في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف تملأ القلوب يقينًا بعظيم منزلة الشهداء عند الله، ومن أعظم تلك المواقف قصة عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه، أحد كبار الأنصار، وأحد نقباء بيعة العقبة، ووالد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
موضوعات مقترحة
ولم يخلد التاريخ اسمه لأنه استشهد في غزوة أحد فحسب، بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ابنه جابرًا بخبر عظيم لم يثبت لغيره من الشهداء بهذه الصيغة، وهو أن الله سبحانه وتعالى كلم أباه بعد استشهاده مباشرة، تكريمًا له، وبشره بما أعده للشهداء من النعيم المقيم.
من هو عبد الله بن عمرو بن حرام؟
هو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، من بني سلمة، وكان من سادات الأنصار وأهل السابقة في الإسلام.
شهد بيعة العقبة الثانية، واختاره النبي صلى الله عليه وسلم واحدًا من النقباء الاثني عشر الذين حملوا مسئولية نشر الإسلام في المدينة، وهو ما يدل على مكانته وثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم به.
وقد ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن حجر في الإصابة ضمن كبار الصحابة الذين كان لهم دور بارز في نصرة الدعوة منذ بدايتها.
ربّى ابنه على حب الإسلام
كان عبد الله رضي الله عنه والد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، أحد أكثر الصحابة روايةً للحديث.
وقد نشأ جابر في بيت امتلأ بالإيمان والجهاد، وتأثر كثيرًا بأبيه، حتى ظل يروي مواقفه بعد وفاته، فحفظت لنا كتب السنة والسيرة كثيرًا من أخباره.
وكان عبد الله رضي الله عنه حريصًا على تربية أولاده على طاعة الله، حتى أصبح أبناؤه من خيرة المسلمين.
أمنية الشهادة قبل غزوة أحد
عندما خرج المسلمون إلى غزوة أحد، شعر عبد الله رضي الله عنه أن يومه قد اقترب.
فقال لابنه جابر: "ما أراني إلا أول قتيل يُقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأوصاه بأهله وأخواته، وأمره بقضاء ديونه إن استشهد.
وقد روى جابر هذه الوصية، وذكرها الإمام البخاري في صحيحه، مما يدل على حرص عبد الله رضي الله عنه على أداء الحقوق، حتى وهو يستعد للقاء الله.
أول شهداء أحد
دخل عبد الله رضي الله عنه المعركة وهو يتمنى الشهادة.
وقاتل قتالًا شديدًا دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى استشهد في بداية المعركة، فكان من أوائل شهداء أحد.
ودُفن مع الصحابي عمرو بن الجموح رضي الله عنه في قبر واحد، لأن كليهما كان من بني سلمة، وكان بينهما من المحبة والإخاء ما جعلهما يجتمعان في الحياة والجهاد، ثم في القبر.
الصحابي الذي كلمه الله
بعد استشهاده، كان ابنه جابر حزينًا لفراقه. فواساه النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات تعد من أعظم ما ورد في فضل الشهداء، فقال: "يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أعطك. فقال: يا رب، تحييني فأُقتل فيك ثانية. فقال الله: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون...". رواه الإمام الترمذي وابن ماجه، وصححه عدد من أهل العلم، وحسنه الألباني.
وفي هذا الحديث بيان لعظيم منزلة عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، وأن الله أكرمه بهذا الخطاب المباشر بعد استشهاده.
آية نزلت في الشهداء
وقد نزل في شهداء أحد قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 169-170]
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في شهداء أحد، ومنهم عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، فهي تصف الحياة الكريمة التي أعدها الله لهم بعد استشهادهم.
وفاء الابن لوصية أبيه
بعد وفاة عبد الله رضي الله عنه، بقي جابر يحمل همَّ تنفيذ وصية أبيه.
وكان على والده دين، فاجتهد في سداده، حتى أعانه الله، وقد وردت قصة قضاء دينه وما وقع فيها من بركة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري.
وهكذا ظل جابر وفيًا لأبيه بعد وفاته، كما كان أبوه وفيًا لدينه في حياته.
مكانته بين الصحابة
لم يكن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه من أصحاب الشهرة الواسعة مثل كبار القادة، لكنه كان من السابقين إلى الإسلام، ومن نقباء العقبة، ومن أهل بدر في العزم وإن لم يشهدها لانشغاله ببعض شؤون قومه، ومن شهداء أحد الذين خلد القرآن والسنة فضلهم.
واجتمع له شرف السبق، وشرف الشهادة، وشرف الثناء النبوي، ثم تلك الكرامة العظيمة التي قصها النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه جابر، فبقيت تتناقلها كتب الحديث جيلاً بعد جيل.
رجلٌ عاش لله... فأكرمه الله بعد وفاته
قضى عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه حياته في نصرة الإسلام، وربى أبناءه على الإيمان، وخرج إلى أحد وهو يرجو الشهادة، بعدما أوصى بقضاء ديونه ورعاية أهله، في مشهد يجمع بين حسن الاستعداد للدنيا والآخرة.
فلما صدق مع الله، صدقه الله، فاستشهد في سبيله، وأكرمه بمنزلة عظيمة، حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى كلمه بعد استشهاده، وبشره بما أعد للشهداء من النعيم.
ولهذا بقيت سيرته واحدة من أكثر السير تأثيرًا في كتب السنة، تذكر المسلمين بعظيم فضل الشهادة، وبأن من أخلص لله في حياته، أكرمه الله بما لا يخطر على قلب بشر، كما أكرم عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، أحد أفاضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المصادر: القرآن الكريم، صحيح البخاري، سنن الترمذي، سنن ابن ماجه، الطبقات الكبرى لابن سعد، السيرة النبوية لابن هشام، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، البداية والنهاية لابن كثير، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.
سلسلة صحابة رسول الله: