قضايا الهوية والانسلاخ عنها من القضايا المهمة التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، ولا يزال شغل المفكرين الشاغل في أيامنا هذه، سواء كانت هويتنا الثقافية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو هويتنا الاقتصادية وجدلية النهوض باقتصادنا القومي الذي هو بمثابة ركن مهم من أركان الحفاظ على هويتنا الوطنية، فإذا ما كان اقتصادًا قويًا يستشعر المواطن من خلاله بالراحة والطمأنينة والأمن، فلن يفكر يومًا ما أن ينسلخ عن ذاته، أو يغير مبادئه وأولوياته.
كذلك الأمر بالنسبة للانسلاخ عن الذات بدعوى المواكبة والمعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة، فهل يعقل أن ننسلخ عن ذواتنا وننسى أصولنا وتقاليدنا وأعرافنا وأعراقنا وديننا وقيمنا بدعوى الحرية والمعاصرة؟!
هل الحرية أن نفعل ما نشاء في أي وقت نشاء؟!
هل الحرية، ونحن في مجتمعات شرقية محافظة في الأصل لها تقاليدها في زيها الذي ترتديه، وفي مأكلها ومشربها، هل الحرية تستدعي أن نتحرر من كل هذه الأمور، التي تحفظ علينا هويتنا وكينونتنا؟!
هل الحرية التي كفلتها جميع الدساتير الإنسانية تقتضي أن نضرب بمبادئنا التي نشأنا عليها عرض الحائط؟!
هل الحرية تجعلنا ننسلخ من هويتنا من أجل اللذة الزائفة الزائلة التي تزول بزوال المؤثر؟! هل الحرية تجعلنا نصير ناقلين مقلدين تقليدًا أعمى، نسير كالقطيع لا نسأل إلى أين المسير؟! وهل هذا الطريق الذي سنسلكه سيقودنا إلى الخير أم إلى التيه والضلال وفقدان شخصياتنا التي دعت الشرائع دومًا إلى الحفاظ عليها؟!
ألم يقل الله تعالى موبخا أولئك الذين يسيرون كالقطيع على غير هدى ولا كتاب منير(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
فإنه حتى لا يتهمنا أحد بالتخلف والرجعية وعدم المواكبة والمعاصرة، فإننا لا نرفض الحداثة، لا نرفض التقدم التقني، لا نرفض الثورة المعلوماتية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وإنما الذي نرفضه هو التحرر والانسلاخ من هويتنا بدعوى هذه المعاصرة المزعومة، فالمعاصرة والمواكبة الحقيقية لا تعني الاغتراب الذي بالضرورة سيتبعه التغريب والانسلاخ عن هويتنا.
التغريب المقصود الذي يسعى أعداء أمتنا العربية والإسلامية ليلاً ونهارًا إلى إحداثه ولا يدخرون جهدًا، بل وينفقون ملايين الدولارات من أجل تحقيقه، وشاهدي على ذلك، وغير خاف على أحد، الحفلات التي تقام الآن هنا وهناك، والاختلاط الفج الذي يحدث، هل هذه حرية، أم أن ما يحدث تغريب عن ذواتنا، ملهاة الغرض منها تعطيل العقول عن التفكير في المستقبل والانغماس في لذة لحظوية، دعت إليها قديمًا المدرسة القورينائية- إحدى المدارس اليونانية القديمة التي وظفت فكر سقراط عن السعادة توظيفًا خاطئًا فتحولت إلى مدرسة تدعو إلى لذة "عيش اللحظة".
وما إن نستفيق نجد الوقت قد فات، ثم تلاحقنا الحفلات تلو الحفلات، وإن كنا لا نرفض حفلات الترفيه، لكن شتان بين حفلات واحتفالات، فالحفلات القيمة الهادفة تختلف جملة وتفصيلا عن الاحتفالات الماجنة.
حتى عندما تحدث الفلاسفة عن الحرية، ماذا قال جان بول سارتر، قال حريتي لا تتحقق إلا على مسرح حريات الآخرين، عندما يكون الآخر حرًا أصبح أنا حرًا، فالحرية مسئولية.
أما أن ننسلخ عن ذواتنا بدعوى الحرية إعمالاً للعبارة الفاشلة، أنا حر ما لم أضر.
وما أدراكم أنكم لا تضرون، تضرون أنفسكم قبل كل شيء، ثم تضرون المجتمع الذي تعيشون فيه، فما تفعلونه يعد بمثابة دعوة للفحش والفجور.
ولننظر حولنا، لماذا كثرت جرائم الاغتصاب؟! لماذا كثرت جرائم التحرش؟! لماذا انتشرت المخدرات بهذه الصورة البشعة؟! لماذا انتشرت جرائم القتل؟! لماذا زادت حالات الطلاق؟!
وإذا ما وقعت الكوارث، نلطم الخدود، ونزعق بأعلى أصواتنا، الحقونا، اذهبوا وراجعوا محاضر أقسام الشرطة ستجدون آلاف المحاضر التي حررت وتحمل ذات المعنى.
إن الانسلاخ عن الهوية قضية مهمة لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام، ومن ثم واجب الوقت وفقه الواقع وفقه الضرورة أن يتصدى الجميع للحفاظ عليها، على هويتنا، رب الأسرة عليه دور لا يمكن إغفاله أو تجاهله، فهو ليس آلة في ترس تدر الأموال، المدرسة عليها دور، المقررات الدراسية، الجامعات لا ينبغي أن يتوقف دور الأستاذ الجامعي عند المقرر التدريسي الذي يقدمه لطلابه.
علماء الدين عليهم معول كبير في الحفاظ على هويتنا، وعدم الانسلاخ عنها في خطاب توعوي ديني عن طريق الخطب المنبرية وحلقات العلم، علماء النفس، علماء الاجتماع.
كذلك على الإعلام دور مهم لا يمكن تجاهله أو إغفاله، عن طريق تفعيل البرامج الثقافية التوعوية الهادفة؛ من خلال استضافة علماء أجلاء يوضحون للناس قيمة الحفاظ على هويتنا؛ من خلال مذيعين مثقفين يعون ما يقولون.
إن المعاصرة الحقيقية هي أن نحافظ على هويتنا ونحافظ على موروثنا الحضاري ونوظفه لخدمة واقعنا المعاصر الذي نحياه، إن المعاصرة الحقيقية التي تجعلنا نقول على هذا الإنسان إنه إنسان عصري، أن يسعى إلى معرفة كل جديد.
كل ما يفيدنا ويجعلنا نتقدم في المجال التكنولوجي والبرامجي والميتافيرسي، وعالم الذكاء الاصطناعي وعالم الرقمنة، أما أن ننسلخ عن ذواتنا وننجرف مع تيار الموضة والملبس، فلا يمكننا بحال من الأحوال أن نقول لكم لا تلبسوا ولا تأكلوا، ولكن دونما إفراط أو تفريط، شريطة ألا يخل ذلك بمبادئنا وقيمنا.
وهذه من وجهة نظري المعاصرة الحقيقية.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق