الله عليه وسلم، سابقةٌ على الرسالة، ولو قِيلَ (الرسول) فالمعنى أن بداية الصلاة عليه، من الله وملائكته، كانتْ فقط منذُ كُلِفَ بالرسالة.

قالوا: يا رسولَ اللهِ! مَتى وجَبت لكَ النُّبوَّةُ؟ قال، صلى الله عليه وسلم: وآدمُ بين الرُّوحِ والجسَدِ.. والمعنى أنَّ اللهَ والملائكةَ يُصلونَ على النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، قبلَ خلقِ آدمَ نفسِه. 

يَا أَيُّهَا: نداءُ تعظيم..

الَّذِينَ آَمَنُوا: تخصيص، للصفوة فقط من المسلمين، وليس للمسلمين جميعاً، الصفوة وحدهم، هم المتشرفون بهذا الأمر..

صَلُّوا عَلَيْهِ: أمر واضح وصريح ومباشر..

وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا: أمر آخرُ من الله، فالصلاة عليه وحدَها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالسلام أيضاً، وهذا السلام نفسُه، له شكلُه الخاص، ليسَ كأي سلام، وإنَّما (تَسْلِيمًا) أي فيه القدر الأعظم من التبجيل والتقدير والعرفان بالفضل والمكانة. 

ولم يقلْ: صَلُّوا وَسَلِّمُوا عليه (معاً) ليبدو أمراً واحداً، وإنَّما، صَلُّوا عَلَيْهِ (أمرٌ أولُ) وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (أمرٌ ثانٍ).. 

الصلاةُ من اللهِ لها مَعْنى، ومن الملائكةِ لها مَعْنى، ومن المؤمنين لها مَعْنى. 

والصلاة في الأصل، هي الدعاء، والدعاء من سائل لمجيب، وهذا المعنى لا ينطبق على الله، لأنَّه جلَّ شأنُه، هو مجيب السائلين.

إذن، الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة تسبيح، ومن المؤمنين استغفار.. 

وكيفَ تُصلي على النبيِّ؟ 

ليسَ بمقدورك القيام بالفعل منفرداً! فالأمر أعظم وأكبر من قدراتك الخاصة، ولذلك، أنت تُوكِلُ الأمر لله، فتقول: اللَّهُمَّ صلِ على مُحمدٍ.. 

أوامر الله مباشرة، فيما الأمر بالصلاة على النبي تحديداً، وضِعتْ له المُقدمات: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. جاءت هذه المقدمة، ترسيخاً للمعنى، قبل التوجيه بالأمر المباشر، لماذا؟ لأنَّه أمرٌ جدُ خطيرٍ، يخصُ نبياً جدَ عظيمٍ.. 

وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ.. 

نطفةٌ مباركةٌ، انتقلت في أصلابِ الأنبياءِ والمرسلين. 

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ..

فلا يُذْكَرُ اللهُ، في الشهادةِ، إلا ذُكِرْتَ معه، 

 أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّة ِخَاتَمٌ، 

مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ..

وَضَمَّ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسمِهِ، 

إذا قالَ في الخمْسِ المؤذِّنُ أشهدُ.. 

وشقَّ له من اسمِه لِيُجِلَّهُ، 

فذو العرشِ محمودٌ، وهذا محمدٌ.. 

فَاقَ النبيّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ، 

 ولم يُدانُوه في عِلْمٍ ولا كَرَمِ..

جمعَ المكارمَ كُلَّها، وخلا من النقائصِ كُلِّها: 

كانَ يخْصِفُ النعلَ، ويُرَقِّعُ الثوبَ، ويحلبُ الشاةَ، ويخْدِمُ أهلَه، يجيبُ دعوةَ العبدِ والحُرِ، ويقبلُ الهديةَ، ولو كانتْ جرعةَ لبنٍ، ويكافئُّ عليها، ولا يأكلُ الصدقةَ، ويجيبُ الأمَةَ والمسكينَ، يغضبُ لربِّه، ولا يغضبُ لنفسِه، يُقيمُ الحقَ، ولا يَطْعَمُ إلا حلالاً، يؤثِرُ على نفسِه، لا فقراً ولا بخلاً، يعودُ المرضى، ويشهدُ الجنائزَ، ويمشي وحدَه بينَ أعدائِه بلا حارسٍ، يُجالسُ الفقراءَ، ويواسي المساكينَ، يُعينُ المظلومَ، ويُغيثُ الملهوفَ، وينصرُ الضعيفَ، ويُكرِمُ أهلَ الفضلِ، يصلُ الرحمَ، ويقبلُ المعذرةَ، يمزحُ ولا يقولُ إلا حقاً، لا يهابُ ملكاً ولا سُلطاناً، ما خُيِّر بينَ أمرين إلا اختارَ أيسرَهما، إلا أنْ يكونَ فيه إثمٌ أو قطيعةُ رَحمٍ، نشأَ في بلادِ الجهلِ يتيماً، بلا أبٍ ولا أمٍ، فعلَّمه اللهُ تَعَالَى، محاسنَ الأخلاقِ، وأخبارَ الأولين والآخرين، وما فيه النجاةُ والفوزُ في الآخرةِ، والغِبطةُ والسعادةُ في الدُنيا، ولزومُ الواجبِ وتركُ الفضولِ.

كانَ خُلُقه القرآنَ، وكانَ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا.

ارتجفَ رجلٌ أمامَه، فقالَ: هوِّنْ عليكَ، فإني لستُ بملِكٍ، إنَّما أَنا ابنُ امرأةٍ تأكُلُ القَديدَ..

إذا بلغَه عن الرَّجل الشَّيء، لم يقل: ما بالُ فلانٍ يقولُ؟ وإنَّما: ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا؟.

أخبره أحدُهم بأنَّه رأى فلاناً مع فلانة، فقالَ له: لوسترتَه بثوبك، كان خيراً لك.. 

قال فيه حسانُ بن ثابت، قبل إسلامه: 

لما رأيتُ أنوارَه سطعتْ،،

وضعتُ من خِيفتي كفي على بصري.. 

خوفاً على بصري من حُسنِ صورتِه،، فلستُ أنظرُه إلا على قدري.

وقال: 

وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني،،

 وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ.. 

خُلقتَ مبرأً منْ كُلِّ عيبٍ،،

 كأنَّكَ قدْ خُلقتَ كما تشاءُ..

لو أتينا اللهَ تَعَاَلى، من كل طريق، واستفتحنا من كل باب، لما فُتِحَ لنا حتى ندخل خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم. 

الْبخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَم يُصَلِّ علَيَّ.. هكذا قَال رسُول اللَّه، صلى الله عليه وسلم.. 

فرضٌ علينا في العُمْرِ مرةً، وواجبٌ علينا في كُلِّ مرةٍ.. 

اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، الفاتِحِ لِما أُغلِقَ، والخاتَمِ لِما سَبَقَ، ناصرِ الحَقِّ بالحَقِّ، والهادي إلى صِراطِك المُستَقيمِ، وعلى آلِه، حَقَّ قَدْرِه ومِقدارِه العَظيمِ..

كلمات البحث