هل تتحدث الزلازل معًا؟!

17-8-2026 | 16:01

حين قال القرآن الكريم: «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا»، وضع اهتزاز الأرض في مشهد كوني بالغ الدلالة، يُذكّر الإنسان بأن ما يبدو ثابتًا تحت قدميه يمكن أن يهتز في لحظة.

     ولهذا ظل الزلزال في الوعي الإنساني أكثر من ظاهرة طبيعية؛ فهو لحظة خوف، لكنه أيضًا لحظة تأمل في ضعف الإنسان وحدود قدرته.

      في الثالثة صباحًا من الثالث من أغسطس 2026، استيقظ ملايين المصريين على هزة أرضية بلغت قوتها 5.6 درجة، شعر بها سكان القاهرة والجيزة ومناطق أخرى، قبل أن تتوالى الأخبار عن هزات في كولومبيا وإندونيسيا وإسبانيا.
 
      وسرعان ما ظهر السؤال: هل تتحدث هذه الزلازل معًا؟ وهل نحن أمام موجة واحدة تضرب مناطق متباعدة من العالم؟

     العلم يقول إن الصورة أقل درامية مما تبدو عليه. فالأرض تهتز باستمرار، وتسجل أجهزة الرصد يوميًا عددًا كبيرًا من الزلازل، معظمها لا يشعر به الإنسان بسبب ضعفها أو وقوعها بعيدًا عن التجمعات السكانية. وما يجعل الأحداث تبدو وكأنها سلسلة واحدة هو سرعة انتقال الأخبار ومنصات التواصل، التي جعلت الإنسان يرى في الوقت نفسه ما يحدث في أماكن كانت تبدو له، في الماضي، منفصلة تمامًا.

      لكن هذا لا يعني أن الزلازل لا يمكن أن يؤثر بعضها في بعض. فالعلم يعرف ظاهرة تسمى "التحفيز الديناميكي عن بُعد"؛ حيث يمكن للموجات الناتجة عن زلزال كبير أن تؤثر مؤقتًا في مناطق أخرى تكون أصلا في حالة استعداد زلزالي.

     غير أن هذا التأثير لا يبرر القول إن زلزالاً في مصر تسبب في زلزال وقع بعد أيام في إندونيسيا، فالتزامن الزمني وحده لا يثبت علاقة سببية.

     والأمر نفسه ينطبق على التكهنات التي تربط الزلازل بحركة الكواكب أو اكتمال القمر. وحتى الآن لا توجد طريقة علمية موثوقة تسمح بالتنبؤ بموعد زلزال محدد ومكانه وقوته، ولذلك فإن تحويل المصادفات الفلكية إلى نبوءات زلزالية يظل خارج دائرة العلم.

    أما البعد الديني، فلا ينبغي أن يدخل في صراع مع التفسير العلمي. فسورة الزلزلة تتحدث عن مشهد القيامة، وليست تفسيرًا جيولوجيًا للزلازل الأرضية، لكنها تمنح الظاهرة معنى يتجاوز آلية حدوثها؛ إنها تذكير للإنسان بأن العالم الذي يراه مستقرًا ليس ثابتًا إلى الأبد، وأن القوة البشرية تظل محدودة أمام قوى الكون.

    وهنا يلتقي العلم والإيمان من دون أن يحل أحدهما محل الآخر. العلم يسأل: كيف تتحرك الصفائح والفوالق وتتحرر الطاقة؟ والإيمان يطرح سؤالاً آخر: ماذا يفعل الإنسان أمام هذه الحقيقة؟ هل يحول خوفه إلى خرافة ونبوءات، أم إلى تأمل وتواضع ورحمة وإقرار بعظمة الخالق؟

    لذلك، ربما لا تتحدث الزلازل معًا بالمعنى الذي تتخيله منصات التواصل الاجتماعي، ولا توجد حتى الآن أدلة تجعل هزات متباعدة في أربع قارات قصة واحدة.
  
   لكن حين تهتز الأرض، فإنها تتحدث إلينا نحن؛ لا لتخبرنا بموعد كارثة قادمة، وإنما لتذكرنا بأن ما نظنه ثابتًا قد يتحرك، وأن الإنسان مهما اتسعت معرفته لا يزال يقف فوق أرض لا يملك أن يأمرها بالثبات، وأن هذه الأرض نفسها ستأتي يومًا شاهدة على ما جرى فوقها، كما أخبرنا القرآن الكريم.. فهل نتعظ؟!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: