النيل .. مصر والسودان

20-8-2026 | 10:09

انطلقت شرارة التعاون المؤسسي بين مصر والسودان فيما يخص مياه النيل من خلال اتفاق عام 1959، الذي نص على إنشاء آلية ثنائية يكون اسمها "الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل". ليكون إنشاء الهيئة بمثابة إعلان وتعبير صريح عن رغبة الطرفين في دعم أواصر التعاون الفني بينهما والقيام بالبحوث والدراسات اللازمة لتنفيذ مشروعات لضبط النهر وزيادة إيراده، ووضع الإجراءات التي ينبغي تنفيذها لمواجهة حالة توالي السنوات الشحيحة الإيراد.

وصدر بروتوكول خاص بتكوين الهيئة وتسيير شئونها في يناير 1960. وتم الاتفاق على أن يكون المقر الرئيسي للهيئة بمدينة الخرطوم، مع إنشاء مكتب فرعي بالقاهرة. ونصت اللائحة الداخلية للهيئة على أن يتكون مجلس إدارة الهيئة من ثمانية أعضاء، أربعة من كل جانب، بحيث يجتمع هذا المجلس أربع مرات في العام بشكل دوري، مرة في القاهرة والأخرى في الخرطوم، علاوة على الاجتماعات الطارئة إذا دعت الحاجة إليها. وتم الاتفاق على اقتسام ميزانية الهيئة مناصفة بين حكومتي الدولتين.

الجدير بالملاحظة هو إدراك الهيئة لأهمية عدم التحرك بشكل منفصل عن باقي دول الحوض، وحرصها على توطيد أواصر التعاون بينهم جميعًا، والقيام بدور متميز فيما يتعلق بمحاولات التنظيم الجماعي، وبما انعكس بشكل واضح على أنشطتها التي كان لها أكبر الأثر في ظهور عدة مشروعات جمعت -ولأول مرة- دول الحوض تحت مظلة تعاونية واحدة. تجلى ذلك بمنتهى الوضوح أثناء المباحثات بين مندوبي الهيئة وممثلين فنيين من كل من تنزانيا وأوغندا وكينيا في أكتوبر 1961، لبحث مطالب هذه الدول من مياه النيل، حيث نجحت الهيئة -كقناة للحوار المشترك- في دعم وصول الدول إلى اتفاق البدء في مشروع للدراسات الهيدرومترولوجية لحوض البحيرات الاستوائية عام 1967، وتشكلت لجنة خاصة به تتكون من ممثلين فنيين من مصر، والسودان، وكينيا، وأوغندا وتنزانيا، ثم انضمت إلى اللجنة فيما بعد كل من رواندا وبوروندي ثم الكونغو، أما إثيوبيا فحضرت اجتماعات اللجنة بصفة مراقب.

وقد عاون كل من برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP، ومنظمة الأرصاد العالمية OMM في تنفيذ المشروع الذي استهدف جمع وتحليل البيانات الهيدرومترولوجية لبحيرات فكتوريا وكيوجا وألبرت؛ للتمكن من دراسة الميزان المائي لنهر النيل. شملت أعمال المرحلة الأولى للمشروع إقامة 24 محطة للأرصاد الجوية النهرية، و156 محطة للأمطار (بما في ذلك 6 محطات لتسجيل كمية الأمطار، و67 محطة هيدروليكية، و14 محطة تسجيل مناسيب لمياه البحيرات) إضافة إلى تجديد وتهيئة بعض المحطات الموجودة حتى تصبح هناك شبكة مناسبة لجمع المعلومات الأساسية من الأرصاد الجوية النهرية وتحليلها. ولعل أهم ما تضمنته تلك المرحلة هو تدريب الكوادر الفنية من البلدان المشاركة في المشروع على أعمال الرصد الهيدرومترولوجي.

بدأت المرحلة الأولى للمشروع في يونيو 1967 وانتهت في يوليو 1972 بعد أن حققت أهدافها. ثم بدأت المرحلة الثانية في مارس 1976 بهدف مواصلة أعمال الرصد، ومساعدة الدول المشتركة على وضع خطط تنموية لمواردها المائية. وإن كان أهم ما اشتملت عليه تلك المرحلة هو تمهيد الطريق أمام الحكومات في مفاوضات التخزين وضبط النهر للحصول على أقصى فائدة ممكنة لصالحهم جميعًا.

وتضمنت المرحلة الثانية من المشروع الاتفاق على عمل نموذج رياضي لمشروعات أعالي النيل للمساعدة على إيجاد حلول مختلفة لتنمية الموارد المائية. وأيضًا إيجاد حلول مختلفة للموازنات على البحيرات الاستوائية لإمكان الحصول على أقصى فائدة ممكنة من هذه الخزانات، مع استمرار تدريب الفنيين من الدول النيلية.

ومما يذكر للهيئة ولا يمكن أن ينكره إلا جاحد، في سبيل دعم التعاون الإقليمي بين دول الحوض، ما قامت به في يوليو 1977، حين بادرت بإعداد مذكرة لدعوة دول حوض النيل لإنشاء جهاز فني يضم تحت مظلته كل الدول النيلية. 

وبالفعل في ديسمبر 1977 أثناء انعقاد الاجتماع الثامن والعشرين للجنة الفنية لمشروع الدراسات الهيدرومترولوجية لحوض البحيرات الاستوائية - الذي تشترك فيه جميع دول الحوض – كانت تلك المذكرة هي الشرارة للحصول على موافقة أعضاء اللجنة على إنشاء هيئة دول حوض النيل من حيث المبدأ. وتم الاتفاق على تشكيل لجنة رباعية تضم ممثلين لكل من أوغندا وكينيا وتنزانيا والسودان (ممثلاً للهيئة الدائمة المشتركة لمياه النيل) لوضع التفاصيل الخاصة بأهداف الهيئة المقترحة وتكوينها.

ورغم صعوبة التوصل حينئذ إلى اتفاق نهائي حول إنشاء هيئة تضم دول حوض النيل جميعها تحت مظلة واحدة، فإن دور الهيئة الفنية المشتركة بين مصر والسودان في توجيه الدعوة إلى دول الحوض للتعاون من خلال آلية تنظيمية شاملة يبقى نموذجًا فريدًا، ودورًا رائدًا، يؤكد فهمها لدورها وإيمانها بكونها آلية فرعية يجب عليها العمل على دعم التعاون الشامل بين دول الحوض.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: