لا يعلم أحمد قدري، عامل بأحد المقاهي، كيف اختفت مياه الصرف الصحي التي كانت تُغرق الشارع الذي يقطن به، ولم يخبره أحد إلى أين ذهبت المياه السوداء التي عكرت صفو معيشته لسنوات؛ لكن ما يعرفه الآن، أن الوضع تغير.
موضوعات مقترحة
ويتذكر أحمد أيامًا عصيبة عاشتها مساكن الخيالة بمنطقة عين الصيرة: «قبل 10 سنين كنا بنعاني من الصرف الصحي»، عندما كانت «ميّة المجاري» لا تفارق الشوارع، قائلًا: «كانت تدخل على ميّة الشرب الحلوة.. وما كناش بنعرف نشرب ولا نشتغل».
وفي وصف مشهد أكثر صعوبة يقول: «ميّة الصرف كانت بتطلع من تحت الأرض.. ومش عارفين منين؟!»، وهو أمر كان يضطر معه والده إلى «نزح مياه الصرف بنفسه»، مما تسبب في إصابته بالتهاب رئوي -بحسب إفادة الأطباء له- قبل أن يتوفى، فضلا عن ملاحظته إصابة عدد من أطفال المنطقة بأمراض معوية وتنفسية.
تغير الوضع الآن، يصف الرجل: «الحياة دلوقتي جميلة عن زمان»، فلم يعد الصرف الصحي يُغرق الشوارع كالسابق.
فما الذي غيّر شكل الحياة في مساكن الخيالة بمنطقة عين الصيرة؟!
40 كيلومترًا تفصل أحمد عن الإجابة
تكمن إجابة السؤال على بُعد نحو 40 كيلومترًا من مساكن الخيالة؛ حيث توجد منشأة عملاقة، تتغذى على مياه الصرف المنقولة إليها من مناطق شرق القاهرة، واستطاعت بعملها تحسين حياة 12.5 مليون مصري، من بينهم أحمد.
ما حدث في حياة أحمد قدري ليس استثناءً؛ بل انعكاس لتنفيذ مشروع تنموي بدأت فصوله قبل عقود، لإنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر، تخدم قطاعات واسعة من مناطق شرق النيل بالقاهرة الكبرى (عين الصيرة، المعادي، دار السلام، الأميرية، حدائق القبة، المرج) وصولًا إلى بعض المناطق بالقليوبية؛ حتى وصل تصنيفها إلى أكبر محطة لمعالجة الصرف والحَمَأة وإنتاج الكهرباء بالشرق الأوسط؛ بالتعامل مع نحو 2.5 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا.
محطة الجبل الأصفر لمعالجة مياه الصرف الصحي
وقبل الدخول في تفاصيل ما يحدث داخل أسوارها، هذه هي المحطة في خمسة أرقام:
لا تقف قصة الجبل الأصفر عند حدود عين الصيرة أو المرج؛ فالخريطة الرسمية لمحطات الصرف الصحي في مصر تكشف أن القاهرة وحدها تمتلك 10 محطات معالجة تتعامل مع أكثر من 1.5 مليار متر مكعب من مياه الصرف سنويًا، وهو رقم يجعل الجبل الأصفر أكبر حلقة في منظومة أوسع بكثير مما يبدو للعين.
أحواض الترسيب والحمأة داخل محطة الجبل الأصفر
وإذا كان الوضع في عين الصيرة قدّم صورة عن الأزمة التي وصلت الشارع، فإن مناطق أقرب إلى الجبل الأصفر تكشف وجهًا آخر.
حين كانت «الرشّحات» بديلًا لشبكات الصرف
أحمد علي النائب البرلماني عن دائرة المرج، يشير إلى أن منطقة الجبل الأصفر وجزءًا كبيرًا من المرج مناطق محرومة من الصرف الصحي، وكانت مياه الصرف تُصرف على ما يعرف بـ«الرشّحات» وهي مصارف زراعية قديمة، تحولت مع الزحف السكاني إلى مصارف صرف صحي، وذلك على مدار عقود.
وأكد النائب البرلماني أن «الرشّحات» تمثل كارثة بيئية وصحية للمواطنين، لا ينبغي أن تبقى في 2026 بأحد مناطق القاهرة الكبرى مثل المرج؛ بعد أن أكدت الدولة قدرتها على توصيل خدمات البنية التحتية إلى المواطنين في القرى والنجوع والكفور عن طريق مشروعات المبادرة الرئاسية «حياة كريمة».
وما يرويه النائب عن تحوّل المشهد تؤيده الأرقام الرسمية؛ إذ تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن عدد محطات الصرف الصحي المعالج في مصر قفز من 358 محطة فقط عام 2013 إلى 472 محطة عام 2023، ويعني ذلك أن مصر افتتحت في المتوسط 11 محطة جديدة كل عام على مدار العقد الماضي.
بيان بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر حول تمويل المرحلة الثالثة لتوسعة محطة الجبل الأصفر
لا تكمن أهمية محطة الجبل الأصفر في معالجة الصرف الصحي فقط، ولكن وجودها أسهم في تنفيذ مشروعات كانت معطلة، فيذكر النائب أحمد علي، على سبيل المثال، إقامة مجمع مدارس بمنطقة مؤسسة الزكاة في حي المرج، كان توقف بناءه لوجود الأرض على «رشّاح»؛ حيث رفضت هيئة الأبنية التعليمية إقامة المدارس بسبب عدم مطابقة الكود البيئي للبناء، وهو ما امتد كذلك إلى إقامة المستشفيات.
ولم تقف آثار ضعف البنية الأساسية عند تعطيل البناء؛ ففي مناطق أخرى، امتد القلق إلى صحة السكان أنفسهم؛ فيحكي علي، عن تجربة بعزبة كمال رمزي في منطقة الخانكة بالقاهرة؛ لوحظ إصابة نسبة كبيرة من سكانها بأمراض الكلى والكبد، وأرجع النائب بحسب روايته السبب إلى اعتمادهم على مياه الطلمبات الحبشية غير النقية؛ وهو ما انعكس على الصحة العامة في النهاية، مشيرًا إلى مد شبكات مياه بطول 47 كيلومترًا إلى العزبة لتحسين حياة المواطنين بها.
وشدد نائب المرج على أن مؤشر جودة الحياة في عام 2030 يقيس جودة الصحة والتعليم والبيئة، وهو ما يحتاج إلى اهتمام، ولعل أحد ملامحه محطة الجبل الأصفر، التي تعالج مياه الصرف الصحي واستخدام المياه المعالجة في أغراض زراعية لا تؤكل.
إقرأ أيضًا:
ما يرويه النائب لا يبدو استثناءً في خريطة شرق القاهرة؛ لكنه يفتح سؤالًا يبدو تقنيًا في ظاهره، إنسانيًا في جوهره: ماذا يحدث لمياه الصرف داخل المحطة حتى يمكن الوثوق في استخدامها؟
رحلة المياه السوداء.. ماذا يحدث لمياه الصرف داخل الجبل الأصفر؟
وللإجابة، كان علينا تتبع رحلة المياه داخل محطة الجبل الأصفر، منذ دخولها محمّلة بالملوثات وحتى خروجها في صورة مياه معالجة وحَمَأة وغاز.
يوضح مدير المحطة المهندس هشام ذكي، أن معالجة الصرف الصحي بالمحطة ينتج عنها ثلاثة نواتج، الأول: مياه معالجة تستخدم في ري المسطحات الخضراء، ثانيها: «حَمَأة» تستخدم كمصدر للطاقة في مصانع الأسمدة والأسمنت، ثالثها: غاز الميثان الناتج عن عمليات المعالجة؛ ويعاد استخدامه لإنتاج طاقة كهربائية تغطي 70% من احتياجات المحطة.
هذه الرحلة من مياه تدخل محمّلة بالملوثات إلى ثلاثة نواتج، لا تذهب هدرًا، ويلخّصها الرسم التالي
ولا يتوقف عمل المحطة عند هذا الحد؛ بل تسري المياه المعالجة من الجبل الأصفر إلى محطة بحر البقر لمعالجتها مرة أخرى معالجة ثلاثية، واستخدام المياه الناتجة عنها للزراعة في سيناء.
وما يصل إلى سيناء بعد بحر البقر ليس مجرد مياه معالجة؛ فكل متر مكعب يُعاد استخدامه في الزراعة أو ري المسطحات، هو متر مكعب من مياه النيل لم يُستنزف، وفي بلد يلامس فيه نصيب الفرد من المياه العذبة خط الفقر المائي، لا تبدو هذه المعادلة هندسة بيئية، بل تعني سياسة أمن مائي بامتياز.
غير أن الوصول إلى هذه المخرجات الثلاثة لا يحدث في خطوة واحدة؛ فبين دخول مياه الصرف وخروجها سلسلة من عمليات الفصل والترسيب والتهوية والهضم؛ حيث تخضع مياه الصرف الصحي القادمة من مناطق شرق النيل إلى محطة الجبل الأصفر لعمليات معالجة متكاملة فائقة الدقة.
وتسهم هذه العمليات في تقليص «الحمل العضوي» -كمية المواد القابلة للتحلل مثل بقايا الطعام والفضلات والشحوم- من 400–450 جزءًا في المليون عند الدخول إلى 10–11 جزءًا فقط عند الخروج، وهو ما يمثل ثلث الحد المسموح به في الكود المصري للمعالجة الثنائية (30 جزءًا)، مما يحقق نقلة نوعية في الحد من التلوث البيئي.
وتعكس بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ارتفاع كمية مياه الصرف الصحي المعالجة في مصر من 4.6 مليار متر مكعب عام 2017 إلى أكثر من 5.4 مليار متر مكعب عام 2023 — بزيادة تقترب من 17% في خمس سنوات فقط.
تصوير جوي لمحطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر
بين الشوائب والبكتيريا.. رحلة المياه داخل المحطة
وتبدأ عملية المعالجة -وفقا لمدير المحطة- بالمرحلة الابتدائية بإزالة الشوائب والشحوم والرمال، لتوصيل المياه بعد ذلك إلى أحواض ترسيب، تتولى فصل نحو 60% من "الحَمَأة" -المواد شبه الصلبة العالقة بالمياه- وترسيبها في القاع.
قد يهمك الإطلاع على:
ومن هذه النقطة، تتوزع منظومة المعالجة عبر ثلاثة مسارات متوازية:
1- مسار المياه: التي تصل إلى أحواض التهوية؛ حيث يُضخ الأكسجين لتنشيط البكتيريا الهوائية الكفيلة بهضم ما تبقى من الشوائب.
وعقب ذلك، تُنقل المياه إلى أحواض الترويق النهائية لترسيب باقي الحَمَأة، ثم إضافة الكلور قبل توجيهها إلى محطة بحر البقر لخضوعها لمعالجة ثلاثية؛ تمهيداً لاستخدامها في استصلاح وزراعة أراضي سيناء، فضلاً عن ري المسطحات الخضراء.
2- مسار الحَمَأة: تُنقل الحَمَأة المترسبة إلى "هواضم" تعتمد على بكتيريا لاهوائية عند درجة حرارة 35.5 درجة مئوية لمدة 21 يوماً، ثم تُعالج داخل مبنى التجفيف الميكانيكي؛ بإضافة مادة "البوليمر" -مادة كيميائية تساعد على التجفيف- وعصرها لتصل نسبة جفافها إلى 23%، مما يجعلها صالحة للاستخدام كمصدر موثوق للطاقة في أفران مصانع الأسمنت والأسمدة.
3- مسار غاز الميثان: الناتج عن عملية الهضم اللاهوائي ويُوجَّه لتشغيل 10 مولدات كهربائية.
وبفضل تحديث مضخات التوليد، أتاحت هذه الخطوة للمحطة توفير 70% من إجمالي احتياجاتها من الطاقة الكهربائية ذاتياً، مما يعزز من كفاءة التشغيل واستدامته.
هل تصلح المياه المعالجة للزراعة؟
محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر في أرقام
«نجاح عملية المعالجة لا يعني صلاحية المياه لكل استخدام»، تأكيد لمدير المحطة، لافتا إلى أنه رغم المعالجة القوية التي تتم في الجبل الأصفر، لا يمكن استخدامها في زراعة النباتات التي تؤكل مثل الطماطم والبطاطا والبطاطس، ولكن يمكن استخدامها لزراعة نباتات لها ساق، مثل الأشجار الخشبية، أو حتى ري المسطحات الخضراء.
ويشير ذكي إلى إقامة مزرعة تجريبية على مساحة 300 فدان ملحقة بالمحطة قبل 25 عامًا، مزروعة بنباتات التمر والليمون والمانجو والزيتون والجوجوبا والجاتروفا؛ لاختبارات جودة المياه الناتجة من المحطة، وتأثيرها على النباتات، وتخضع المياه والنباتات على حد سواء لاختبارات من وزارة الصحة والبيئة والشركة القابضة لمياه الشرب.
عندما يتحدث العلم عن مخرجات المحطة
ما يشرحه مدير المحطة من داخل غرف التشغيل، يضعه الباحثون في إطار أوسع يتعلق بكفاءة المعالجة وإمكانات إعادة الاستخدام؛ حيث يؤكد الدكتور محمد الحجري، رئيس وحدة الري والصرف بمركز بحوث الصحراء، أن محطة الجبل الأصفر تتعامل مع تدفقات ضخمة تصلها من عدة نقاط رئيسية، مثل محطة رفع القلج ونقطتا تجميع العبور والسلام، بما يعكس امتداد نطاق خدمتها إلى شبكة واسعة من شرق القاهرة والقليوبية.
ويضيف الحجري أن بعض البيانات التشغيلية تقدر إنتاج الميثان من المحطة بنحو 100 ألف متر مكعب يوميًا من المحطة، فيما تشير التقديرات الأولية لإنتاج الحَمَأة إلى 1000 طن يوميًا، وفقًا للمرحلة التشغيلية، لافتا إلى أن استخدام الحَمَأة كسماد أو مُحسّن للأراضي الزراعية، يمثل قيمة مضافة كبيرة لاقتصاديات المشروع.
الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء توزيع محطات الصرف الصحي المعالج بالمحافظات
تجارة الحَمَأة.. رزق موسمي خارج أسوار المحطة
خارج أسوار المحطة، تكتسب الحَمَأة حياة أخرى، فما يخرج من وحدات التجفيف باعتباره أحد نواتج المعالجة، يتحول بعد ذلك إلى سلعة لها مزادات وتجار وموسم عمل، تفتح باب رزق خفي لمهنة موسمية: «تجارة الحَمَأة».
يعمل أحمد مكي، تاجر حَمَأة، في هذا المجال منذ نحو 15 عامًا، إما بشراء الحَمَأة مباشرة من محطات المعالجة، أو عن طريق نقلها من المحطة لتاجر آخر.
ويوضح مكي أن التعامل مع حَمَأة محطة الجبل الأصفر يجري عبر مزايدة علنية، ويعرف هذا التعامل مع المحطة في مهنته باسم «عقد 16»؛ لافتا إلى أن عقد العام الماضي كان لنقل 70 ألف طن من الحَمَأة.
ويكشف التاجر أن الحَمَأة لا يتم توريدها فقط إلى مصانع الأسمنت، ولكن يوردها إلى مزارع «النجيل» الطبيعي في محافظة البحيرة، أو يجري كبسها وتحويلها إلى «كومبوست» وبيعها سماد للنباتات.
انعكست خبرة 15 عامًا في التعامل مع الحَمَأة على أحمد مكي؛ فقد أصبح يستطيع بسهولة الآن التمييز بين الحَمَأة الجيدة والرديئة بمجرد النظر، أو التعرف على اسم المحطة التي أنتجتها.
الحَمَأة الجيدة في عُرف مهنة «تجارة الحَمَأة» تعني أنها بدون شوائب أو ملوثات، ومن أمثلتها ما تُنتج من محطة الجبل الأصفر في الخانكة، ومن محطة «أورسكواليا» على طريق العين السخنة، بينما النوع الرديء؛ تزداد به الشوائب، وهو ما يؤثر على قدرة الحَمَأة على إشعال أفران المصانع، أو التسميد الجيد.
ويكشف مكي عن تفاصيل دقيقة في مهنته الخفية؛ إذ يحسب وزن الحَمَأة بطريقتين، الأولى بالأمتار المكعبة، والثانية بالأطنان، ولكل منها مميزات وعيوب يفاضل التاجر بينها.
ويرى مكي أن حساب الوزن بالطن، الأفضل في التعامل مع الحَمَأة الأكثر جفافًا؛ لأنها أخف وزنًا، وبالتالي تكون كميتها أكبر، أما الحساب بالمتر المكعب يكون الأفضل، عند التعامل مع الحَمَأة الأقل جفافًا.
وتابع أن التعامل مع محطة الجبل الأصفر كانت بالمتر المكعب، إلا أن مزايدة العام الحالي أقرت التعامل مع الحَمَأة بالطن.
وأوضح أن النقلة الواحدة للحَمَأة في سيارة بدون مقطورة يمكن أن تصل إلى 20 مترًا مكعبًا، بينما مع سيارات النقل ذات المقطورة تتراوح بين 50 و55 مترًا مكعبًا.
وفي كشف مثير عن أسرار المهنة الخفية، يؤكد مكي أن عمل تجار الحَمَأة يكون خلال فصول الصيف فقط؛ حيث يبدأ التعامل مع الحَمَأة بداية من منتصف شهر مايو وحتى نهاية شهر أغسطس، بينما في «الشتاء ما فيش شغل» -بحسب وصف التاجر.
أثارت توقيتات تجارة الحَمَأة سؤالًا طرحناه على التاجر: «ماذا تفعل المحطة في كمية الحَمَأة المنتجة طوال شهور السنة؟»؛ ليجيب مكي: «بينشروها علشان يجففوها عقبال ما يجي موسم رفعها في الصيف».
وتحفظ مكي على الحديث عن أرباحه أو أسعار النقل أو المزايدات التي يدخلها، قائلًا: «الحمد لله الأمور تمام»، موضحًا أن وراء هذه المهنة تعمل مهن أخرى، لخدمة منظومة النقل والتوريد، من (ميكانيكي - كهربائي - سواق - تبّاع)، فضلا عن عمّال ولوادر.
الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تطور عدد محطات الصرف الصحي المعالج في مصر
510 ملايين يورو.. من يمول التوسعة الثالثة؟
لن يُفصح مكي عن أرقامه، لكن المحطة لا تُخفي طموحها؛ فبينما التاجر يحسب موسمه القادم، يُعلن الاتحاد الأوروبي دعمه للمرحلة الثالثة من توسعة الجبل الأصفر، لتزداد سعة المحطة بمقدار مليون متر مكعب إضافية يوميًا.
البعثة الدائمة للاتحاد الأوروبي لدى مصر، أكدت في بيان، دعم المرحلة الثالثة لتوسعة محطة الجبل الأصفر بقروض ميسرة واستثمارات حكومية مخصصة ضمن ميزانية إجمالية تبلغ حوالي 510 ملايين يورو.
ويأتي التمويل من مصادر متعددة، عبارة عن قرض من البنك الإفريقي للتنمية بقيمة 110 ملايين يورو، وقرض آخر من الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 50 مليون يورو، ومنحة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 10 ملايين يورو، ومنحة فرنسية أخرى بقيمة 1.5 مليون يورو، بينما تتحمل الحكومة المصرية الرصيد المتبقي بقيمة 338.5 مليون يورو.
مليون متر مكعب إضافية.. إلى أين يصل الجبل الأصفر؟
وفي سياق الحديث عن مستقبل المحطة، يعود المهندس هشام ذكي ليكشف عن أهمية المرحلة الثالثة لتوسعة المحطة، التي تستغرق 4 سنوات، بإسهامها في زيادة القدرة الاستيعابية للمحطة بمقدار مليون متر مكعب إضافية، ليصل إجمالي المعالجة إلى 3.5 مليون متر مكعب يوميًا، وهو ما يجعل المحطة رسمياً «أكبر محطة في العالم» لمعالجة مياه الصرف الصحي مع توليد الكهرباء ومعالجة الحَمَأة والغاز.
انفوجراف لرحلة معالجة الصرف الصحي داخل محطة الجبل الأصفر مولّد بالذكاء الاصطناعي
ويؤكد ذكي اتخاذ إجراءات الترسية على الشركات؛ حيث تتعاون شركات مصرية كبرى مع أخرى أجنبية مثل (المقاولون العرب مع «أكسيونا» الإسبانية) و(أوراسكوم و«سويس» الفرنسية) و(حسن علام و«ماتيتو» الإماراتية).
ونتيجة هذا التوسع الطموح، تتوقع الوكالة الفرنسية للتنمية زيادة عدد المستفيدين شرق نيل القاهرة إلى نحو 17.5 مليون نسمة بحلول عام 2040، مع انخفاض أكبر في أحمال التلوث، وتحسين جودة مياه الصرف، لاستخدامها في أغراض إنتاجية أوسع.
في عين الصيرة.. يوم جديد بلا رائحة الماضي
ومع وجود منظومة معالجة كبرى مثل الجبل الأصفر، وحلقات وسيطة تدور في فلك دوري، يعود الآن أحمد قدري كل صباح إلى مواعيد عمله في قهوته بعين الصيرة، لتجهيز الشاي بمياه لم تعد تحمل رائحة الماضي الكريه.
نعم لا يعرف أحمد تفاصيل هضم الحَمَأة، ولا معادلات الأحمال العضوية، ولا حجم الاستثمارات الدولية التي غيّرت وجه الحياة في شارعه، لكن ما يدركه جيدًا، أن من يجلس الآن على قهوته يشرب الشاي في هدوء، دون أن يسأل من أين جاءت هذه المياه، ودون أن يخشى الإجابة.
الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تزايد كمية الصرف المعالج