أحب الرقم حين لا يكون مجرد رقم؛ بل حين يكون وراءه عمرٌ، أو ذكرى، أوحدثٌ، أو إنسانٌ، أو علامةٌ فارقة في حياة أمة.
أحب الرقم حين يفتح بابًا ولا يغلق جملة، وحين يقودني إلى حكاية لم أكن أعرف أنني ذاهبة إليها.. ولهذا، وأنا أقرأ مقال أستاذتي سناء البيسي عن «حديث الأرقام» بجريدة الأهرام، وجدتني لا أقرأ مقالًا عن الأرقام فقط، وإنما أرى نبض الأستاذة سناء نفسها؛ التي عرفتها يوم كان مكتبها مفتوحًا للجميع.
كان مكتبها يشغي كخلية نحل، كالمعامل التي لا تتوقف عن الحركة والتدقيق والرسم. وكانت لديها عادة جميلة تشبه بساطتها؛ تخلع حذاءها وتركنه بجانب طاولة الاجتماعات، وتتحرك كباليرينا خفيفة حافية القدمين، تتجول برقة بين أوراق «الدشت» بألوانها الصفراء الباهتة. أقلامها الملونة بالأسود والأحمر والأزرق منتشرة في كل مكان بمكتبها، الذي رغم زحامه كان منظمًا وهادئًا. لم يكن القلم يفارق يدها حتى وهي تقابل ضيفًا؛ تمسك به وترسم وتخط، أو تكتب على الورق وكأنها تقبض على أفكارها من خلاله.
وفي ركن متألق، كان يجلس الأستاذ عادل صبري، سكرتير التحرير، الذي لا يفارق المساحة كي يشاركها رسم المجلة وتسكين الصور. كان المكتب مفروشًا بالبروفات والـ«بروجيه»، مفتوحًا كطاقتها التي تحتوي كل أبنائها من صحفيي «نصف الدنيا» مع حفظ الألقاب: مها شهبا، وزينب عبدالرزاق، وأمل فوزي، وأمل سرور، وحنان مفيد فوزي، ومروة الطبجي، وصافيناز الطرابيشي، وهاني فاروق، وأشرف سيد، وهبة سليمان، وهناء نجيب، وأميمة إبراهيم، وأليس المنقبادي، ومنى الدحة، وريم رأفت، وحسن عبدالله، وعلي السيد، وعبداللطيف نصار، وأحمد الشهاوي، ومحمد الناصر، وصلاح مطر، ومحمد السهيتي، وطه جبريل، ومحمود مكاوي، وسناء مدني، وجيهان لطفي، وناهد الكاشف، وأمل الشريف، وأميرة منتصر، وأميمة رشوان، ودينا سعيد، وهويدا يوسف، وهبة باشا، ومحمد غنيم.. بجانب أطياف الزملاء الراحلين الذين غادرونا، ولكن بقيت أرواحهم: أحمد عبدالمطلب، ومحمد حجازي، ومحمد عنان، ومصطفى الجمل، ومدحت عرابي، ومحمد عبدالوهاب، وعم محمد عبدالحميد (رحمهم الله جميعًا)، وغيرهم ممن جاءوا بعد ذلك.
رغم ضغط الشغل والضيوف، كانت تستقبلنا ببشاشة لا تشعرنا بأننا نعطلها، أو أننا بحاجة إلى موعد. بابها كان مفتوحًا مثل شرايين قلبها المتعبة من هموم العمل والحياة دون أن تشتكي. كانت وما زالت إنسانة نقترب منها بلا خوف؛ تحتوينا حتى هذا اليوم.. ولِمَ لا ونحن الأبناء الذين ربتهم على حب المهنة والقفز فوق التحديات!!
كان مكتبها من أهم غرف تكويني.. تحمل روح الدعابة، وتستطيع أن تضحك في لحظات التوتر لتزيح بكلمة صغيرة نصف القلق. خفة دمها لم تكن تسلية، بل وسيلة لتفتح في داخلنا الطريق إلى أفضل ما لدينا؛ ندخل إليها بفكرة فنخرج بأجمل منها، ندخل بنص فنعود لنكتبه بصورة أبهى، ندخل مترددين فنخرج أكثر ثقة. كانت تمتلك موهبة القائد الحقيقي: أن يرى الإيجابيات فيمن يعملون معه قبل أن يرى النقص، وأن يجعلك تكتب ثقةً في نفسك لا خوفًا منه.
كانت تجعلنا نبتسم للحياة ثم تدفعنا للكتابة؛ تطمئننا وتطلب الأفضل، تترك لنا المساحة دون أن تتركنا وحدنا. وكانت حائط صد لنا جميعًا؛ إذا اقترب أحد ليضايقنا أو افتعل معنا أزمة، تتصدى فورًا. وإذا أردنا فهم موقف قانوني، كانت ظهرنا وسندنا، لا تقول فقط «لا تخافوا»، بل تمنحنا الأسباب كي لا نخاف.
أتذكر موقفًا تعرضتُ له في أحد الموضوعات التي نشرتُها بالمجلة؛ حيث هددني المصدر بحجة قربه وقتها من الأستاذ إبراهيم نافع رئيس التحرير ورئيس مجلس إدارة الأهرام (رحمه الله). يومها تصدت الأستاذة سناء للموقف برمته، وقالت لي جملتها التي لم ولن أنساها: «اشتغلي ولا حيقدر يهوب ناحيتك.. ولا الهوا حتى!». قالتها ببساطة، لكنها بقيت في ذاكرتي مظلة أمان؛ فالقوةُ أن تعمل في مناخٍ صحيٍّ تستمدُّ فيه طاقتَك من رئيسك المباشر، لا من ألسنةٍ تنقل الشائعاتِ فيصبح الجوُّ سامًّا.
كانت امرأة قوية ومثقفة؛ إبداعها في عقلها وفكرها واحتوائها لكل من حولها من الزملاء وفريق العمل.. تمتلك أدوات المهارة والأداء الصحفي الذي علمته لنا ونقلته إلينا عبر تاريخها بالمجلة.. تعرف متى تقف، ومتى تفتح الباب، ومتى تتحول إلى سد منيع.
هذه هي الأستاذة سناء البيسي التي قد لا تعرف الأجيال الجديدة مدى نبلها وكرمها؛ فمن لم يتعلم على يديها فقد فاته الكثير في عالم الصحافة.
ولهذا كله أحببت مقالها «حديث الأرقام»؛ فهي لم تتعامل مع الرقم كشيء جامد، بل جعلته يتحرك بيننا. أخذتنا من الواحد إلى الأربعة، ومن الأرقام المتكررة والفردية، وفي القرآن الكريم إلى السنن والأحاديث، ومن التاريخ للأدب، ومن الرواية للسينما، ومن قصص البشر لعجائب الكون والجوائز والصحة، ثم عادت بنا إلى الواقع وكأن كل هذه المسافات شارع واحد ننتقل فيه دون أن نضل الطريق.
وهنا يكمن إبداع قلمها؛ إنها لا تَعُدّ الأرقام، بل تحكيها. الرقم عندها ليس «كَمْ؟»، بل «ماذا وراء الكَمْ؟».. ما حكايته؟ مَن عاشه؟ وماذا يقول لنا اليوم؟ تضع الرقم بجوار تاريخ فيولد معنى، وبجوار إنسان فيصبح ذاكرة.
ولعل أكثر ما استوقفني في مقالها، تلك اللحظة التي وضعت فيها جوائز الدولة ومكافآت الكرة جنبًا إلى جنب؛ «جائزة النيل» - وهي أرفع جائزة تمنحها الدولة لمفكريها وعلمائها- بقيمتها التي لا تتعدى خمسمائة ألف جنيه، وفي الكفة الأخرى مكافأة لاعب كرة قد تتخطى المليون لمجرد تسجيل هدف!
تركتنا أمام سؤال يفرض نفسه: هل للهدف جمهور أوسع من الفكرة؟ وهل التصفيق للقدم أعلى وأغلى من التصفيق للقلم؟ أيهما أثمن: «القدم» أم «القلم»؟ هنا تصبح السخرية أبلغ من الغضب، وكأن الرقم يتطلع للمفكر ويقول له بابتسامة مريرة: «معلش يا أستاذ... واضح إنك اخترت المجال الغلط!».
وهذه هي الأستاذة التي أحبها؛ لا تصرخ في وجه الواقع، بل تضع الأرقام بجوار بعضها، وتتركنا نضحك قليلًا، وبعد الضحكة نفكر كثيرًا.
أستاذتي سناء البيسي.. كتبتِ عن «حديث الأرقام»، فأيقظتِ في داخلي أرقامًا لا توجد في دفاتر الحساب: كم مرة أضحكتِنا!! كم مرة جعلتنا نكتب أفضل!! كم مرة حميتِ أحدًا منا!! كم فكرة صغيرة خرجت من مكتبك وهي أكبر مما دخلت!! وكم سنة مرت وما زالت كلمة منكِ كفيلة بتهدئة القلب!!
هذه أرقام لا أعرف كيف أحسبها، لكنني أعرف أنها صنعت جزءًا أصيلًا من حياتي. ولذلك حين أقول إنكِ «نصف دنياي» فأنا لا أبالغ.. أتحدث عن امرأة دخلنا مكتبها فكانت الصانع الماهر الذي يشكل أحداثنا، والجواهرجي الذي يحول موضوعاتنا إلى ألماس. كانت بسيطة، كريمة، طيبة القلب، تفصل حزنها الخاص لتضحك في وجوهنا، والقلم جاهز والقلب يتسع للجميع.
كبرنا وتغيرت الأيام وتبدلت الصحافة والمجلات، لكن هناك ثوابت لا تتغير؛ منها أثر الأستاذة حين تكون أمًا، وصديقة، وظهرًا، وحائط صد، ويدًا تدفعك إلى الأمام.
فهناك أرقام تُكتب وتُعبر، وأرقام تُسجل في التاريخ، وأرقام تُحسب بالعمر.. أما أنتِ، فلكِ مكانة لا تستوعبها الأرقام، لأنكِ ببساطة لم تكوني رقمًا عاديًا في حياتنا.. بل كنتِ وما زلتِ «نصف دنياي».