أن يعيش أهل غزة بكرامة (1-2)

17-8-2026 | 14:49

ركز المسعى المصري نحو غزة، خلال الفترة الأخيرة، ليس على الإعاشة في القطاع، وهو يتحين الفرص لتدفق الكثير منها، وليس على علاج المرضى، بينما يضمن الحد الأدنى منه، في الأدوية والمستلزمات الطبية، عبر قوافل زاد العزة، التي بلغت حتى الآن نحو 270 قافلة، لكنه، وكما يتضح لأي مراقب، يعمل على ضمان عيش أهل غزة بكرامة، وهي عندهم أغلى من الروح. 

وأهل غزة اعتادوا المحن، عبر التاريخ، والتعاطي مع حروب وجيوش وغزوات، وكم مرت إسرائيل من أرضهم شرقا وغربا، وفي المقابل كم من المرات قاوموها، حتى تحولت إلى كابوس، تمنى رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين، أن يستيقظ ذات صباح ليجد البحر وقد ابتلعها. 

ولم يكن هذا كافيا لأن يموت رابين طبيعيا، فقد اغتاله الطالب الإسرائيلي المتطرف إيجال عامير، الذي عارض مسارات السلام التي يتبناها، وذلك خلال مشاركة رابين في مظاهرة مؤيدة لاتفاق أوسلو في ميدان بتل أبيب سنة 1995. 

والآن مع تغير الفكر الإسرائيلي، فقد بات تدمير غزة الكابوس البديل، الذي لن يتمكن رئيس الوزراء بنيامين نيتانياهو من تحقيقه أبدًا، رغم كل ما يبدو من خراب في القطاع، جراء حرب الإبادة. 

لقد استغلت حكومة نيتانياهو المتطرفة حادث السابع من أكتوبر، وباشرت خطتها متعددة الأهداف: استعادة الأسرى الإسرائيليين، وتجريد قطاع غزة من مقومات الحياة، ومن أسباب البقاء، وصولا إلى إستراتيجية التهجير بالرعب، وهو ما سعت إليه إسرائيل. وقد بدا لأي مراقب، أن محو غزة من الوجود هو الهدف، أكثر من مسألة استعادة الأسرى. 

واصطدم الهدف الإسرائيلي بالعقبة الأكبر، وهي مصر، التي رفضت التهجير وخططه، ورفضت المشاركة في هذه المهانة، وقالت القاهرة بوضوح عبر بيانات رئاسية وبيانات وزارة الخارجية: "تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه ظلم تاريخي، وسياسيًا وأمنيًا خط أحمر ترفضه مصر قيادة وشعبًا، ولن تشارك فيه تحت أي ظرف لتجنب تصفية القضية الفلسطينية."

أما الشعب الفلسطيني فهو الرافض للحياة خارج أرضه، رغم المحنة العظيمة، ورغم العروض والحوافز المغرية من جانب إسرائيل، وكان هو الآخر عقبة أسطورية "لن نترك هذه الأرض مهما حدث". 

لنذكر أن خطط التهجير قديمة، عبر تحريك عائلات ومخيمات وعمليات دمج في الخمسينيات وفي الستينيات، خصوصا بعد نكسة 67، ثم الترحيل تحت الضغط، بحجج عدة مثل توسيع الطرق وتدمير المخيمات، وهدم منازل غير مرخصة، ومد المناطق الأمنية العسكرية، في السبعينيات والثمانينيات، ثم التسعينيات، إلى حلول الألفية الجديدة. 

وقد حاولت إسرائيل إضفاء بعض المنطق الذي قد يفهمه الأمريكيون الداعمون لكل إجراء إسرائيلي، من أن سيناء يمكن أن تستوعب أهل غزة، مليونان فحسب، أو في الوحدات السكنية الضخمة في مناطق عدة في مصر، وأن إسرائيل والولايات المتحدة سوف تتحملان التكاليف، كما أنهما سوف تساعدان في إسقاط ديون مصر، وتدعمانها ماليًا، ووردت أرقام فلكية في التقارير، لكنهم لم يعرفوا أن العرض مهين، لدولة بحجم مصر، وأكثر إهانة لشعب مثل غزة. 

والفكرة القديمة والتي يعاد تدويرها، طرحت في أول اجتماع للحكومة الإسرائيلية بعد نكسة 67، ووضعت الحكومة خطة تهجير طوعي، فضحتها مصر في الأمم المتحدة، واضطرت إسرائيل إلى إلغائها، فقد اتضح أن 97 في المائة من سكان غزة ظلوا في أراضيهم. وبدأت إسرائيل في خطة جديدة لنقل سكان غزة إلى الضفة تمهيدا لنقلهم إلى الأردن. 

وطرح قائد الجيش مردخاي غور فكرة "التجويع" الممنهج في غزة، لدفع أهلها إلى الرحيل، وخلق ظروف أفضل في الضفة، تغري الغزاويين. فضلا عن خطة مع بلاد أخرى لتجهيز عقود عمل ولمدد طويلة لعمال من غزة، وتزيين خروجهم مع أسرهم لدول في أمريكا اللاتينية. 

كل هذا يمكن اعتباره من تدبير وتنفيذ الأيدي الناعمة، من "حمائم" السياسيين الإسرائيليين، تبعا لتقسيم قديم، كان يضعهم في مواجهة "صقور"، وكان تقسيما خادعا لسنوات طويلة، فكلهم على هدف واحد، هو تقطيع أوصال فلسطين، لجعل حلم الدولة الفلسطينية غير قابل للتحقق أبدا. 

انسحبت إسرائيل من كامل قطاع غزة سنة 2005، لكنها باشرت سياسة مختلفة بعد فوز حماس بانتخابات 2006، وتم فرض الحصار على القطاع، وشن هجمات عسكرية واسعة عليه، وجعل الحياة طاردة للسكان. ولأن الحياة كانت شبيهة العدم في قطاع غزة؛ مما دفع قادة حماس إلى التفكير في تنفيذ طوفان الأقصى، لكنهم لم يدرسوا ـ في رأيي ـ العواقب المحتملة، في ظل يمين متشدد يحكم إسرائيل، وفي ظل الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا) الذين صدقوا السردية الإسرائيلية لوصف ما جرى، وما حدث، والتشويه الكامل لطوفان الأقصى، وادعاءات شموله عمليات اغتصاب وذبح نساء وأطفال. 

لم يبحث أحد في مسببات طوفان الأقصى، من صنوف الإذلال والحصار والقتل والتدمير، ولكن البحث ركز على العرض الذي قدمته حماس في طوفانها، والخطأ الذي ارتكبته المقاومة، هو في عدم تقدير الفائدة التي ستعود على الاحتلال، ليستكمل حلمه بمحو غزة من الوجود، أو كما عبر وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو، بعد شهر واحد من الطوفان، من أن القصف النووي أحد الاحتمالات في غزة، مع استمرار منع إدخال المساعدات إلى غزة ومحوها من الوجود.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة