دعوة مبكرة.. اجعلوا 2027 عام «بهاء»

19-8-2026 | 11:25

أقرأ أحيانًا لمفكرٍ أو كاتبٍ راحل، فأتساءل: ماذا لو كان كتب ما كتبه في زمن مواقع التواصل الاجتماعي؟! كيف كانت ستأتي تعليقات الناس؟! عندئذ أتألم، ثم أبتسم، عندما يتطور السؤال إلى آخر: ألا يزال الناس يتذكرون منه غير الاسم أو.. هل يعرفه كثيرون من الأصل؟!

وأعود لأنتبه.. فأقول: لا بأس، لا ألم ولا ابتسام، إنما.. مقال، كتابة، تذكيرٌ وتعريف. دورنا هو مواصلة المهمة حتى آخر نَفَس، بأمل. المهمة هي المعرفة أولًا، ثم نقلها للبشر، دونما تعالٍ أو انعزال.. تمامًا مثلما كان هو.

هو.. الكاتب والمفكر الراحل أحمد بهاء الدين، الذي تمر يوم الإثنين المقبل 24 أغسطس ثلاثون عامًا على رحيله عام 1996، بعد رحلة طويلة اشتبك فيها مع قضايا عصره، بعقل وضمير.

وفي وصف الرحلة تأتي كلماته، إذ يقول: «لا يمكن أن يجد إنسان شريف راحة ضميره في أن يكرِّس علمه وجهده، لكي يحقق لنفسه أحلام الراحة والهدوء والأمن، في وسط عالمٍ يزخر بالقلق والظلم والصراع، لا يمكن أن يقرأ مجلَّداته في حجرةٍ مضاءة، وخارج نافذته عالمٌ بأكمله يُطبِق عليه الظلام.. إن العقل في الإنسان - مهما بلغت قدرته- لا يغني عن الضمير، وإن ضميرًا بغير عقل، لخيرٌ ألف مرة من عقلٍ بلا ضمير».

وقد كان بالفعل هو «الإنسان الشريف»، الذي شغلته الأفكار لا الأشخاص. كان هو الكاتب المستقل على الدوام، الحريص على إيجاد مساحة خاصة تفصله عن أي نظام، أيَّد عبدالناصر في قراراتٍ له برغم أنه لم يعرفه شخصيًّا، وهاجم السادات في قراراتٍ له برغم أنه حاوره طويلًا، دون انحياز كامل هنا أو هناك، فعنده ليس المهم هو الحاكم إنما السياسة والفكرة.

«الحرية هي أثمنُ ما يجب أن نحرص عليه»، هكذا رأى وكتب، على هذا النهج سار، وقال: «الخبز مع الحرية، العدل مع الكرامة، وبغير ذلك يظل حقُّ الإنسان ناقصًا.. ولن تُخترق الحلقة المفرغة من التخلف، ومن المآسي، ومن شتى أنواع الإحباط التي تكاد تُزهِق روح الإنسان العربي، مهما حاولت بعض الماديات تغطية ذلك، لبعض الوقت».

وفي نفس الوقت؛ فالمسألة -في نظره- ليست في الحكام فقط؛ ساند الشعب طبعًا في ضرورة نيْل حقوقه كاملة، لكنه لم يتملقه، لم يهادنه، اتجه إليه أيضًا بالنقد فيما يختلف فيه معه، وفي لحظة مرارة كتب: «لقد ضرب المرض في كل النفوس. بصراحة: صار المصريون في حاجة إلى علاج! المأساة طرفاها الدولة والمواطن معًا».

لم يشغله رصيده ككاتب مع قرائه. أمينٌ هو مع ذاته. لا يخون ضميره. رجلٌ شريف. يرى أن «الكاتب إذا نظر إلى هذا الرصيد فقط، وحرص على زيادته بمسايرة كل ريح، ولو كانت خاطئةً أو خَطِرة، أصبح مثل البقَّال الذي يهمُّه زيادة الزبائن، بصرف النظر عن نوع الطعام، أو منتجي السينما الذين ننتقدهم حين ينظرون إلى الشبَّاك فقط».

متوازنٌ هو، موضوعيٌّ، رأى -مثلًا- أن الخطر على حاضر الأمة ومستقبلها يكمن في الهروب إلى الماضي، والاستكانة إلى القديم، داعيًا إلى التخلص من عوامل التخلُّف، وإلى التقدم للأمام. لكن كيف؟! بتوازنٍ دونما آراء حدِّية يجيب: «إلغاء التاريخ عبث، والسكنى بين مقابره وآثاره انتحار، إنما لا بد من الإسراع بإيجاد صيغة تجمع بين القدرة على استيعاب التراث ومواجهة المستقبل».

ولذا.. لم يهرب مِن أو يقعد عن حرب مواجهة فتاوى الشيوخ التي تخاصم العقل، كتحريم زراعة الأعضاء أو التنبؤ بالطقس! لم يخشَ هالة القداسة التي أحاطت بالبعض وسطوتها على النفوس، إنما عبَّر بقوة ووضوح، قال: «إن الذين يعملون على رقي بلادهم وتحرير مواطنيهم وتطوير مجتمعهم أعرَفُ بروح دينهم من محترفي التلاعب بالنصوص وتلبيسها معاني مزورة تلائم عقدهم النفسية لا أكثر ولا أقل»!

وفي قضية الصراع العربي-الإسرائيلي، يأتي رأيه المهم، مما ينبغي التوقف أمامه بهدوء، للتحليل والفهم.

كان أولًا صاحب أسرع كتاب صدر عن حرب أكتوبر 73 بينما لم ينقشع غبار المعركة بعد، بعنوان «وتحطمت الأسطورة عند الظهر»، ردًّا على كتاب دعائي صهيوني فج كان قد صدر بعد هزيمة 1967 بعنوان «وتحطمت الطائرات عند الفجر»، وصفه «بهاء» بأنه «كتاب لقيط»، لكن الأستاذ أيضًا كان له رأيٌ في مسألة نهاية الصراع مع إسرائيل.

رأى أن نهاية الصراع تكون بوجود مجتمعٍ يهودي -مهما كان الاسم الذي سوف يحمله- يعيش تحت ظلٍّ وارفٍ من وجود مجتمعٍ عربيٍّ واسع، له قيَمُه الحضارية والإنسانية التي تتسع لهذا الوجود وأمثاله في البحر العربي الفسيح، وأن ذلك «لن يتحقق بالقوة العسكرية فقط؛ فلن تقوم يومًا معركة عسكرية واحدة، ينهزم فيها العرب، وإلى الأبد، أو تنهزم إسرائيل وتندثر تمامًا».

ويوضح رأيه قائلاً إن العرب لا يحاربون إسرائيل الموجودة على الخريطة، لكنهم يحاربون الحضارة الغربية، التي تُمثِّل إسرائيل خنجرها المغروس في لحم المنطقة العربية، وبالتالي فهناك فجواتٌ حضارية بين العرب وإسرائيل.

ولذا فهو يرى أنه «سوف تمر فتراتُ قتال، وفتراتُ سكون، لزمنٍ طويل، أطول مما يتصوَّر أحد، قبل حسم الصراع بصورةٍ نهائية، يسبقها تقدُّمٌ حضاري لا بد منه في العالم العربي، حتى يكون على مستوى أية مواجهة، هي -في النهاية- مواجهةٌ حضارية».

«مواجهة حضارية»؟! ما هذا التعبير؟! هل فكَّر فيه أحدٌ من قبل؟! وكيف يمكن أن ينظر إليه الناس؟! بماذا سيعلقون عليه أو ربما يهاجمون صاحبه؟!

لا يهم.. لا يهتم «بهاء» بهذا كله، إنما يقول ما يرضي ضميره، ولذلك نجده يكمل رؤيته بوضوح أكبر إذ يقول: «وحتى ذلك الوقت، ليس المهم هو غزو إسرائيل عسكريًّا، وإنما إقامة نوعٍ من (الوضع المتجمد)، يحاول العرب خلاله إقامة الحد الأدنى من التوازن الحضاري والإستراتيجي».

هذه رؤيته.. فكروا في الأمر.. فهو «بهاء»، الأستاذ، الذي سار دومًا على خط النار، أو حد السيف، بهدوء، بتوازن، بتعقل، لم يخشَ السقوط في براثن الهجوم، فهو كاتبٌ ذو ضمير، وليس «بقَّالًا يهمُّه زيادة الزبائن بصرف النظر عن نوع الطعام».

ولذلك؛ ولأنه لن تكفي بالطبع كلماتٌ قصيرة في مقال للتعمق فيما خلَّفه الرجل من أثر وأفكار؛ فهذه دعوة مبكرة، منبهة، مُذكِّرة، إذ يشهد العام المقبل 2027 في الحادي عشر من فبراير ذكرى مرور مائة عام على ميلاد أحمد بهاء الدين.

فلتجعلوا -ولنجعل جميعًا- العام من أوله عام «بهاء»، بالمقالات والدراسات والتحليلات، بالتعمق في فكره ومناقشته، لا يهم إقامة الندوات والاحتفالات، فقد كان كاتبًا صادقًا، والمهم هو المضمون والنفع وليس المظاهر والشكليات.

اجعلوا 2027 عام «بهاء»، في مختلف المنابر، ليس لأجل الرجل، إنما لأجلنا نحن، للمستقبل، لعل شيئًا ما فينا يتغير!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: