تحل اليوم الثامن عشر من اغسطس ذكرى ميلاد الفنان جميل راتب الذي استطاع طوال مسيرته الفنية أن يجمع بين الثقافة والموهبة والانفتاح على التجارب العالمية ليصبح واحدا من أبرز الفنانين المصريين الذين تركوا بصمة مميزة في السينما والمسرح والتليفزيون داخل مصر وخارجها.
موضوعات مقترحة
ورغم نشأته في عائلة وصفها بأنها ارستقراطية فإن جميل راتب لم يشعر بالانتماء الكامل إلى هذا العالم وكان بطبيعته شخصا خجولا إلى أن اكتشف المسرح الذي منحه الشعور بوجوده وفتح أمامه الطريق لتحقيق حلمه في أن يصبح ممثلا.
المسرح نقطة التحول في حياته
بدأ اهتمام جميل راتب بالتمثيل خلال سنوات الدراسة حيث شارك في الفرق المسرحية المدرسية والجامعية وكانت اللحظة الفارقة عندما وقف للمرة الأولى على خشبة المسرح وشعر بأن الجمهور يستمع إليه.
وأوضح جميل راتب خلال لقائه مع الإعلامية إسعاد يونس في برنامج " صاحبة السعادة " أن أداءه في البداية لم يكن متميزا لكنه أصر على الاستمرار والنجاح في هذا المجال، مؤكدا أن المسرح منحه الثقة بنفسه وساعده على اكتشاف قدراته.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية قرر السفر إلى فرنسا لتحقيق حلمه في دراسة التمثيل والعمل بالفن، وكان القرار مخالفا لرغبة أسرته التي لم تكن ترى في التمثيل مهنة مناسبة له.
جميل راتب
رحلة شاقة في فرنسا
وقرر السفر إلى فرنسا في منتصف الأربعينيات حيث كان يدرس الحقوق والسياسة في الوقت نفسه الذي بدأ فيه دراسة التمثيل لكنه سرعان ما قرر أن يجعل الفن هدفه الأساسي.
ولم تكن رحلته سهلة فقد اضطر إلى العمل في عدد من المهن حتى يتمكن من الإنفاق على نفسه فعمل كومبارسا ومترجما وجرسونا، كما عمل في سوق الخضار.
ورغم صعوبة هذه الفترة أكد أن تلك التجارب كانت من أهم الدروس في حياته لأنها عرفته على طبقات مختلفة من المجتمع وجعلته أكثر وعيا بمشكلات الناس وقضاياهم.
ومع مرور الوقت بدأ جميل راتب يثبت أقدامه في المسرح الفرنسي وشارك في أعمال لكتاب كبار من بينهم شكسبير وموليير وراسين وكورني وكامو، كما تعرف على أسماء بارزة في عالم الثقافة والفكر مثل سارتر.
جميل راتب
من المسرح الفرنسي إلى السينما العالمية
لم تقتصر تجربة جميل راتب على المسرح حيث اتجه إلى السينما الفرنسية وشارك في عدد من الأعمال التي ساعدته على توسيع حضوره الفني.
وقال: إن من أبرز محطاته مشاركته في فيلم لورنس العرب الذي فتح أمامه أبوابا جديدة في السينما العالمية، كما عمل مع الفنان العالمي أنتوني كوين الذي نشأت بينهما علاقة صداقة قوية استمرت لسنوات.
وتحدث جميل راتب عن أنتوني كوين باعتباره فنانا إنسانيا وذكيا وموهوبا مؤكدا أنه لم ينس المساعدة التي قدمها له في إحدى الفترات الصعبة عندما استعان به للعمل كمساعد مخرج حتى يظل قريبا من عالم السينما.
جميل راتب
جميل راتب.. الممثل الذي يعيش الشخصية لا يؤديها فقط
كان جميل راتب يؤمن بأن هناك فرقا بين الممثل الذي يؤدي الدور والممثل الذي يعيش الشخصية وهو ما انعكس على اختياراته الفنية.
وقال إنه كان يفضل الأدوار البعيدة عن شخصيته الحقيقية لأنها تتطلب منه دراسة أعمق للشخصية ومحاولة فهم تفاصيلها ودوافعها.
كما أكد أن حجم الدور لم يكن معيارا بالنسبة له بقدر أهمية العمل نفسه، موضحا أنه يفضل المشاركة في دور ثانوي داخل فيلم يحمل قيمة فنية على أن يكون بطلا في عمل لا يقتنع بمضمونه.
جميل راتب
المسرح ظل الأقرب إلى قلبه
رغم نجاحه الكبير في السينما والتليفزيون ظل المسرح يحتل مكانة خاصة في قلب جميل راتب.
وكان يرى أن المسرح يمنح الممثل مساحة أكبر للتفاعل المباشر مع الجمهور كما يمنحه حرية في اكتشاف تفاصيل جديدة للشخصية أثناء العرض.
وأكد أن الممثل المسرحي يكتسب خبرة مختلفة لأن العرض الحي لا يسمح بإعادة المشهد أو تصحيح الخطأ كما يحدث في السينما والتليفزيون.
ولهذا ظل ارتباطه بالمسرح قويا حتى سنواته الأخيرة، وكان يعتبر الالتزام بالمواعيد واحترام الجمهور من أهم القواعد التي يتعلمها الفنان على خشبة المسرح.
جميل راتب.. الشرير الذي أحبه الجمهور
ارتبط اسم جميل راتب في بدايات أعماله في مصر بعدد من أدوار الشر خاصة أن ملامحه وصوته وطريقته في الأداء ساعدته في تقديم هذه النوعية من الشخصيات بشكل مقنع.
لكنه لم يكتف بتكرار نفسه وحرص مع مرور السنوات على البحث عن الشخصيات المختلفة التي تمنحه فرصة للتنوع والتحدي.
ومن أبرز أدواره الشخصية التي قدمها في فيلم الكيف التي تعد واحدة من أشهر الشخصيات التي قدمها ونجح من خلالها في تقديم نموذج مختلف عن الصورة التي اعتاد الجمهور رؤيته بها.
كما قدم شخصية مميزة في مسلسل الراية البيضا، مؤكدا أنه كان يفضل دائما تقديم الشخصيات البعيدة عن شخصيته الحقيقية لأنها تمنحه مساحة أكبر للدراسة والتقمص.
أنتوني كوين وذكريات لا تنسى
من أكثر القصص التي رواها جميل راتب عن حياته خلال اللقاء التليفزيوني علاقته بالفنان العالمي أنتوني كوين الذي تعرف إليه خلال تصوير فيلم لورنس العرب.
وكشف أن كوين ساعده في إحدى الفترات عندما لم يكن لديه عمل وعرض عليه المشاركة في أحد الأفلام الايطالية ثم استعان به كمساعد مخرج.
وأشار إلى أن هذه التجربة لم تكن مجرد فرصة للعمل بالنسبة إليه لكنها كانت أيضا دليلا على إنسانية أنتوني كوين وحرصه على مساعدة زملائه.
كما روى موقفا مؤثرا جمعهما عقب اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي حيث طلب منه المخرج ألا يخبر كوين بالخبر قبل تصوير أحد مشاهده حتى لا يؤثر الأمر على أدائه.
وبعد انتهاء المشهد علم كوين بالخبر ودخل في حالة من الحزن الشديد وطلب من جميل راتب أن يوصله إلى منزله ومنذ ذلك الوقت ازدادت قوة الصداقة بينهما.
صوت جميل راتب في عمر المختار
لم يتوقف حضور جميل راتب في السينما العالمية عند التمثيل فقط حيث شارك بصوته في النسخة العربية المدبلجة من فيلم عمر المختار الذي تناول سيرة المناضل الليبي عمر المختار.
وكان لصوته المميز حضور واضح في العمل إلى جانب عدد من الفنانين المصريين الذين شاركوا في النسخة العربية.
تكريم الفنان في حياته
كان جميل راتب من الفنانين الذين اهتموا بقيمة التكريم وأهميته بالنسبة إلى الفنان وهو على قيد الحياة
وأكد أن تكريم الفنان بعد وفاته يفقد جزءا مهما من معناه لأن الفنان نفسه لا يستطيع أن يشعر بقيمة التكريم أو بوفاء الجهة التي تكرمه.
وكان يرى ضرورة الاهتمام بتكريم الفنانين وهم أحياء ومنحهم التقدير الذي يستحقونه بعد سنوات طويلة من العطاء في السينما والمسرح والتليفزيون.
مسيرة فنية عابرة للحدود
ترك جميل راتب بصمته في السينما المصرية والفرنسية والتونسية والمغربية والجزائرية، كما شارك في أعمال ذات طابع دولي.
ولم يكن نجاحه في الخارج سببا للابتعاد عن مصر بل عاد ليقدم أعمالا تركت أثرا كبيرا لدى الجمهور المصري والعربي وأثبت أن الفنان يستطيع أن يصل إلى العالمية دون أن يفقد هويته المصرية.
واستطاع خلال مشواره أن يقدم شخصيات متعددة المستويات وأن ينتقل بين الكوميديا والتراجيديا والشر والشخصيات الانسانية والسياسية دون أن يحصر نفسه في قالب واحد.
فنان آمن بأن الفن هو الهدف
لم يكن جميل راتب ينظر إلى الفن باعتباره وسيلة للشهرة فقط بل كان يؤمن بأن الفنان الحقيقي يخدم الفن والثقافة وأن قيمة الممثل لا تقاس بعدد البطولات التي يقدمها وإنما بما يتركه من أثر في وجدان الجمهور.
وبهذه الرؤية استطاع أن يحافظ على مكانته لعقود طويلة، وأن يصبح واحدا من الفنانين الذين يصعب وضعهم في خانة واحدة.
فقد جمع بين المسرح والسينما والتليفزيون وقدم تجارب محلية وعالمية ونجح في أن يعود من رحلة طويلة في أوروبا ليصبح أحد أبرز الوجوه الفنية في مصر.
وتبقى ذكرى ميلاد جميل راتب مناسبة لاستعادة مشوار فنان اختار طريقه بنفسه وخاض رحلة شاقة من أجل الفن قبل أن يعود إلى مصر محملا بخبرة عالمية وموهبة استثنائية جعلته واحدا من أهم نجوم الفن المصري.