لم تعد الشراكة المصرية-الهندية مجرد عنوان للعلاقات الثنائية بين دولتين تربطهما مصالح اقتصادية وسياسية متنامية، وإنما أصبحت تحمل دلالة أوسع في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. ومع تولي الهند رئاسة مجموعة بريكس خلال عام 2026 واستعدادها لاستضافة القمة الثامنة عشرة في نيودلهي في سبتمبر المقبل، تكتسب العلاقة بين القاهرة ونيودلهي أهمية إضافية، باعتبارها إحدى الشراكات القادرة على المساهمة في صياغة أجندة المجموعة ومستقبل الجنوب العالمي.
وكان هذا المعنى حاضرًا بقوة في الندوة التي نظمتها سفارة الهند في القاهرة حول الشراكة المصرية-الهندية في إطار بريكس.
واللافت أن النقاش لم يتوقف عند السؤال التقليدي حول ما يمكن أن تحصل عليه مصر من بريكس، وإنما اتجه إلى سؤال أكبر: كيف يمكن لمصر والهند أن تساهما في تحويل بريكس إلى منصة أكثر تأثيرة للجنوب العالمي؟
يصعب فهم مستقبل بريكس من دون النظر إلى الوزن المتزايد للمجموعة. فالدول الأعضاء تمثل نحو 40% من الاقتصاد العالمي وفق تعادل القوة الشرائية، وتضم قرابة نصف سكان العالم، بما يجعلها واحدة من أبرز مراكز الثقل في الاقتصاد الدولي.
وتتجاوز أهمية بريكس الأرقام الاقتصادية. فالمجموعة تضم قوى كبرى مثل الصين والهند وروسيا، إلى جانب دول مؤثرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كما أصبحت تمثل وزنًا متزايدًا في التجارة العالمية وإنتاج الطاقة والموارد الطبيعية.
وهذا يعني أن بريكس لم يعد مجرد تجمع للدول الصاعدة، بل أصبح أحد أبرز مظاهر الانتقال الجاري نحو نظام دولي أكثر تعددية.
وكان السفير محمد العرابي، رئيس المجلس المصري للشئون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق، واضحًا في تحديد البعد السياسي لهذا التحول، عندما أكد أن انضمام مصر إلى مجموعة «بريكس+» يفتح آفاقًا جديدة للتعاون مع الدول الأعضاء، وفي مقدمتها الهند.
والأهم أن العرابي شدد على أهمية أن يكون لمجموعة بريكس وللجنوب العالمي صوت قوي في مواجهة القضايا المصيرية التي تهدد السلام والاستقرار الدوليين، مؤكدًا ضرورة تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء في مواجهة التحديات الدولية.
هذه الرؤية تنقل بريكس من مجرد إطار اقتصادي إلى منصة سياسية أوسع. فالجنوب العالمي لم يعد يريد أن يكون مجرد متلقٍ للقواعد التي تضعها القوى الكبرى، وإنما يسعى إلى المشاركة بصورة أكبر في صياغة تلك القواعد.
وهنا تبرز قيمة مصر داخل المجموعة، ليس فقط بسبب موقعها الاقتصادي والجغرافي، وإنما أيضًا بسبب علاقاتها العربية والأفريقية ودورها التاريخي في قضايا العالم النامي.
وتأتي رئاسة الهند لبريكس في توقيت شديد الأهمية. فالمجموعة خرجت من مرحلة التوسع الكبير الذي أضاف إليها دولاً من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وأصبحت أمام اختبار الانتقال من مجرد توسيع العضوية إلى بناء تعاون عملي أكثر فعالية.
وقد أشار السفير تامر مصطفى، مساعد وزير الخارجية للشئون الاقتصادية متعددة الأطراف والممثل الشخصي لرئيس الجمهورية في بريكس، إلى هذا المعنى بقوله: "إن مشاركة مصر في بريكس تعكس قناعتنا بأن تعزيز التعاون بين الاقتصادات الناشئة والنامية يمكن أن يسهم بصورة مهمة في تحقيق تمثيل أكبر لها في عملية صنع القرار العالمي".
وتكتسب الرؤية الهندية أهمية خاصة في هذا السياق. وقال السفير نغولخام جاتوم غانغتي، نائب وزير الخارجية الهندي ومدير عام المجلس الهندي للشئون العالمية، إن توسع بريكس يعكس التحولات العميقة في موازين القوة العالمية، ويؤكد تنامي دور الاقتصادات الناشئة والدول النامية في صياغة مستقبل النظام الدولي. وشدد على أهمية تعزيز التعاون بين أعضاء المجموعة، بما يجعل بريكس منصة أكثر فاعلية للتنمية والتنسيق، ويمنح الجنوب العالمي صوتًا أقوى في القضايا الدولية.
وتمتلك الهند في هذا السياق ميزة خاصة. فهي قوة آسيوية صاعدة، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا ودول الجنوب. ومن ثم تستطيع أن تؤدي دورًا في بناء جسور بين مراكز القوة المختلفة، بدلاً من تحويل بريكس إلى كتلة مغلقة في مواجهة الغرب.
وتعكس الرؤية الهندية داخل مؤسساتها البحثية الرسمية هذا التحول بوضوح. فقد وصف السفير الهندي السابق دي. بي. فينكاتيش فيرما بريكس بأنه "تعبير عن التعددية القطبية"، مشيرًا إلى أن انضمام دول من الشرق الأوسط ورغبة دول أخرى في الانضمام يعكسان جاذبية المجموعة كمنصة للنظام الدولي متعدد الأقطاب.
وهنا تلتقي الرؤية المصرية والهندية عند نقطة جوهرية: بريكس ليس بالضرورة مشروعًا لمواجهة الغرب، وإنما منصة لتوسيع مراكز القوة والقرار في النظام الدولي، وإتاحة خيارات أكبر أمام الدول النامية.
والتحدي الحقيقي أمام بريكس ليس إثبات أهميته، فقد أصبح ذلك أمرًا يصعب تجاهله، وإنما تحويل هذا الوزن إلى قدرة عملية على التأثير.
وقد أشار العرابي إلى تحديات سياسية واقتصادية وجيوسياسية تواجه المجموعة، من بينها ضرورة تعزيز التنسيق بين أعضائها والتعامل مع التحولات الجارية في النظام المالي العالمي.
وهنا يمكن أن تصبح الشراكة المصرية–الهندية نموذجًا مهمًا. فالتعاون بين البلدين يمكن أن يتوسع في التجارة والاستثمار والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، إلى جانب العمل المشترك داخل مؤسسات بريكس.
ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن الجانب المالي يكتسب أهمية خاصة في ظل اتجاه دول المجموعة إلى تعزيز استخدام العملات الوطنية في التجارة، وتطوير آليات تمويل بديلة. كما أن بنك التنمية الجديد يمثل إحدى الأدوات العملية لهذا المسار، وقد أصبحت مصر عضوة فيه، بما يفتح أمامها فرصًا إضافية لتمويل مشروعات التنمية والبنية الأساسية.
لكن المطلوب ليس بناء نظام مالي مغلق في مواجهة النظام القائم، وإنما توسيع الخيارات أمام الاقتصادات الناشئة وتعزيز قدرتها على مقاومة الصدمات وتنويع مصادر التمويل والتجارة.
وتتمتع مصر والهند بموقعين إستراتيجيين يجعلان تعاونهما داخل بريكس ذا قيمة تتجاوز العلاقات الثنائية. فمصر تمثل جسرًا بين العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط، بينما تمثل الهند إحدى أهم القوى الصاعدة في آسيا والمحيط الهندي. ويتيح هذا الموقع للبلدين إمكانية بناء جسور بين دوائر جغرافية واقتصادية وسياسية مختلفة داخل الجنوب العالمي.
ومن هنا يمكن للتعاون المصري-الهندي أن يدفع بريكس نحو أجندة أكثر ارتباطًا بالتنمية، بدلاً من اختزال المجموعة في المنافسة الجيوسياسية.
وقد أكد العرابي أن "الحوار البناء وتكامل الرؤى بين مصر والهند يمثلان الطريق الأمثل لتعزيز مكانة بريكس+ كمنصة للتعاون الدولي العادل والمتوازن، بما يخدم مصالح الشعوب ويدعم الاستقرار الإقليمي والدولي".
ويبقى أن طريق بريكس لن يكون خاليًا من العقبات. فالدول الأعضاء تختلف في أنظمتها السياسية، ومصالحها الاقتصادية، ورؤاها تجاه القضايا الدولية. ولذلك فإن تحويل المجموعة إلى تحالف سياسي موحد ليس ضروريات، وربما لا يكون ممكنًا.
لكن قوة بريكس قد تكمن تحديدًا في مرونته. فهو يستطيع أن يكون منصة تتعاون فيها الدول عندما تتقاطع مصالحها، وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقاتها مع مختلف القوى العالمية. وهذه المرونة تتناسب مع عالم يتجه نحو تعددية أكبر، ولا يريد كثير من دوله العودة إلى منطق الاستقطاب الحاد.
وهنا تكتسب الشراكة المصرية–الهندية أهمية خاصة، ويؤمن السفير الهندي لدى مصر، سوريش كيه ريدي، أن القاهرة تعزز قوة بريكس، وتمنحها "زخمًا وديناميكية جديدة" على الساحة الدولية.
إلا أن مصر والهند لا تحتاجان إلى الاختيار بين الشرق والغرب، وإنما تستطيعان العمل من أجل توسيع مساحة الجنوب العالمي داخل النظام الدولي، وتعزيز قدرته على التأثير في القضايا التي تمس السلام والتنمية والاستقرار.
لقد أصبح بريكس أحد أبرز المؤشرات على أن العالم يتغير. وتظهر أرقامه أن التحول ليس مجرد فكرة سياسية، بل واقع اقتصادي وديموغرافي متزايد القوة.
المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون حول ما إذا كان العالم أصبح متعدد الأقطاب، وإنما حول شكل هذه التعددية، ومن يشارك في صياغة قواعدها.
وفي هذه المعادلة، يمكن للشراكة المصرية-الهندية أن تتحول من مجرد شراكة بين دولتين إلى جسر يربط مصر والهند وبريكس والجنوب العالمي، ويسهم في رسم ملامح النظام الدولي الجديد.