بالنظر إلى العلاقات المصرية التركية، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لا يمكن اعتبارها تحركًا معتادًا في مساحة المجاملات الدبلوماسية أو البيانات البروتوكولية، ولكن لا تُخطئ الألباب دخول هذه العلاقة ـ بالضرورة وبوضوح ـ مرحلة أكثر واقعيةً ونضجًا، لتحتل عنوانًا بارزًا مفاده تطابق المصالح وإدراك كلٍ من القاهرة وأنقرة أن حجم التحديات المحيطة بالبلدين وبالشرق الأوسط، يفرض هذا النوع من التشاور المستمر، بحيث لا ينقطع عند حدود العلاقات الثنائية، وإنما يمتد إلى ملفات المنطقة الأكثر تعقيدًا وحساسية.
من هنا تأتي زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر، ولقاؤه وزير الخارجية بدر عبدالعاطي، في هذا السياق بالغ الدلالة، إذ تتزامن مع أزمات متشابكة تمتد من غزة إلى سوريا وليبيا، ومن البحر الأحمر والقرن الإفريقي إلى الخليج ومضيق هرمز، بما يجعل التواصل المصري التركي ضرورة سياسية وأمنية، وليس مجرد خيار دبلوماسي.
إن القاهرة وأنقرة لا تتعاملان مع ملفات المنطقة بمنطق رد الفعل الآني، وإنما تحاولان بناء مساحة مشتركة من التفاهم تستطيع الدولتان من خلالها حماية مصالحهما، والمساهمة في خفض التوترات، ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى. فمصر دولة محورية بحكم موقعها وثقلها العربي والإفريقي والسياسي، وتركيا قوة إقليمية ذات امتدادات واسعة، وبالتالي فإن التقارب بينهما يملك قدرة حقيقية على التأثير في معادلات المنطقة ككل.
يأتي قطاع غزة بين مقدمة الملفات التي تفرض نفسها على البلدين، باعتباره القضية الأكثر إلحاحًا والأشد اتصالات بالأمن الإقليمي. ومصر، بحكم دورها التاريخي والجغرافي، تضع تثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، ومنع تهجير الفلسطينيين، والانتقال إلى المراحل التالية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في قلب تحركها السياسي، في هذا السياق الواضح تكمن أهمية التشاور المصري التركي، إذ أن المطلوب لم يعد فقط وقف إطلاق النار، وإنما الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة ما بعد الحرب، وهو تحدٍ أكثر تعقيدًا.
فالمرحلة الثانية من خطة ترامب لا ينبغي أن تتحول إلى عنوان سياسي بلا مضمون، بل إلى مسار عملي يُفضي إلى ترتيبات انتقالية واضحة، وإدارة فلسطينية للقطاع، وإعادة الإعمار، وضمان وحدة الأراضي الفلسطينية، وتهيئة الظروف لحل سياسي دائم. خصوصًا في ظل عدم توقف الانتهاكات والقتل الوحشي من قبل الكيان المحتل، والاستمرار في بناء المستوطنات بالضفة الغربية وحولها. وتتلاقى الرؤى المصرية والتركية في رفض استمرار الحرب كأداة لإعادة تشكيل المنطقة، وفي ضرورة الوصول إلى تسوية تحفظ الحقوق الفلسطينية وتمنع تحويل غزة إلى ساحة مفتوحة للصراع. وقد سبق للجانبين التأكيد على ضرورة تثبيت اتفاق السلام والانتقال إلى المرحلة الثانية، إلى جانب إدخال المساعدات والبدء في التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
ولا تقل الدولة السورية أهمية، حيث إن استقرار سوريا ووحدة أراضيها يمثلان مصلحة مصرية وتركية في آن واحد، رغم اختلاف بعض الحسابات والتقديرات، لذلك فإن الحوار المباشر يظل أكثر فاعلية من إدارة الخلافات عبر الوسطاء أو من خلال الرسائل غير المباشرة. ومن سوريا إلى الملف الليبي، الذي يمثل أحد أكثر الملفات الشائكة، وتكشف كذلك قيمة التفاهم المصري التركي. فبعد سنوات من تباين الرؤى، بدأت المصالح المشتركة تفرض نفسها بقوة: دولة ليبية موحدة، ومؤسسات وطنية قادرة، وحل سياسي، ومنع تحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.
وقد أصبح التنسيق بين القاهرة وأنقرة بشأن الملف الليبي أكثر وضوحًا خلال الفترة الأخيرة. وبطبيعة الحال كان لابد أن يمتد التشاور إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر والقرن الإفريقي والصومال، وهي ملفات لم تعد بعيدة عن الأمن القومي المصري أو المصالح التركية. فأي اضطراب في الممرات البحرية ينعكس على التجارة والطاقة والأسواق، بينما يمثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي امتدادًا مباشرًا للأمن المصري، ومجالًا حيويًا للحركة التركية.
وأمام كل هذه الملفات السياسية والإقليمية، فإن قوة العلاقات المصرية التركية في الوقت الراهن لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات السياسية، لأن القيمة الحقيقية تكمن في تحويل التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية متشابكة تجعل الشراكة أكثر رسوخًا وأقل قابلية للانتكاس، فالتبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو تسعة مليارات دولار، ويسعى الجانبان ويستهدفان الوصول بالمعدل إلى خمسة عشر مليار دولار في وقت قياسي، توازيًا مع تشجيع الاستثمارات التركية في مصر، وتوسيع التعاون في الصناعة والطاقة والنقل والسياحة والتكنولوجيا والصحة وغيرها. كما شهد اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في فبراير الماضي توقيع مذكرات تفاهم في مجالات الاستثمار والتجارة والزراعة والصحة والشباب والرياضة والحماية الاجتماعية، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في العلاقة، أن يتحول الاقتصاد من نتيجة للتقارب السياسي إلى أحد محركاته، كما تبدو السياحة والصحة نموذجين واضحين لهذا المسار، فالسوق التركية أصبحت مصدرًا مهمًا للسائحين إلى مصر، كما يتزايد التعاون في المجال الطبي والاستثمارات الصحية، بما في ذلك مشروعات ذات طابع نوعي يمكن أن تفتح مجالًا أوسع لتبادل الخبرات والاستثمارات.
ولعل اللافت في هذه المرحلة ذات الحساسية والقلق في المنطقة، والتي تحتاج إلى تعاضد الجهود في المجالات كافة، من منطلق أن التعاونيات والعلاقات من شأنها تقوية أواصر المنطقة ككل، فإن التقارب لم يعد حبيس الحكومات والمؤسسات، بل بدأ يجد طريقه إلى الشعوب أيضًا، وربما جاء انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي ليمنح العلاقات المصرية التركية بعدًا شعبيًا وثقافيًا غير مسبوق، ولقد كان ملهمًا أن يكون هذا الانتقال حديث الجماهير حول العالم، كما أنه كان أحد جوانب النقاشات بين وزيري الخارجية في مباحثاتهما، فاستقبال صلاح في تركيا لم يكن مجرد احتفاء بلاعب كرة قدم، بل كان مشهدًا يكشف حجم الحضور المصري في الوجدان التركي، وحجم الشعبية التي يتمتع بها نجم بحجم صلاح.
وقد حظي اللاعب باستقبال جماهيري استثنائي عقب انتقاله إلى طرابزون سبور، في صفقة وصفت بأنها تتجاوز حدود كرة القدم إلى تأثيرات اقتصادية وسياحية وثقافية أوسع، لتصبح الرياضة سياقًا حاضرًا ولغة تضاف باعتبار وانتباه إلى العلاقات الدولية، إذ أن الشعوب لا تتقارب فقط عبر الاتفاقيات، وإنما عبر الملاعب والسياحة والفنون والتعليم والشباب. وكلما اتسعت هذه الدوائر الشعبية، أصبح التقارب السياسي أكثر رسوخًا وأقل ارتباطًا بتغير الظروف.
نحن إذًا أمام بناء شراكة استراتيجية متدرجة بين مصر وتركيا، تقوم هذه الشراكة على المصالح المشتركة، مع الاحتفاظ لكل دولة باستقلال قرارها ورؤيتها الخاصة، وهذه لفتة مهمة للغاية، خصوصًا في الحالة المصرية، لأن القاهرة لا تبني العلاقات أو التحالفات على حساب ثوابتها، ولا تجعل التقارب مع دولة ما خصمًا من علاقاتها مع دولة أخرى، بل إنها سياسة الوعي والاستيعاب والاتزان، التي تقوم على تنويع الشراكات، وإدارة الخلافات، والحفاظ على مساحة مستقلة للحركة، وهو ما يجعل التقارب مع تركيا جزءًا من رؤية أوسع لإدارة المصالح المصرية في محيط إقليمي مضطرب وشديد السيولة.
وفي المقابل، تدرك أنقرة أن القاهرة ليست دولة يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تخص شرق المتوسط أو العالم العربي أو ليبيا أو غزة أو البحر الأحمر. كما تدرك القاهرة أن تركيا لاعب لا يمكن تجاهله في كثير من الملفات الإقليمية. ومن هنا فإن التشاور بين القوتين الإقليميتين يصبح في حد ذاته عنصرًا من عناصر الاستقرار، والمستقبل الحقيقي للعلاقات المصرية التركية لن يُقاس بعدد الزيارات والقمم والزيارات، وإنما بقدرة البلدين على تحويل التفاهم السياسي إلى مشروعات، والتنسيق الدبلوماسي إلى مبادرات، والتقارب الاقتصادي إلى مصالح متبادلة، والعلاقات الشعبية إلى جسور دائمة.